ارشيف من :خاص

المقاومة الجزائرية لويزة احريز لـ "الانتقاد": الانتصار قيمة البعض لا يعرف معناها

المقاومة الجزائرية لويزة احريز لـ "الانتقاد": الانتصار قيمة البعض لا يعرف معناها

أجرى الحوار: أمل شبيب

كانت ما تزال فتاة صغيرة عندما وقعت في حب الوطن. كتبت مع شروق كل صباح سيرتها، وحملت دمها على كفها ومضت. لم تتعب أو تتراجع وهي ما زالت حتى اللحظة ترى الجزائر في موقعها المقاوم، وترى نفسها في سجون الاحتلال الفرنسي، وانها مناضلة تحمل البندقية من أجل الحرية.المقاومة الجزائرية لويزة احريز لـ "الانتقاد": الانتصار قيمة البعض لا يعرف معناها
من بلد المليون ونصف المليون شهيد جاءت لتزور لبنان، جالت في ارض الجنوب ووقفت على تخوم فلسطين المحتلة تستعيد سنوات النضال والفخر... الانتقاد التقت المناضلة الجزائرية "لويزا ايغيل احريز" وكان هذا الحوار...

*"لويزة ايغيل احريز" اسم نضالي لفتاة لم تكن قد بلغت السادسة عشرة من عمرها، كيف بدأتِ سيرة النضال؟

ـ ولدت في المغرب عام 1936 في بيت يؤمن بالنضال ضد الإستعمار أو الإحتلال... لقّنني والدي منذ طفولتي حب الوطن وتشربت من والدتي معنى رفض الظلم والإستسلام. كان والدي يحذرنا دائماً من خطر الإستعمار ويخبرنا بأننا نعيش تحت نير الإستعمار، لكن سيأتي يوم نسترجع حريتنا ما دمنا نحن على قيد الحياة. ثم انتقلت الى الجزائر مع والديّ، وكان ابي يخدم في الجيش الفرنسي معتقداً أنه سيحرر بلاده من النازية، لكنه عندما ادرك حقيقة المستعمر وأطماعه وجّه بندقيته وقرر محاربته، ودرّبنا جميعاً في العائلة على المقاومة، إضافة الى أن جدي كان مقاتلاً فمن الطبيعي أن يرث والدي هذا الحس الوطني عن والده.

*كمناضلة عشت ظروفاً قاسية وصعبة، ماذا تتذكرين من السنوات الصعبة؟

ـ لم تكن هذه الظروف تحيط بي انا وحدي، لكنها بدأت مع والدي يوم كان في سجن بربروس عندما تحدى الإستعمار. والدتي أيضاً عاشت أوقاتا عصيبة عندما قُبض عليها لأنها كانت تنتمي الى أحد تشكيلات نقل الأدوية والوثائق. أختي مليكة أيضاً كانت فتاة مناضلة، وكانت ترمي القنابل. اما أنا فقد دخلت النضال بشكل خفي عام 1957، في حينه كنت ما أزال في المدرسة، وتحديت كل الصعاب من اجل تحرير وطني الجزائر، وقد تعلمت هذا من والدي يوم قام بتأسيس مركز لبيع الخبز وكان يضع الأسلحة داخل أرغفة الخبز ويوزعها على المناضلين اضافة الى الوثائق الخاصة بالعمل النضالي، واعتقل والدي فيما بعد وعذّب كثيراً بسبب انتمائه الى خلايا المقاومة.

* كيف تلخصين لنا طبيعة عملك النضالي؟
ـ عملت في الجبال وبين الأودية... صنعت القنابل ورميتها على المستعمر. تعلمت كيف أقود المعارك، كما حملت السلاح وكنت احرس أماكن الإختباء التي يحتمي فيها الشباب الأخوة.

*ماذا تتذكرين عن التعذيب الذي تعرضت له خلال السجن الذي دخلته مرات عدة بسبب نضالك؟

ـ عندما اعتقلت لم أكن وحيدة... كنت برفقة سلاحي وحزام الرصاص الخاص بي. كنت في نوبة حراسة ليلية عندما سمعت صوت طلقات نارية. يومها دهمتنا قوة استعمار فرنسية، وتلقيت الرصاصات الاولى التي تسببت في مرضي... فقدت الوعي ولم أعد قادرة على إطلاق النار بسبب إصابتي واعتقلت. بعدها أحضروا والدتي وأختي، لكن أمي برغم عاطفتها أنكرتني ـ هذه أمور كنا نتفق عليها مسبقاً ـ أما أختي التي لم تبلغ الرابعة عشرة، عندما رأتني لم يكن باستطاعتها سوى أن تصرخ: انها اختي اتركوها. بعدها انتقلت الى المستشفى وأخرجوا الطلقات من جسدي، إلاّ واحدة لا تزال موجودة حتى اليوم. في المستشفى عوملت بطريقة سيئة جداً، وكان الجرحى الفرنسيون يكسرون قنينة المصل الخاصة بي، وكانوا يضربونني بالشوك والملاعق. في السجن تعرضت لأنواع الضرب على وجهي، وجسدي، كما شهدت أسوأ انواع التعذيب طيلة خمس سنوات في سجون الاستعمار الفرنسي. احاول أن أهرب من الذكريات لكنها اصبحت جزءاً من حياة لويزا، وهي ايضاً لم تنل من عزيمتي فقد واصلت بعدها المقاومة وما زلت حتى اليوم.

* كيف استطعت أن تكملي حياتك فيما بعد؟

ـ لم يكن من السهل ابداً الإستمرار بالحياة. سنوات الإعتقال والعذاب لا بد ان تترك آثارها على حياتنا، لكنّي حتى في هذا قاومت. تزوجت رفيقي في الجهاد والنضال، وحملنا معاً ذكريات هذا العمل، لكن صدّقي لو قلت لك لم أغلق عيني يوماً واحداً من دون ان أفكر بهذه السلسلة الطويلة من العذابات.

* من الجزائر الى لبنان ... رحلة طويلة من المقاومة ضد الإستعمار أو الإحتلال. هل توقعت يوماً أن تطأ قدماك أرض المقاومة في لبنان؟

ـ لبنان صورة راقية عن المقاومة. هؤلاء الأبطال الذين شربوا حب الوطن والتضحية في سبيل تحريره ليسوا إلاّ جنوداً أقوياء، يرتدون الشجاعة ثوباً لهم. كنت انظر اليهم في حرب تموز واستعيد صوراً كثيرة من حياتي. لا يدرك الجميع أهمية هذا النضال وأهمية التضحية، وأن يحمل شخص دمه على كفه ويمضي في سبيل تحرير ترابه. زيارتي للبنان ولجنوبه تحديداً ظلت حلماً يراودني، وقد ازداد أكثر بعد انتصار المقاومة في تموز 2006، لأن معنى الإنتصار قيمة حقيقية قد يتكلم عنها الكثير، لكن قلة من يفهمون ويعيشون فرحة هذا الإنتصار. وحدهم المقاومون ـ والله يحفظهم ويباركهم يا رب ـ رفعوا رأس كل المناضلين عالياً، واليوم تحقق حلمي عندما تنشقت هواء الجنوب، وأنا هنا أمام فلسطين اتنفس هواءً يجب أن يتحرر.

* لماذا تبكي لويزة أحريز حتى هذا اليوم؟

ـ أبكي على السبات العميق الذي يعيشه العالم... أبكي على كل صورة لا تزال تتصدر حياتي في عذاباتي، لكنني بكيت أكثر واكثر على أطفال لبنان في حرب الـ 2006 وعلى أطفال غزة يوم دمرتهم آلات الجيش الإسرائيلي. أبكي على الطفولة والبراءة لأني عشت معنى الألم والظلم وخوف الطفل من المحتل.

2010-06-23