ارشيف من :نقاط على الحروف

حينما تكشف اميركا عن نفسها

حينما تكشف اميركا عن نفسها

من الطبيعي جدا، ان يتحدث اعداء الولايات المتحدة الاميركية وخصومها، عن جرائمها وانتهاكاتها وسياساتها العدوانية، ومن الطبيعي جدا، ان يقال من قبل البعض، ان ما يتحدث به هؤلاء الاعداء والخصوم، يندرج في اطار الحرب الاعلامية والعمليات النفسية، والسعي لتأليب الرأي العام، وليس بالضرورة ان يكون كله صحيح، مثلما يقال عن ما تقوله الولايات المتحدة عنهم، والقضية هنا غالبا ما تحتمل الكثير من الجدل والسجال، الذي من الصعب ان ينتهي الى نتائج ومعطيات واضحة ومحددة وملموسة، فضلا عن كونها مقبولة، بعيدا عن حسابات المصالح والمكاسب الضيقة والانية.

بيد ان الامر يبدو مختلفا الى حد كبير، حينما تأتي الادانات، وتتكشف الحقائق المؤلمة، والدلائل الدامغة عن جرائم وانتهاكات وعدوانية واشنطن من اوساط ومحافل سياسية واعلامية وحقوقية اميركية، ومن قلب الولايات المتحدة الاميركية.

وهنا سنكون امام قاعدة او مبدأ "من فمك ادينك"!، فأذا كان الخصم والعدو، من الممكن ان يلجأ الى بث ونشر وتشويق قضايا غير حقيقية ولا اساس لها، في اطار استخدام كل الوسائل والاساليب المتاحة لاضعاف خصمه، فمن غير المعقول ولا المنطقي ان يلجأ الى استخدام طرف ما ضد نفسه، لو لم تكن هناك حقائق ووقائع ومعطيات صارخة، من الصعب بمكان اخفائها وتضييعها وطمسها.

ولعله من المفيد ان نسوق بعض الامثلة والمصاديق، حتى يكون الكلام موثقا ومعززا بالمصاديق والاستدلالات المقنعة.

-الكاتب والمحلل السياسي الاميركي ستيفن ليندمان، يقول في تصريحات، ادلى بها قبل حوالي شهر، لقناة (Press TV) الايرانية الناطقة باللغة الانجليزية، "ان جماعة داعش التكفيرية من صناعة الولايات المتحدة الاميركية، وان عمليات القصف الاميركية في العراق وسوريا هي جرائم حرب خطيرة، تسببت بمقتل الكثير من الابرياء، ناهيك عن تدمير البنى والمنشات التحتية، وان قصف وتدمير مدينة الرقة السورية بهذه الوحشية الاميركية ليس له علاقة بمحاربة تنظيم داعش الارهابي، بل يتعلق بتدمير البنية التحتية في سوريا وقتل المدنيين وهذه جرائم حرب خطيرة بلا شك، وكذلك فأن ماتقوم به الولايات المتحدة الاميركية في العراق من تواجد غير قانوني، ودعمها لجماعات ارهابية، وبناء القواعد العسكرية، يثير المشاكل، فداعش صناعة اميركية بتوظيف اسرائيلي بريطاني وبمشاركة فرنسية".

-موقع "اوبن نيوز Open news" الاميركي في تقرير نشره اواخر شهر حزيران-يونيو الماضي، "ان نظام العقوبات الاقتصادية الوحشي الذي اتبعته الادارة الاميركية في عهد الرئيس الاسبق بيل كلينتون خلال تسعينيات القرن الماضي ضد العراق، تسبب بموت مئات الالاف من الاطفال العراقيين، خاصة وأن العقوبات حالت دون قيام العراق بإصلاح محطات معالجة المياه والصرف الصحي التي قصفها الجيش الاميركي عمدً خلال حرب الخليج الثانية".

ويشير الموقع في تقريره الى "ان موقف الليبراليين والديمقراطيين والاعلام في ذلك الوقت هو الصمت، على الرغم من ان رأي الادارة الاميركية لخصته في ذلك الحين وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت، بالقول، -ان العقوبات الاقتصادية على العراق ادت الى وفاة اكثر من نصف مليون طفل عراقي-".

ويؤكد "ان نظام صدام حسين الذي كانت الولايات المتحدة الاميركية تريد الاطاحة به واستبداله بنظام آخر مؤيد لها، هو في الواقع كان حليفا وشريكا لها خلال فترة الحرب العراقية الايرانية، وهي التي كانت تدعم نظامه في شن الحرب على ايران وقتل اطفال الاخرين".

حينما تكشف اميركا عن نفسها

-منظمة العفو الدولية (Amnesty international)، والتي هي غير بعيدة كثيرا عن مؤثرات السياسات والتوجهات الاميركية، اوضحت في بيان لها قبل عدة اسابيع، "إن القصف الذي قادته الولايات المتحدة الاميركية ضد إرهابيي داعش في مدينة الرقة السورية العام الماضي قد كسر القانون الدولي عن طريق تعرض حياة المدنيين للخطر المميت"، والى جانب ذلك فأن هناك الكثير من التقارير المحلية والاجنبية تحدثت عن حجم الدمار الهائل الذي تسببت به القوات الاميركية في عدة مدن عراقية تحت ذريعة محاربة تنظيم داعش الارهابي، في حين تؤكد دلائل ومعطيات عديدة، ان واشنطن دعمت ومكنت ذلك التنظيم الارهابي، وغضت النظر عن جرائمه، وعرقلت خطط القوات الامنية والعسكرية العراقية لقتاله.

-اما موقع "انتي وور Anti-war" الاميركي، فهو الاخر اورد ارقاما وحقائق عن جرائم اميركا ضد الانسانية، حينما اكد "ان الغزو الاميركي للعراق عام 2003 ، تحت ذريعة الاطاحة بنظام صدام، وما تبعه من احداث، تسبب بوفاة 2.4 مليون مواطن عراقي، من مختلف المكونات والانتماءات والاتجاهات".

ويشير الموقع المتخصص في الترويج لمخاطر وتبعات الحروب الى "ان الولايات المتحدة أسهمت بتراجع العراق من مجتمع حضري ومتماسك الى حد كبير الى دولة تعيش عصر ما قبل الصناعة، وانه بالرغم من هذا العدد الهائل من القتلى البالغ 2.4 مليون عراقي، لكن استطلاعات الرأي في داخل بريطانيا والولايات المتحدة وجدت ان اغلبية الجمهور في البلدين يعتقدون أن عدد القتلى لايتجاوز عشرة الاف عراقي فقط".

ويوضح الموقع المذكور، "ان المفارقة المروعة لما يسمى بـ (الاسلحة الدقيقة)، هي أنه كلما أقنع الإعلام الجمهور بشكل خاطئ بالصفات شبه السحرية لهذه الأسلحة، كان من الأسهل على القادة العسكريين والمدنيين الأميركان تبرير استخدامها لتدمير قرى وبلدات بأكملها والمدن في بلد بعد بلد كما في مدن الفلوجة والرمادي والموصل في العراق، وسانغين وموسى قلا في أفغانستان، وسرت في ليبيا، وكوباني والرقة في سوريا".

ويؤكد "انتي وور"، "ان 7%  فقط من اصل 88500 طن من القنابل والصواريخ المدمرة للعراق كانت اسلحة دقيقة، فيما حولت الولايات المتحدة قصف العراق إلى تمرين تسويقي لصناعة الحرب الأميركية وإرسال الطيارين والطائرات من الكويت مباشرة إلى معرض باريس الجوي، حيث شهدت السنوات الثلاث التالية لغزو العراق ارتفاعا قياسيا لصادرات الاسلحة الاميركية بعد انخفاض طفيف خلال فترة الحرب الباردة".

-وبينما اعرب رئيس الوزراء البريطاني الاسبق توني بلير(1997-2007) عن ندمه على المشاركة مع الولايات المتحدة الاميركية بالحرب على العراق،  تتكشف يوما بعد اخر حقائق فاضحة عن دور لندن التابع لواشنطن بالكامل،

  وجاء في تقرير نشرته مؤخرا وكالة "سبوتنيك" الروسية للانباء، انه "فيما يتعلق ببريطانيا فأن تواطؤها مع واشنطن في تجاهلها الصارخ للقانون الدولي وصل الى ابعد من دورها في العراق خلال فترة ما بعد احداث الحادي عشر من ايلول-سبتمبر 2001 ، فهي لم تكتف بالمشاركة في حرب إدارة بوش في العراق، لكنها ايضا كانت متواطئة في ظل حكومة توني بلير، في تعذيب المعتقلين عند اختطافهم وتسليمهم إلى مراكز الاحتجاز التي يسيطر عليها الجيش الأميركي في أجزاء مختلفة من العالم، وأيضاً ما يسمى بـ(المواقع السوداء)، ومرافق الاحتجاز السرية التي تديرها وكالة المخابرات المركزية الاميركية بالتعاون مع دول من طرف ثالث".

وتؤكد الوكالة المذكورة في تقريرها "ان هذه الحقائق المدمرة والصادمة، وردت في تقرير جديد صادر عن لجنة الاستخبارات والأمن البرلمانية في المملكة المتحدة (ISC)، برئاسة عضو البرلمان المحافظ دومينيك، وان هذا التقرير، يعد تتويجا شاملا يغطي السنوات 2001-2010، ويستند إلى خمسين ساعة من الأدلة الشفوية، واستعراض ثلاثين الف وثيقة أصلية، وثلاثين الف ساعة عمل، وكان من بين الشهود الذين قدموا شهاداتهم معتقلين سابقين، وأعضاء سابقين في المرافق التي أعتقل فيها المحتجزون وكبار موظفي الخدمة المدنية".

ويشير التقرير الى انه "في الواقع، لم يكن بلير قادراً على تجنب تحمل المسؤولية عن الجزء الحاسم الذي لعبه في إرتكاب قوات عسكرية بريطانية لحرب لم تؤد فقط إلى عواقب كارثية على الشعب العراقي، بل أدت إلى اندلاع التطرف والإرهاب في جميع أنحاء العالم، وفي المنطقة والغرب في الاعوام التالية ، ومع ذلك تمت إعادة تأهيل بلير من قبل المؤسسة الإعلامية الليبرالية في البلاد، والتي ظهرت بشكل منتظم لطرح وجهات نظره حول خروج بريطانيا، والإرهاب، والسلام في الشرق الأوسط ، وغيرها من المسائل المختلفة".

وفي الواقع، فأن مثل تلك الحقائق والارقام، ليست بجديدة، فمن يتعمق اكثر، ويعود الى الوراء، يجد كمّا هائلا منها على السنة مفكرين وباحثين اميركان وغربيين كبار بوزن نعوم تشوميسكي وروجيه غارودي وغيرهما.

ومجمل تلك الارقام والحقائق، لاتحتاج الى الكثير من التعليق والتحليل والتفسير، لانها تشرح نفسها بنفسها، وتوضح نفسها بنفسها.

2018-07-07