ارشيف من : 2005-2008

بين تطمينات جعجع وتهديد ولش بالصيف الساخن: توطين الفلسطينيين في لبنان هدية بوش لـ"إسرائيل"

بين تطمينات جعجع وتهديد ولش بالصيف الساخن: توطين الفلسطينيين في لبنان هدية بوش لـ

والاجتماعية والأمنية لتنفيذ مشروع توطين الفلسطينيين في لبنان، وتسخّر لهذا الغرض أنظمتها التابعة في المنطقة وأدواتها في لبنان، وما هذه القضية إلا جزء من مشروع شامل يندرج في إطار الخارطة الأميركية لـ"الشرق الأوسط الجديد"، وهو لا يطال لبنان فحسب، بل يشمل كل الوجود الفلسطيني في الدول العربية، مع ما يرافقه من مستلزمات تغيير ديمغرافي، ولا سيما في العراق حيث تنثر قوات الاحتلال بذور الفتنة وتسعّر أوار حروب داخلية تأخذ أبعاداً طائفية من شأنها أن تقود إلى تغيّرات ديمغرافية ـ عرقية، سواء من خلال الدفع للهجرة إلى الخارج أم من خلال إعادة انتشار جغرافي يشير إلى خارطة توزع سكانية جديدة تتبلور فيها عناصر المشروع التقسيمي الذي يندرج ضمن الرؤية الأميركية المستقبلية للمنطقة، على مستوى الشعوب والأنظمة.‏

التوطين على وقع الصيف الساخن‏

ولعل آخر تجليّات هذه المناخات التحذير الذي أطلقه مساعد وزيرة الخارجية الأميركية دايفيد ولش بأن على لبنان واللبنانيين أن يتوقعوا صيفاً ساخناً، وهو كلام يصب في خانة انعكاسات هذا المشروع في جانبه الأمني على الوضع في لبنان، نظراً لما لمسه الأميركيون والأوروبيون من ممانعة ورفض قاطع من قبل قوى المعارضة اللبنانية للتوطين، ويمكن فهم هذا المعطى أيضاً من خلال المعلومات التي تحدثت عن تعهّد التزم به الرئيس الأميركي جورج بوش أمام حكومة العدو بالعمل على الانتهاء من ملف اللاجئين الفلسطينيين خلال الأشهر المتبقّية من ولايته، أي بمعنى آخر فرض التوطين في لبنان، أو في الحد الأدنى وضع هذا الملف على سكة التنفيذ.‏

ويمكن ربط هذه المعلومات مع التصريحات التي أطلقها بوش نفسه في أكثر من مناسبة وتحدث فيها عن تأسيس صندوق خاص لدفع تعويضات مالية للاجئين في أماكن وجودهم، وبالتالي تطبيق الخطوة الأولى اللازمة على طريق التوطين في إطار ملف شامل يؤدي في النهاية إلى شطب "حق العودة" وإسقاط القرار الدولي رقم 194، وبالتالي إراحة الكيان الصهيوني من جهة، ومن جهة ثانية إزاحة ثقل كبير من على كاهل معظم الدول العربية التي لم تعد تخفي رغبتها في إقفال ملف القضية الفلسطينية ككل، وليس فقط قضية "حق العودة"، خصوصاً بعد أن وصلت الحالة الفلسطينية إلى دركها الأسفل من جرّاء الأزمات السياسية والأمنية التي تثيرها سلطة محمود عباس على الأرض الفلسطينية، وفي طليعتها الضغط باتجاه إلقاء السلاح ووقف العمليات العسكرية ضد الاحتلال ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية.‏

أعداء الأمس أصدقاء اليوم‏

الحديث عن مشروع توطين الفلسطينيين في لبنان ليس جديداً، على الرغم من صدور القرار 194 الذي يكفل حق العودة للاجئين إلى ديارهم مع الاحتفاظ بحق التعويض المالي، فهو يعود إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وما رافقها من تطوّرات عسكرية وأمنية داخلية أخذت أشكالاً طائفية ومذهبية مختلفة، أدّت إلى إعطاء هوية مشوّهة وأهداف مشوّشة للبندقية الفلسطينية، كما أدّت المجريات الميدانية التي تلت الحرب وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما بعده من خروج للمقاتلين الفلسطينيين من بيروت، إلى فرض وقائع جديدة، وأفرزت تموضعاً سكانياً للفلسطينيين داخل مخيمات بؤس منتشرة في المناطق اللبنانية كافة، لتتحوّل القضية إلى عنوان آخر أسهم في تعميق الأزمة، خصوصاً مع استمرار التعنت الإسرائيلي المغطّى والمدعوم أميركياً في رفض عودة اللاجئين، بل الإمعان في تفتيت الوطن الفلسطيني وتشتيت القرار العربي إزاء دعم القضية الفلسطينية.‏

وما يلفت للنظر في تناول هذا الملف في وقتنا الراهن هو أن الأطراف، المسيحية على وجه الخصوص، التي قاتلت الفلسطينيين في السابق تحت ذريعة منع التوطين في لبنان، هي نفسها اليوم تؤكد عدم وجود مشروع من هذا النوع، وعلى رأس هؤلاء سمير جعجع الذي كرّر أكثر من مرة خلال وجوده في الولايات المتحدة أن الإدارة الأميركية لا تريد توطين الفلسطينيين في لبنان، وهو ما يدفع للترجيح بل إلى ما يقارب اليقين من أن هناك مشروعاً فعلياً تعمل عليه واشنطن لفرض التوطين في لبنان، وتعمل على الترويج لهذا المشروع على ألسنة شخصيات مسيحية مارونية، أمثال جعجع وغيره، معروفة سابقة بعدائها للعنصر الفلسطيني، ما يسبغ نوعاً من المصداقية على الادعاءات الأميركية.‏

وقائع تاريخية وميدانية‏

ويمكن في هذا الإطار التذكير بمجموعة وقائع تاريخية وميدانية تقود إلى تأكيد وجود هذا المشروع، وأهمها:‏

* وجود مشاريع دولية أميركية وأوروبية سابقة مقرّة رسمياً انطلقت بشكل أساسي بعد الإعلان عن تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948 وحتى اليوم، تنص على توطين الفلسطينيين في البلدان التي يوجدون فيها بشكل تدريجي، حيث يتم منح اللاجئين في المرحلة الأولى أوراقا ثبوتية والعمل على دمجهم في النسيج الاقتصادي والمالي لهذه البلدان، وتمليكهم لأراضٍ ومنازل وتأسيس شركات وأعمال، ومن ثم منحهم جوازات سفر للتنقل خارج هذه البلدان وصولاً إلى منحهم الجنسية الكاملة.‏

* وجود مشاريع حكومية لبنانية سابقة، خصوصاً في عهد الرئيس رفيق الحريري، وأبرزها مشروع "القريعة" ـ إقليم الخروب عام 1994، ليقام عليها ستة آلاف وحدة سكنية لإيواء لاجئي مخيم شاتيلا الذي تعرّض للتدمير خلال اجتياح العام 1982، واستخدام أرض المخيم لإقامة مشاريع سياحية.‏

* تضمّن كل الاتفاقات ومشاريع التسوية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في مفاوضات مدريد، وما جاء في اتفاق أوسلو، بنوداً خاصة تتناول كيفية معالجة وضع الفلسطينيين في الشتات ولا سيما في لبنان، وتنص هذه البنود على توطين اللاجئين في أماكن وجودهم بذريعة استيعابهم ومساعدتهم على الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، فضلاً عن إنشاء صناديق مالية، وبعضها إن لم يكن معظمها ذات تمويل عربي، لدفع التعويضات للفلسطينيين بإشراف وإدارة جمعيات أوروبية وكندية.‏

* إقرار مرسوم التجنيس عام 1995 الذي طال 150 ألف فلسطيني، وتباعاً ومن خلال الفروع وصل الرقم إلى نحو 250 ألف فلسطيني، مع ما انطوى عليه ذلك على تنسيق مسبق وتنفيذ مدروس ليحاكي بنود اتفاق أوسلو، هذا فضلاً عن توزيع المجنسين وفق حسابات انتخابية خصوصاً في صيدا وإقليم الخروب وبيروت والشمال والبقاع. وتم تخصيص أموال طائلة لتحقيق ذلك من قبل لبنانيين وخليجيين وعرب.‏

* الكشف عن وثيقة التوطين التي تحمل الرقم 7262 وتعود إلى 22/12/2000، على لسان رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون، والتي أقرها الرئيس الحريري في لقاء عقد في منزله للاستفادة من التعويضات المالية التي ستعود إلى خزينة الدولة في تخفيف حجم المديونية العامة.‏

* إعلان وثيقة أبو مازن ـ يوسي بيلين عام 1996 التي تتحدث عن استيعاب الفلسطينيين في أماكن وجودهم، واستبدال مؤسسة الأونروا بمنظمة دولية أخرى تقوم بدفع الأموال لتسهيل عملية الاستيعاب وصولا إلى إعطاء حق المواطنة للفلسطينيين حيث يقيمون.‏

* توقيع اتفاقية جنيف بتاريخ 13/10/2003 كواحدة من تداعيات اتفاق أوسلو ووثيقة أبو مازن - بيلين، ووقّع عليها عدد من الشخصيات الفلسطينية أبرزهم محمود عباس ويوسي بيلين، إلى جانب ياسر عبد ربه، وهشام عبد الرازق، ومحمد حوراني، وقدّورة فارس، ورائد العمري، وهذه الوثيقة تتضمن عملياً الموافقة على عدم عودة اللاجئين إلى الأرض المحتلة سنة 1948.‏

* غياب الدعم العربي الرسمي لحق العودة واندثار المطالبات السابقة بتنفيذ القرار 194، وإقرار السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس بواقع التوطين وعدم ممانعته لهذا المشروع، ما أفقد القضية الفلسطينية وهجها وأحد أهم ركائز قوتها، وظهر ذلك جلياً في المحاولة الفاشلة للعرب المعتدلين بإسقاط المطالبة بحق العودة في البيان الختامي لقمة بيروت عام 2002.‏

* المعلومات التي يتم تداولها في هذه المرحلة وتتحدث عن حركة مكثّفة لشراء أراضٍ في أكثر من منطقة وخصوصاً في كسروان وزحلة وجبيل والبترون والمتن. ومن أبرز الأمثلة عن ذلك ما تم خلال ستة أشهر مضت من شراء نحو 1.3 مليون متر مربع من بينها 77.4% اشتراها سعوديون، ونحو 20% اشتراها خليجيون. مع أن المرسوم المعدّل عام 2001 حدد مساحة الشراء بـ3000 متر بدلاً من 5000 متر الذي نص عليه مرسوم العام 1969، ولكنه سمح لمجلس الوزراء بإصدار مراسيم لمصلحة أفراد لشراء مساحات تزيد عن 3000 متر دون تحديد الغاية. وهو ما تجلّى بسماح الحكومة الفاقدة للشرعية لمواطن أجنبي بشراء 160 ألف متر مربع على كتف البترون وعلى ثلاث مراحل، وشراء 49 عقارا في منطقة دوما.‏

كرمى لعيون "إسرائيل"‏

يجمع كل الأطراف اللبنانيين وغير اللبنانيين على رفض التوطين، ولكن منهم من يحذّر ويعرض أرقامه ووقائعه ويمارس رفضه بالموقف والفعل، ومنهم من يتبرّع ليكون منبراً للدفاع عن الأميركيين والإسرائيليين وينفي وجود مشروع من هذا النوع، في حين أن كل المؤشرات والمعطيات تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن التوطين ليس مجرد "فزاعة"، بل هو حقيقة واقعة تعمل واشنطن بتغطية ودعم القوى المعتدلة العربية والفلسطينية على ترجمته دون الأخذ بعين الاعتبار الثمن الكبير الذي سيتكبده لبنان والقضية الفلسطينية نتيجة ذلك، وكل ذلك كرمى لعيون "إسرائيل".‏

محمد الحسيني‏

الانتقاد/ العدد1266 ـ 9 ابار/ مايو2008‏

2008-05-20