ارشيف من : 2005-2008

لماذا بعضنا أميركي أكثر من الأميركيين؟

لماذا بعضنا أميركي أكثر من الأميركيين؟

د. عصام نعمان(*)

بعد انقطاع طويـل، عاد السفير الأميركي قبل بضعة أشهر إلى زيارة الرئيس سليم الحص. ما ان استوى في مقعده حتى دار بينهما الحوار الآتي:
- فيلتمان: أتدري لماذا انقطعت عن زيارتك؟
- الحص: كلا.
- فيلتمان: لأنك معادٍ لأميركا.
- الحص: هل تعتبر مَن يكون مؤيداً للشعب الأميركي معاديا لأميركا.
- فيلتمان: كلا.
- الحص: حسناً. آخر استطلاعات الرأي العام تشير إلى أن أكثر من ثلثي الشعب الأميركي ضد الرئيس بوش. أنا مع أكثرية الشعب الأميركي. هل تريدني ان أكون معاديا للديمقراطية؟
سكت السفير الأميركي، ثم تلفّظ ببعض عبارات المجاملة قبل أن يستأذن للانصراف... وللانقطاع عن زيارة رئيس الحكومة الأسبق.
ما المغزى من رواية هذه الطرفة، بل هذه الحكمة الطريفة؟
المغزى: وجوب ألاّ يكون بعضنا أميركيا أكثر من الأميركيين أنفسهم. ذلك ان غالبية الشعب الأميركي تعارض سياسة جورج بوش في العراق، وقد فاز الحزب الديمقراطي بأكثرية المقاعد في كلٍ من مجلس الشيوخ والنواب، وباشر مشترعوه منذ نحو سنة في اقتراح مشاريع قوانين لتعجيل إخراج القوات الأميركية من المستنقع العراقي المهلك، ومع ذلك تجد بين المسؤولين العرب من يؤيد سياسة إدارة بوش في العراق وغير العراق دونما مراعاة لمشاعر الشعب العربي، بل دونما تقدير لانعكاس سياسات بوش الفاشلة على حقوق العرب ومصالحهم.
هذه المفارقة المضحكة المبكية مرشحة للتكرار. فقد تحرك الكونغرس الأميركي أخيراً لقطع الطريق أمام أي عمل عسكري لإدارة بوش يستهدف إيران من دون موافقته، وذلك من خلال مشروع قرار طرحه مشترعون نافذون، بينهم المرشحة الديمقراطية الأبرز الى انتخابات الرئاسة السناتورة هيلاري كلينتون، يقضي "بمنع استخدام الميزانية السنوية التي يقرها الكونغرس لعمليات عسكرية داخل إيران"، الأمر الذي يحدّ من خيارات البيت الأبيض خلال السنة ونصف السنة الأخيرة المتبقية من ولاية بوش".
اللافت ان المشرف على صياغة مشروع القرار هو السناتور الديمقراطي وقائد البحرية الأميركية السابق جيم ويب. وقد باشر حملة اتصالات واسعة بين أعضاء الكونغرس تمهيداً لتحويله لرئاستي مجلسي الشيوخ والنواب والتصويت عليه. غير ان الجانب الأكثر أهمية في هذه المبادرة هو مسارعة السناتورة كلينتون الى تبنيها. ذلك ان توقيعها على مشروع القرار يمنحه ثقلا سياسيا كونها المرشحة الأقوى في الانتخابات الرئاسية المقررة خريف السنة المقبلة.
مع ان كلينتون تؤكد تأييدها "لتشديد العقوبات الاقتصادية ضد إيران" إلاّ انها ترى، شأن الكثير من زملائها، انه يتوجب على الكونغرس أن يلعب دوراً مناسباً في المصادقة على تخطيط إدارة بوش لأي خطوة عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية.
إن تزايد معارضة الأميركيين، مسؤولين ومواطنين، لسياسة رئيسهم تطرح على العرب سؤالاً محرجاً حول جدوى استمرار بعض رؤسائهم في تأييد سياساته الفاشلة: هل يعقل ألاّ يجد الأميركيون عامةً وشيوخهم ونوابهم خاصةً مصلحة او منفعة في سياسة بوش تجاه العراق وإيران ويجد المسؤولون عندنا، مع ذلك، مصلحة ومنفعة عربيتين في تأييده ناهيك بمشاركته في بعض جوانب تنفيذها؟
الحقيقة ان من شأن شنّ بوش الحرب على إيران إلحاق أضرار فادحة ليس بإيران فحسب، بل بالدول العربية والإسلامية المجاورة أيضا حتى لو لم تشترك في الحرب، فما بالك إذا ما اشتركت فيها؟
لا يردّ علينا بالقول إن أميركا، بالمقارنة مع إيران، أقوى بأشواط وانها قادرة على تدمير منصات الصواريخ الإيرانية قبل إطلاقها. فقد تأكد للعالم اجمع خلال حرب إسرائيل على لبنان صيفَ العام الماضي ان المقاومة اللبنانية، بقيادة حزب الله، تمكّنت حتى آخر أيام الحرب من إطلاق الصواريخ على "إسرائيل" بلا هوادة. هل إيران أضعف تكنولوجياً وعسكرياً من حزب الله؟ هل يعقل ان تكون قادرة على صنع صواريخ متوسطة وبعيدة المدى وتبقى عاجزة عن توفير الحماية اللازمة لمنصات إطلاقها؟
أميركا صرفت حتى الآن  نحو 650 بليون/ مليار دولار على حربٍ في العراق زعم جنرالاتها عشية نشوبها انها ستنتهي في مدى ثلاثة أسابيع، فإذا بها تدخل سنتها الخامسة. هل يعقل ان تتمكن أميركا، المرهقة مالياً وعسكرياً نتيجةَ حرب العراق، من ان تنهـي الحرب مع إيران، الأكبر والأقوى بمراحل من العراق، بأقل من خمس سنوات؟
ثم ماذا سيكون حال منطقة الخليج، بكل منشآتها النفطية ومرافقها الصناعية ومستوياتها العمرانية، في أثناء الحرب وبعد انتهاء جولات التدمير الواسع الذي سيتناولها عفواً او عمداً؟
ثم ما جدوى تأييد بعض المسؤولين العرب لبوش إذا بدا عاجزاً عن شن الحرب التي يهوّل بها؟ أليس مشروع القرار الذي صاغه السناتور ويب وتؤيده السناتورة كلينتون مؤشراً إلى ان الولايات المتحدة باتت عاجزة عن تمويل حرب ضد إيران ستكون، بالضرورة، أعلـى كلفةً بما لا يقاس بالمقارنة مع حربها المتعثرة ضد العراق؟ هذا مع العلم ان عجز أميركا ليس ماليـا فحسـب بل هو بشري ايضا. ذلك ان صحيفة "انترناشيونال هيرالد تريبيون" كشفت في افتتاحية عددها الصادر بتاريـخ 2/10/2007 ان النقص في عديد الجنود الأميركيين حمل "البنتاغـون" (وزارة الدفاع) على الاستعانة بنحو /160,000/ متعاقد، بينهم نحو /50,000/  من المحاربين المأجورين، أي من المرتزقة، لسدّ النقص في آلة الحرب الميدانية ضد العـراق. هل ثمة حرب في التاريخ استطاع المرتزقة وشذاذ الآفاق ان ينتصروا فيها؟
لا يكفي ان يمتنع المسؤولون العرب عن الاشتراك في الحرب الأميركية المحتملة ضد إيران، بل يتوجب عليهم ان يعلنوا وينشطوا، سياسياً وإعلامياً وديبلوماسياً، في جميع الأوساط والمستويات والميادين لجعلها خياراً مستحيلاً لبوش ولنائبه ديك تشيني.
قيل ان تشيني هو وراء التحريض على شنّ الحرب ضد ايران. حسناً، ان مبادرة السناتور ويب تشكّل صفعةً قوية له، وربما تُنهي تسلّطه على بوش وعلى أركان إدارته الفاشلة.
بدأنا المقالة بطرفة وننهيها بأخرى. فقد سألني الرئيس سليم الحص قبل يومين: إذا مات تشيني، ماذا يحدث؟
قبل أن أجازف بإجابة سريعة قال الحص: يصبح بوش رئيسا!
(*) وزير لبناني سابق

2007-10-05