ارشيف من :أخبار لبنانية
حول الهبّة الفلسطينية و «البقاء المقاوم» - جمال زقوت
جمال زقوت - صحيفة "السفير"
برغم عبور الانتفاضة الراهنة، بمدِّها وجزرِها، شهرها الثالث، وبرغم قوة وضوح رسالة شبانها برفض الانصياع والخضوع لمخططات الاحتلال، وفشله في تحقيق ما يُسمّى بـ «كيّ وعي الفلسطينيين»، فإن الأقوال والبيانات اللفظية والمتناقضة بادعاء دعمها أو مساندتها لم تتجاوز «وصف الحال»، وكأن المسؤولية عن تطويرها وتوفير عوامل استمرارها وتوسيع نطاق المشاركة فيها تقع على عاتق آخرين غير معلومين. السؤال الجوهري والتحدي الأساسي أمام الجميع ما زال يتركز حول كيفية توسيع المشاركة، فضلاً عن الآليات القادرة على تحقيق ذلك، وتلك التي تُحصِّنها من الانزلاق نحو العسكرة.
بداية، لابد من الإقرار بأن دوافع الشباب وانتفاضهم على الواقع هي أسباب موضوعية تعاني منها الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني. واذا كان ذلك صحيحاً إلى حد كبير، فإن الاولوية تكمن في كيفية بلورة الأسس والآليات الكفيلة بانخراط الفئات الأخرى من هذه الأغلبية الكاسحة، والتي تتردد حتى الآن في المشاركة لعوامل متعددة. وهذا ما سأحاول الاجتهاد في الإجابة عليه في هذه المقالة محاولاً الاستفادة من تجارب ودروس الانتفاضة الأولى، والتي تميّزت، ضمن أشياء أخرى عديدة، بمجابهة الوجود العسكري المباشر لقوات الاحتلال الإسرائيلي في مراكز المدن والتجمّعات السكانية الفلسطينية. إلاّ أن الأهم والذي مكَّن الانتفاضة من توسيع تلك المشاركة الشعبية تلخَّص في نجاح قيادتها الوطنية الموحّدة في بلورة أهدافها المباشرة المستمدة من التناقض الحاد بين جميع فئات الشعب المختلفة وبين قوة الاحتلال وسياساته وإجراءاته، والتي لم تسلم منها أي فئة اجتماعية. وبالتأكيد، فإن السمة العامة لهذا التناقض مازالت ماثلة وواسعة جداً. فجوهر السياسة الاسرائيلية، والتي تنطلق من رفض الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وبناء مستقبله على أرض وطنه، تكمن أساساً في مصادرة مقومات قدرته على البقاء والحياة عليها، ودفعه للرحيل عنها، خاصة في القدس والمناطق المسمّاة (ج)، وذلك تمهيداً لمصادرتها وضمها. وفي هذا السياق تحديداً تأتي سياسة إطلاق يد المستوطنين، وتتركز جرائمهم أساساً في هذه المناطق. وإذا كان هذا هو الحال، فإن من الطبيعي أن يتمحور النضال الوطني وينطلق، من قبل الجهات والقطاعات الرسمية والشعبية والأهلية والقطاع الخاص، من هذه القاعدة، وفي إطار رؤية متكاملة لمفهوم البقاء المقاوم، وتحدي سياسة الاحتلال بالأشكال كافة، بما في ذلك الخروج التدريجي والمتسارع من قيود «أوسلو» وتصنيفاته، وعلى مختلف الأصعدة الأمنية والادارية والاقتصادية.
بهذا الفهم يمكن تنفيذ المراجعة المطلوبة في المهام والأولويات بصورة عملية كفيلة بتوفير عوامل الصمود وتحويل استراتيجية البقاء المقاوم والانتفاضة الى حالة شعبية عارمة، تنطلق من المصالح المباشرة للقطاعات الاجتماعية المختلفة، والتوزيع العادل لأعباء المواجهة مع سياسات الاحتلال. في إطار هذه الرؤية لا بد من التوقف أيضاً حول مدى تَكيُّف دور مختلف المؤسسات الرسمية والاهلية والاقتصادية لخدمة هذه الأجندة الوطنية، وإعادة تحديد أولوياتها ومهماتها بما يساهم في تعزيز صمود شعبنا خاصة في القدس والمناطق الريفية والمهمشة والمستهدفة من المشروع الاستعماري التوسعي، الهادف الى مصادرة الأرض وسبل الحياة عليها. فمجمل الحالة الوطنية، بما في ذلك الانتفاضة الراهنة نفسها، باتت أمام خيارين. يتمثل الخيار الأول بالنهوض على قاعدة الانتفاضة، والتقدم نحو إنهاء عبث الانقسام وإعادة بناء الثقة بين الشعب ونظامة السياسي المُوحَّد على أساس برنامج كفاحي، وإطلاق المشاركة السياسية القائمة على التعددية في جميع مكونات النظام السياسي وفي العلاقة مع الناس، لاسيما الشباب والمرأة. أما الخيار الثاني، فيتمثل باستمرار اتساع الفجوة وغياب الثقة بين الناس والقيادة السياسية المنقسمة، بما يحمله ذلك من عواقب وخيمة. وفي كل الأحوال، فإن توسيع المشاركة الشعبية والاقتراب من نبض الناس والاستجابة لمصالحهم واحتياجاتهم سيُسهم بالتأكيد في تغليب الخيار الأول ومنع ارتداد طاقة الشبان المنتفض نحو الداخل.
إن تحمل المؤسسة الرسمية لمسؤولياتها الشاملة، لاسيما في القدس وأرياف الضفة الغربية المهمّشة والمهدّدة من خطر الاستيطان، وتشجيع المبادرات الشعبية والتوجّهات التي تتحدّى الاحتلال سيسهم في تعزيز هذه المشاركة، ويشكل بداية تَحوُّل نحو تغيير الواقع، وبالتالي بلورة الأدوات القادرة على تجاوز الأزمة الداخلية التي تعصف بالقضية الوطنية الفلسطينية.
إن هذا يتطلّب أيضاً الإقلاع عن النظر الى المشاريع التنموية سواء الحكومية منها، والتي نفذت بشكل أساسي في الفترة الواقعة بين أعوام 2008 و2013 وتجاوزت الثلاثة آلاف مشروع، أو تلك التي نفّذها ويقوم بها القطاع الخاص في هذه المناطق، على أنها تعايش مع الاحتلال أو تساوقٌ مع ما يُسمى بـ «السلام الاقتصادي»، إذ إنها في الواقع روافع ضرورية لتمكين المواطنين من البقاء، وتعزيز قدرتهم على مقاومة مخططات الاحتلال الهادفة إلى ترحيلهم عن أرضهم ومصادر رزقهم، لاسيما أن كفاح شعبنا وانتفاضته الحالية تتطلب نفساً طويلاً وثباتاً ومراكمةً للنجاحات.
وهنا يجب الإقرار أيضاً بأن القطاع الخاص الفلسطيني لعب دوماً، الى جانب القطاع الاهلي، وعلى مدار سنوات الاحتلال منذ العام 67، دوراً مهماً واساسياً في تعزيز صمود المواطنين وتوفير فرص العمل التي تُمكنِّهم من البقاء على أرضهم ومقاومة مخططات الاحتلال.
تنمية الصمود
وفي هذا السياق، لا بدّ من النظر الى أي مبادرات يقوم بها القطاع الخاص من هذا المنظور، بل لابد من تشجيعه على القيام بالمزيد، وعدم الوقوع في أفخاخ التشكيك، والتي هي للأسف جزء من بقايا ثقافة الهزيمة وعدم الثقة بالقدرة على تحقيق النجاح ومراكمته. على سبيل المثال لا الحصر، فقد شكلت مدينة «روابي» نموذجاً وطنياً ناجحاً على هذا الصعيد، لم تتمكّن من حجب رؤيته كل محاولات التضليل والتشكيك بهذا النجاح الفلسطيني بامتياز، خاصة المحاولات الإسرائيلية التي حاولت أن تنسب هذا النجاح لـ «كرمها» و «مساعدتها». وهي نظرة في جوهرها تكشف مضمون الفكر الاستعلائي العنصري، الذي يرفض الإقرار بقدرة الفلسطيني على الإنجاز، تماماً كما يرفض حقه في البقاء على هذه الأرض وحقه في تقرير المصير والاستقلال والسيادة عليها، في وقت يعلم الجميع حجم العقبات التي وضعتها إسرائيل، ومازالت، أمام هذه المبادرة الريادية، ودلالاتها ليس فقط في مواجهة الاستيطان، بل وفي برهنة قدرة الفلسطيني على بناء مستقبله. هذا النجاح وغيره لطالما اعتبرته إسرائيل فشلاً لها، ناهيك عما وفّرته مثل هذه المبادرات في خلق فرص عمل بديلة للآلاف من عمال المستوطنات، بالإضافة لما تقدمه من أمل للشباب في قطاعات اقتصادية مختلفة. وبالتأكيد هناك عشرات وربما مئات من الأمثلة الأخرى صغيرة الحجم التي نفذت أو يمكن التفكير بها، بما يشمل أيضاً مقاطعة منتوجات المستوطنات، وتوفير البدائل الوطنية التي تمكّن من المقاطعة الشاملة لمنتجات الاحتلال، وغيرها من الأشكال التي مهما بدت بسيطة، لكنها تمكّن كل مواطن ومواطنة من المشاركة في الانتفاضة الشعبية.
إن توسيع نطاق المواجهة مع الاحتلال ومشروعه الاستعماري الاستيطاني يحتاج الى تكامل الجهد الوطني في النضال والبناء والإبداع الفلسطيني بمختلف وسائله وأشكاله، على أن يظل الصمود قائماً على الأرض، وتوفر روافعه ومقوّماته الملموسة، بدلاً من الاعتماد على الخطب الفارغة فحسب. إن هذا المعيار الأساسي للنضال الوطني ولدور مؤسساتنا، سواء الحكومية أو الأهلية أو مؤسسات القطاع الخاص في هذا الجهد الوطني الشامل.
فإسرائيل تدرك من تجربتها الخاصة أن مَن يستطيع بناء مدينة عصرية تنافس أحدث المدن الذكية في العالم، وأن مَن يستطيع أن يقيم آلاف المشاريع الهادفة الى تعزيز وتنمية قدرة الناس على البقاء المقاوم والدفاع عن أرضها، ووضع حد لمخططات تهجيرهم عنها، سيكون بالتأكيد قادراً على إنهاء الاحتلال، وبناء دولة وانتزاع حقه في الاستقلال الوطني والسيادة عليها. وعلينا نحن أولاً وقبل غيرنا أن ندرك هذه الحقيقة ومغادرة بقايا ثقافة الهزيمة، وامتلاك الثقة بالقدرة على النصر، فذلك هو بداية تحقيقه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018