ارشيف من :أخبار لبنانية

الحرب الصاروخيّة الإيرانية.. إلى الواجهة - جعفر سليمان

الحرب الصاروخيّة الإيرانية.. إلى الواجهة - جعفر سليمان


الحرب الصاروخيّة الإيرانية.. إلى الواجهة - جعفر سليمان

جعفر سليمان - صحيفة "السفير"

أزالت إيران عبر الديبلوماسيّة والتفاوض، العقبات التي كانت تحول دون اعتراف العالم بها دولة نوويّة. رفعت العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة عليها، واحتفظت بجوهر برنامجها النووي، إذ إنّ أجهزة تخصيب اليورانيوم ما زالت تعمل وإن بعدد أقلّ، وحافظ مفاعل «آراك» على مياهه الثقيلة بقدرة إنتاج بلوتونيوم أقلّ، وأصبح لإيران مخزون كبير من مادّة الكعكة الصفراء بعد تبادل اليورانيوم مع روسيا.
الملف النووي أغلق على اتّفاق اعتبره كل جانب انتصاراً له. الغرب يقول إنَّه منع إيران من حيازة قنبلة نوويّة، ووضَع ضوابط على برنامجها النووي من خلال رقابة دوليّة تمتدّ لسنوات عدّة، فيما تعتبر طهران أنَّ فترة الالتزام بالاتّفاق، لن تحتاج إلى مجهود كبير، لأنَّ ما تملكه الآن يلبّي احتياجاتها بوجود مفاعل كهروذري واحد في بوشهر جنوب البلاد، إلى جانب حصولها على التكنولوجيا الكافية لتوسيع برنامجها مستقبلاً بقدرات ذاتيّة، مع إشراف دوليّ.

لم يجفّ حبر الاتفاق النووي، حتّى فرضت واشنطن عقوبات جديدة على طهران، فيما يفكّر الاتحاد الأوروبّي في اتخاذ خطوةٍ مماثلة على خلفية التجارب الصاروخيّة الإيرانية، وخصوصاً التجربة الصاروخيّة قبل أشهر للصاروخ البالستي «عماد» الذي يصل مداه إلى 1700 كيلومتر. الرسالة الأميركيّة وصلت إلى إيران: التفاهم بخصوص الملف النووي، لن ينسحب على ملفات أخرى، وليست الولايات المتحدة في وارد حلحلة مشاكلها مع الجمهورية الإسلاميّة على نفس وتيرة المباحثات النووية خلال العامين الماضيين. كما أرادت واشنطن ردّ اعتبار جنودها الذي «ركعوا» على الشواطئ الإيرانيّة قبل أيام. فالمشكلة مع إيران، أنَّها تمضي بعكس التيار الأميركي في المنطقة، وبالتالي فإنَّ التقنيات النوويّة الحديثة، وعدم قدرة طهران على إنتاج القنبلة، لن يشكلّا تهديداً للمصالح الأميركيّة، بل سيدفعان نحو سباق نووي سلمي ستطالب به دول جارة لإيران، خصوصاً في الخليج حيث سيكون لواشنطن الحصة الأكبر من الاستثمارات فيه. هذا يعني أنَّ الغزل الأميركي - الإيراني في الملف النووي، لن يشكّل أرضيّة لأيّ اتّفاقيات أخرى، إذ إنَّ مرحلة جسّ النبض النووي لبناء الثقة واختبار النيات بدأت بالفعل، وكلٌّ ينظر بعين الريبة إلى الطرف الآخر.

التحرّكات الأميركية انطلقت من جديد لاستهداف البرنامج الصاروخي الإيراني. تدرك واشنطن أنَّ فرضيّة امتلاك طهران للقنبلة الذريّة ـ مع استحالتها ـ لن تمكّن إيران من تزويد حلفائها بهذا السلاح. لكنّ تطوير القدرات الصاروخيّة يشكّل تهديداً لكل المصالح الأميركيّة في المنطقة. فالحرب النوويّة مع إيران، قصة خياليّة، والواقع يؤكّد أنَّ أيّ مواجهة مقبلة، قد تكون إيران طرفاً فيها، ستكون المنظومة الصاروخية الإيرانيّة هي سيدة الميدان، إنْ كان على امتداد الجغرافيا الداخليّة إيرانيّاً، أو على مساحة الإقليم. وتالياً، فإنَّ الخطر الصاروخي يهدّد أمن المصالح الأميركيّة في المنطقة. كما يمكن لهذه القدرات الصاروخيّة أن تكون بشكل أو بآخر بأيدي حلفاء طهران، ما يشعل القلق المستمر والتوجّس للكيان الإسرائيلي الذي يرزح تحت إحصاءات الصواريخ الموجودة في حوزة «حزب الله» خصوصاً.
العقوبات الصاروخيّة الجديدة، لن تؤثّر على الصناعات الدفاعيّة، خصوصاً أنَّ طهران تعتمد السريّة التامة في برنامجها البالستي، وقد طوّرت هذه القدرات محليّاً لتنتج عشرات آلاف الصواريخ التي لا تجد مكاناً لتخزينها، وفق تعبير أحد كبار القادة العسكريّين في الحرس الثوري.

الردّ الإيراني على العقوبات لن يكون ببحث شرعيّتها مع الولايات المتحدة، وبرغم أنَّها لا تدخل في صلب الاتّفاق النووي، إلّا أنها تعارض روحه فقط. بل إنَّ الردّ سيكون ميدانيّاً، كما أكَّد وزير الدفاع الجنرال حسين دهقان الذي شدَّد على أنَّ إيران ستُظهر قريباً قدراتها الصاروخيّة وستسرع من وتيرة تطويرها، وذلك من خلال الدعم السياسي والمالي من قبل الحكومة التي أقرّت موازنة خاصة لتطور البرنامج الصاروخي، فيما كان قرار المرشد الأعلى السيد علي خامنئي حاسماً بتخصيص ستة في المئة من عائدات الحكومة للمجهود التسليحي. هذا يدلّ على ردّ الجمهورية الإسلامية على العقوبات وإقفال الطريق أمام المحاولات الغربيّة والأميركية التي فشلت في انتزاع تفتيش لبعض المنشآت العسكرية الإيرانية التي صمدت كخطّ أحمر كاد يفجّر المباحثات النوويّة، ما ينبئ بارتفاع حدّة الصراع الصامت على وقع صفير الصواريخ.

2016-01-20