ارشيف من :أخبار لبنانية

طهران.. الحد الفاصل بين مرحلتين - حبيب فياض

طهران.. الحد الفاصل بين مرحلتين - حبيب فياض

حبيب فياض - صحيفة "السفير"

ليس من المتوقع أن تنتفي قريبا الأسباب «الموجبة» للتصعيد السعودي إزاء الجمهورية الإسلامية. أزمة إعدام الشيخ النمر، وما تلاها من إجراءات تصعيدية، سوف ترخي بظلالها على أزمات المنطقة ومساراتها خلال المرحلة المقبلة. التصعيد المتبادل بين الرياض وطهران يدفع بالإقليم إلى حافة الهاوية من دون استبعاد إمكانية السقوط فيها، إذ إن الأمر يحتاج إلى ما يشبه المعجزة في سبيل وضع العلاقات بين الجانبين على سكة التهدئة وصولا إلى التفاهم.

التحولات المشهودة في طريقة تعبير كل طرف عن خصومته للآخر تمهد لما هو أخطر من التصعيد الكلامي. السعودية ماضية في تجاوز الخطوط الحمر بلا تحفظ أو تردد، في ظل موقف أميركي ملتبس لا يمنعها من الوصول إلى مرحلة قلب الطاولة. إيران، من جهتها، بصدد استبدال استراتيجية مد اليد إزاء الرياض بسياسة وضع الحد لسياساتها التهورية. ولا يبدو أن قطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين سوى إجراء أخير قبل الدخول في جولات جديدة من المواجهات الضمنية والمكشوفة، مع انسداد الأفق أمام التهدئة وإعادة وصل ما انقطع من شعرة معاوية.

المشهد الإقليمي، بتحوّلاته المتسارعة، يؤشّر إلى قرب بلوغ الذروة في مستويات الصّراع وأشكاله بين قطبي العالم الإسلامي، الرياض وطهران. الأولى ذاهبة الى التصعيد على نحو غير مسبوق من موقع الفعل الاختياري، فيما الثانية تعيد تموضعها في المنطقة على قاعدة التصدي الاضطراري. المملكة وحلفاؤها يريدون أولاً خلق بيئة متوترة وتقطيع الوقت لعرقلة مسار تسويات أزمات المنطقة بانتظار مجيء إدارة أميركية جديدة. ويتطلعون ثانيا إلى نزع الشرعية الإقليمية عن طهران، من خلال قطع العلاقات الديبلوماسية معها كبديل من الشرعية التي أحرزتها دوليا في إطار التفاهم النووي، ويجهدون ثالثا من أجل إعادة تظهير قوى المنطقة في إطار غالبية سنية متحالفة مقابل أقلية شيعية معزولة.

في هذا الخضم يبقى الموقف الإيراني أساسيّاً في تحديد وجهة الأحداث ومآلاتها. حتى الأمس القريب كانت طهران تتحرك ديبلوماسيا في الإقليم وفق اتجاه واحد بهدف وضع أزمات المنطقة على سكة الحل. حاليا بات المشهد من الزاوية الإيرانية مرتبطا بحسابات جديدة تستدعي من طهران الانتقال من المرونة إلى التشدد في التعامل مع الرياض، ووضع سياسات إقليمية جديدة، ترسم خطاً فاصلاً بين مرحلتين.

من المرجح أن تعمل طهران خلال المرحلة المقبلة، في إطار لجم التهور السعودي، على ثلاثة خطوط: الأول، توفير المقومات التي تسمح لحلفائها في اليمن بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم، حيث إن دخول هؤلاء إلى مدن سعودية قريبة من الحدود بات أمرا مسموحاً، كما أن قصفهم لأهداف سعودية خارج الخريطة التقليدية الراهنة لم يعد ممنوعا. الثاني، اتخاذ إجراءات عسكرية في مياه الخليج تتيح لطهران الظهور بموقع المتحكم فعليا بالملاحة الخليجية. الثالث، تكثيف المجهود العسكري ودعم الحلفاء في سوريا لتحقيق المزيد من المنجزات الميدانية، بديلا من مسار التسوية.

ثمة توجه عام في إيران آخذ بالدعوة إلى التعامل مع السعودية وفق منطق الثورة بعيدا عن منطق الاعتدال الديبلوماسي. المتشددون عادوا الى تكرار ما قاله الإمام الخميني يوما، من «أننا قد نعفو عن صدام، لكننا لن نعفو عن آل سعود.. وأن هؤلاء لو اغتسلوا بماء زمزم مائة مرة لما تطهروا». بينما يرى المعتدلون أن التشدد بوجه المملكة صار ضروريا ما دام القيمون عليها يتلاعبون بمصير المنطقة، ولم يتركوا بسياساتهم المتهورة للصلح مكانا.

2016-01-09