ارشيف من :مقالات

’التهرب الضريبي’.. نافذون تحت سلطة ’مكلّفين’

’التهرب الضريبي’.. نافذون تحت سلطة ’مكلّفين’

عام 1999، قدّم أحد كبار الرأسماليين في لبنان تصريحاً لدى وزارة المالية بنسبة أرباحه التي حصدها. الأخيرة بلغت بموجب التصريح 0.004 بالمئة خلال عام، بينما الحقيقة أتت مغايرة كلياً. دفتر الحسابات المتضمّن للإيرادات مُزوّر، وبالتالي هناك تلاعب واضح في نسبة الأرباح، التي بيّنت عمليات التقصي والتدقيق، تسجيلها نحو 6 أو 7 بالمئة. الرأسمالي المذكور لم يقم بتلك العملية، ويُخفي نسبة أرباحه سوى لغاية في نفسه. غاية يقف التهرب الضريبي خلفها. الرجل يُريد لقرشه أن يُصبح قرشين، كما يقولون، مستخدماً في سبيل ذلك كل أساليب التزوير، ومعتمداً ما بات يُعرف بسياسة الدفترين. إلا أنّ سوء حظ الرأسمالي الذي أوقعه متورطاً في يد موظفين في مديرية الواردات- دائرة الضرائب آنذاك، لم ينسحب على مصيره. فحسن حظه جاء على شاكلة أوامر رسمية للموظفين بغض الطرف وعدم المس به تحت طائلة التوقف عن العمل في ملف الضرائب.

هذه الحادثة ليست جزءاً من مسلسل لا يمت للحقيقة بصلة. هذه الحادثة يرويها لموقع "العهد الإخباري" رئيس فريق العمل الخاص على ضريبة الدخل في مديرية الواردات آنذاك الأستاذ أمين صالح الذي عايش الحادثة وجرت محاربته أثناء مواجهتها. وهي قصّة يجري على شاكلتها الكثير، وفق صالح، الذي يؤكّد أنّ 99 بالمئة من المكلفين في لبنان يتهرّبون ولا يصرّحون أبداً عن حقيقة ميزانيتهم السنوية ووارداتهم ولا أرباحهم. وهنا يؤكّد المتحدّث أنّ أكثر أنواع التهرب من الضرائب، يتم لدى الحديث عن ضرائب على الأرباح.  

وفق خبرته الطويلة في هذ المجال، -وهو الذي شغل 25 عاماً في مديرية الواردات- دائرة الضرائب، قبل أن يتولى مسؤولية الادارة في قسم المحاسبة بوزارة المالية-، يشير صالح الى أنّ التهرب الضريبي يعادل نحو 3 أضعاف الضريبة المصرّح عنها في لبنان، ما يحرم خزينة الدولة من مليارات الدولارات سنوياً، وفق تقارير دولية، وهي مبالغ تكفي لسد عجز لبنان، لا بل إذا عالجت الدولة مشكلة التهرب الضريبي والهدر، يُصبح لديها فائض في الموازنة، وفق ما يقول صالح، الذي يشير الى أنّ  للتهرب الضريبي وجهين: الأول، تهرب مقونن بموجب القوانين التي تعفي من الضرائب، فأحياناً تصدر قرارات عن وزير المالية تعفي المخالفين من الغرامات، والثاني، تهرب ضريبي باعتماد سياسة الدفترين. وهنا يُشدد صالح على أنّ التهرب الضريبي يُشكل الأساس فيما نراه من عجز في الموازنة. 

 

 

يستغرب صالح تلويح البعض بإلغاء أو تجميد مفاعيل "سلسلة الرتب والرواتب" بذريعة عدم التمكن من تمويلها لعجز في الموازنة، بينما الواقع يُشير الى أنّ التهرب الضريبي أساسي في سد العجز في خزينة الدولة، ما يكفي لتمويل أكثر من سلسلة. يختم صالح حديثه باختصار الواقع المؤلم بعبارة " للأسف، فإنّ أكبر موظّف بوزارة المالية تحت سلطة أصغر مكلّف في البلد".  

وزنة: لمكافحة الظاهرة

ما يقوله صالح يؤيّده الخبير الاقتصادي غازي وزنة الذي يشير الى أنّ التهرب الضريبي يُشكّل النقطة الأولى في مكافحة الفساد. ينطلق وزنة بدايةً من تعريف مفهوم التهرب الضريبي، ليشير الى أنه تهرب من قبل المكلّف اللبناني من دفع الضرائب المتوجبة عليه، وهو تهرب يأتي على هيئتين:

1- على هيئة مكلّف مكتوم، أي غير مسجّل في الدولة، ولا يخضع مُطلقاً للضريبة، وهناك الكثير من الحالات لا علم للدولة بها، بسبب غياب الإحصاءات

2- على هيئة شركات تبلغ أرباحها مثلاً مليون دولار، لكنها تُصرّح عن 500 الف دولار، لتدفع ضريبة أقل

 

 

وفيما تكثر التقارير المحلية والدولية المحذّرة من التهرب الضريبي، قدّر "البنك الدولي" نسبة التهرب الضريبي بمليار ونصف الى ملياري دولار سنوياً، أي 5 بالمئة من حجم الناتج المحلي، وسط احصاءات أخرى تتحدّث عن تهرب ضريبي يُلامس حدود الثلاثة الى خمسة مليارات دولار سنوياً، ما يدق ناقوس الخطر من هذا الواقع المؤسف، وفق وزنة، الذي يجب معالجته في أسرع وقت ممكن، كيف؟. 

في معرض حديثه عن مكافحة ظاهرة التهرب الضريبي، يتحدّث وزنة عن عدة خطوات تقع على عاتق الدولة اللبنانية:

1- إجراء رقابة فعلية وإحصاءات دورية لمكافحة التهرب الضريبي
2- رفع الغطاء السياسي عن المكلفين فالكثير من المسؤولين متورطون في هذا الملف
3-ربط كل دوائر الدولة ببعضها البعض في وزارة المالية ما يُسهّل عملية الرقابة 
4- تعزيز دور الهيئات الرقابية، وهو ما تصفه مصادر متابعة للملف بالمهمة الشائكة، فوزارة المالية تعاني نقصاً في أعداد الموظفين الذين من المفترض أن توكل اليهم مهمة التفتيش والرقابة.  

محاسب شاطر!

ومما لا شكّ فيه أنّ عملية التهرب الضريبي تتطلّب الاستعانة من قبل رجال الأعمال أي المكلّفين والمؤسسات الكبرى بمكاتب محاسبة تضم أشخاصاً يُجيدون عملية "اللعب بدفتر الحسابات" بشكل لا يُثير الشك، وهذا ما يُفسّر استعانة الكثيرين بمكاتب تُنجز دفترين للميزانية السنوية؛ الأول يُقدّم الى وزارة المالية كتصريح ضريبي سنوي، يعمل فيها المحاسبون على تخفيض نسبة الأرباح بشكل كبير، ما يعني حكماً خفض قيمة الضرائب المتوجبة، ليبقى الاثرياء في منأى عن الضريبة العادلة، والآخر هو عبارة عن دفتر واقعي يُحدّد أرباح المكلف يحتفظ به لنفسه. مصادر متابعة للملف تؤكّد أنّ جزءاً كبيراً من المكاتب يعمل في مجال التزوير المذكور سعياً وراء عمولة "محرزة"، فيما يرفض البعض الآخر رفضاً قاطعاً الخضوع للعروض ولو كانت مغرية. 
 

2018-12-04