ارشيف من : 2005-2008

كلام البابا: حلقة من حلقات الحملة الصليبية الصهيونية ضد الإسلام

كلام البابا: حلقة من حلقات الحملة الصليبية الصهيونية ضد الإسلام

غير الزلفى لنزوته أو لرغبة مستخدميه، بل جاءت، وهنا مكمن الخطورة الكبرى، على لسان الممثل الأعلى للكنيسة الكاثوليكية، البابا بنيديكت السادس عشر.‏

وقد تمثلت الإساءة في إطلاق مقولات عن قصور منزلة العقل في الإسلام، وعن المماهاة بين الإسلام والحرب المقدسة والعنف والإرهاب، وصولاً إلى الاستشهاد بكلام لأحد الأباطرة البيزنطيين في القرن الرابع عشر قاله خلال مناظرة بينه وبين أحد علماء الدين المسلمين، واعتبر فيه أن محمداً (ص) لم يأت إلا بما هو شرير ولا إنساني لأنه نشر الإسلام بحد السيف، وما إلى ذلك من أقوال جعلت بعض علماء المسلمين يقولون عنه إنه لا يعرف شيئاً عن الإسلام، بأدلة منها كثرة الحض في النصوص المقدسة على إعمال العقل وطلب العلم، وكثرة الآيات والأحاديث التي تطرح الجهاد كرد على الاعتداء.‏

أما بالنسبة للاقتباس عن الإمبراطور البيزنطي في تخرصاته على الرسول الأكرم (ص)، فالواضح أن الإمبراطور ومتابعيه لا علم لهم بالفرق، في الإسلام، بين ما هو شرير وخير، وبين ماهو إنساني وحيواني، وإن كان الأجدر بهم أن يلموا، على الأقل، بتجربة الرسول (ص) مع نصارى نجران.‏

وكان من الطبيعي أن يطلب المسلمون إلى البابا تقديم اعتذار عما جاء به. لكن "قداسته" رفض الاعتذار معتبراً أنه لم يخطئ، وأن الاقتباس عن الإمبراطور البيزنطي لا يعبر عن وجهة نظره الشخصية، وإن كان قد أبدى أسفه لردود الفعل التي صدرت عن المسلمين وللطريقة التي فهموا كلامه من خلالها على غير وجهه، الأمر الذي اعتبره الكثيرون إساءة ثانية لا تقل خطورة عن الأولى.‏

وإذا جاز الافتراض بأن كثيرين من الناس العاديين قد يقعون في شراك القصور في الفهم والتفسيرات الخاطئة، فهل ينطبق ذلك أيضاً، على سبيل المثال لا الحصر، على الرد الذي صدر عن الدكتور بو عمران شيخ، وزير الاتصالات والثقافة السابق ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر، وهو الذي كان لفترة طويلة زميلاً لمستشرقين كبار من أمثال لويس ماسينيون ولويس غارديه وجاك بيرك، حيث تساءل: "ألا يحق لنا أن نطلب إلى البابا أن يعيد النظر بموقفه باتجاه ملائم لإعلان مجمع الفاتيكان ـ 2 الذي أهاب بالمسيحيين والمسلمين أن ينسوا الماضي، وأن يبذلوا الجهد من أجل التفاهم المتبادل، وأن يعززوا العدل الاجتماعي والقيم الأخلاقية؟".‏

وإذا كان سوء الفهم ممكناً على كل حال، من قبل المسلمين الذين ربما يكون تحركهم قد جاء متلبساً ببعض ما هم فيه من مكابدة للعدوان الذي يشنه الغرب، فما القول في ما كتبته نيويورك تايمز عندما كتبت ما معناه بأن العالم كله ينصت عندما يتكلم أحد البابوات، وبأن من المأساوي والخطر أن يقوم أحد هؤلاء البابوات بزرع الألم عمداً أو لقلة الدراية، لتؤكد ـ بعد ذلك ـ بأن عليه أن يقدم اعتذاراً صميماً ومقنعاً ليظهر أن الكلمات يمكنها أيضاً أن تهدئ الخواطر.‏

وما القول في ما كتبته دياريو البرتغالية عندما رأت البابا يقترف خطأً كبيراً إذا اعتقد بأن من شأن هجومه على المشاعر أن يعزز التسامح الذي يدعو إليه، أو في ما كتبته صحيفة "بلجيكا الحرة" عندما أشارت الى أن تمييز البابا بين الإسلام والتعصب الإسلامي قد فقد كل معناه عندما ركز هجومه على الإسلام؟‏

صحف غربية أخرى أشارت إلى أن البابا قد نسي وهو يتكلم في جامعة راتيسبون الألمانية بأنه لم يعد أستاذاً بل ممثلاً للكنيسة الكاثوليكية، وإلى عدم امتلاكه الغريزة السياسية مقارنة مع سلفه يوحنا بولس الثاني، وإلى كونه قد وضع قدمه في الصحن عندما استشهد بإمبراطور بيزنطي، وإلى كونه قد عبر عن امبريالية دينية تحتقر قيم الثقافات المحلية، وإلى إثارته الكثير من العوائق أمام الحوار الروحي، في حين أن سلفه قد اعترف، وإن بشكل خجول، بالأخطاء والجرائم التي ارتكبت باسم السيد المسيح (ع)، وصولاً إلى قول إحدى الصحف "لو كانت هنالك ألعاب أولمبية في الديبلوماسية، لما تسنى للبابا بنيديكت السادس عشر أن يضع قدمه على الدرجة الأولى من السلم المفضي إلى حلبة الألعاب!".‏

وبالطبع، لم تكن هذه الآراء الموضوعية والنزيهة هي وحدها ما جال في ساحة الصحافة الغربية، فتصريحات البابا أطلقت طوفاناً حقيقياً من الآراء والتعليقات التي لم تكتف بنفي الخطأ عن تصريحات البابا، وتأييده في رفض الاعتذار، بل تجاوزت ذلك إلى القول بأن الاعتذار مطلوب لا من البابا، بل من أولئك الذين انتقدوا تصريحاته.‏

ونجد في جملة الآراء تلك التي رأت في الشجب الإسلامي لتصريحات البابا رد فعل انعكاسياً، أي بعيداً عن العقل والمنطق، لا سيما من خلال عدم الرد على النقد ببراهين عقلية، والاعتماد فقط على التظاهرات والتهديدات وما إلى ذلك من أشكال العنف الحقيقي التي جاءت كتأكيد لمخاوف البابا!‏

وقد وصل الأمر ببعضهم إلى حد الحديث عن وجود فوارق جوهرية بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي، وعن إيديولوجيا الحقد التي تشكل واقعاً موروثاً منذ بدايات الإسلام لجهة رفض الاعتراف بالآخر وبتعددية الجماعات الدينية.‏

كما أخذت الآراء شكلاً أشبه بالشتائم عندما شبهت الحوار مع الإسلام بطريق ذي اتجاه واحد، أو عندما اعتبرت أن قسماً من العالم الإسلامي لا يفهم التسامح ولا يحترم الأديان الأخرى، لتقرر أخيراً بأن الأوان قد آن لنهوض الإسلام المسالم. ومن الواضح أن ذلك يندرج في سياق المنطق الذي تحدث به الرئيس بوش مؤخراً عندما ذكر الإسلام الفاشي، ذلك المنطق الذي انضمت أليه آنجيلا ميركل التي اعتبرت، بنبرة عنصرية أكيدة، أن جميع الذين انتقدوا كلام البابا لم يفهموا ذلك الكلام.‏

وفي كل هذا الخضم من الحديث عن عدم الفهم، لم نعثر على كلمة واحدة من شأنها أن تعيننا على فهم المدلول الحقيقي والمقصود الفعلي لكلام البابا، كما ولو أن اللغة قد وصلت إلى حالة من الدمار الشامل فقدت معها كل إمكانية للتعبير المطابق.‏

وبانتظار أن يدلنا أحد على المعنى المقصود، لا يبقى أمام المسلمين إلا أن يفهموا كلام البابا بمعناه المباشر: الإسلام يساوي العنف والإرهاب، مع سبق الإصرار الدولي على عدم وضع تعريف علمي للإرهاب. والإسلام ينفي العقل، مع سبق التجاهل المتعمد لمباهاة الفلسفة الغربية الحديثة بموت العقل وتمجيد الجنون الذي يجد مصاديق أكيدة في سياسات بوش وأمثاله.‏

أما عن استشهاد البابا بكلام الإمبراطور البيزنطي مع تعمده عدم إيراد الرد الذي قدمه العالم المسلم، فإن ذلك يتجاوز معيار العدل ليدخل في إطار اللامعقول، خصوصاً عندما يؤكد البابا عدم تبنيه لكلام الإمبراطور، وخصوصاً عندما يورد كلامه الطالع من أعماق القرون الوسطى في إطار جهده للتبشير بإنجيل عصري.‏

وعليه لا يبقى أمام المسلمين، إلا أن يعتبروا كلام البابا بمثابة الحلقة الأخيرة زمنياً في سياق حملة صليبية أميركية ـ صهيونية ضد الإسلام.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ العدد 1181 ـ 23 أيلول/ سبتمبر 2006‏

2006-09-27