ارشيف من :أخبار لبنانية

كواليس التفاهم التاريخي

كواليس التفاهم التاريخي

نجحت السنوات العشر التي مضت على إعلان التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر في تمتين العلاقة بينهما. الاستحقاقات الكثيرة التي خاضها الفريقان والتحديات التي واجهاها سويًّا لم تُضعف تحالفهما بل شدّت أواصره إلى حدود التكامل السياسي والشعبي. من كنيسة مار مخايل، أُريد للتفاهم أن يُبصر النور، لتكون راعية وشفيعة لاتفاق وطني قلّما عُقد بين المكوّنات اللبنانية على مدى أعوام الحروب والأزمات. كيف صيغ الميثاق؟ وما اللحظات الأخيرة التي سبقت إعلان التفاهم؟؟

عضو المكتب السياسي في حزب الله محمود قماطي يسترجع في حديث لـ"العهد" مرحلة ما قبل صدور ورقة التفاهم، فيقول إن "المفاوضات التي خُضناها وأسفرت عن الميثاق المُعلن استغرقت فعليًا 6 أشهر من خلال لقاءات مكثّفة وزيارات متبادلة على مستوى أعضاء المجلسين السياسيين للحزبين، بمعدّل كان يصل أحيانًا إلى 3 اجتماعات أسبوعية، إلى أن زادت الوتيرة في الشهر الأخير وتحديدًا في كانون الثاني من عام 2006 (قبل شهر من الإعلان الرسمي) في محاولة لإنجاز بنود الورقة بعد تأمين التوافق من قبل الجانبين حول بنود الحوار والديمقراطية التوافقية وقانون الانتخاب وبناء الدولة والأمن وصولًا إلى حماية لبنان وصيانة استقلاله وسيادته".

قماطي يُعيد بداية التفاوض إلى لقاء جرى على مستوى مسؤولي التيار وحزب الله من أجل فتح قناة بين الطرفين شارك به الحاج غالب أبو زينب عن حزب الله فيما مثّل الوزير جبران باسيل النائب العماد ميشال عون، "وهو ما شقّ طريق النقاش مع مكوّن مسيحي أساسي في لبنان بحثًا عن نقاط مشتركة تُقرّب المسافات، ما حظي بمباركة قيادة حزب الله سريعًا، فالأولوية هي للتلاقي وليس للخلاف الذي كَلَّ اللبنانيون من تبعاته".

كواليس التفاهم التاريخي

السيد نصر الله هو من اقترح كنيسة مار مخايل مكانًا لإعلان التفاهم

 

ويضيف قماطي "عندما باشرنا الحوار مع التيار الوطني الحر لم نكن نتوقع سرعة التجانس والتناغم حول الأفكار المطروحة، لكن الأمور بدأت تتجلّى أكثر مع كلّ توافق على نقطة مطروحة، غير أن هذا الانسجام لم يحلّ معضلة ثلاث نقاط فبقيت عالقة إلى نهار الإعلان الرسمي عن الوثيقة أي نهار الاثنين 6 شباط 2006، ما بُتّ بلحظات في اللقاء الأول بين الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ورئيس التيار الوطني الحر النائب العماد ميشال عون".

الاستعدادات بحسب قماطي "لليوم الموعود"، تسارعت، تمّ تحضير كنيسة مار مخايل لوجستيًا حيث تقرّر عقد المؤتمر الصحافي المشترك بين السيد نصر الله والعماد عون، أُبلغت وسائل الإعلام اللبنانية والعربية والعالمية بأن حدثًا مهمًا سيتمّ الإفصاح عنه الاثنين في الكنيسة، ووقتها، أُحضر ممثّلوها بطريقة سرّية إلى المكان المحدّد دون إطلاعهم عليه، وكانت المفاجأة عندما وجد الصحافيون والمصوّرون أنفسهم داخل الكنيسة. السيد نصر الله وصل إلى صالون الكنيسة قبل العماد عون وانتظره حتى حضر، وتمّ اللقاء بين الرجلين بالمصافحة والعناق وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن، وكان تأكيد من الطرفين على تاريخية اللحظة التي تؤسّس لأسلوب تعاطٍ سياسي في لبنان هو الأول من نوعه".

برأي قماطي، "أثبت التفاهم بعد عقد على توقيعه صوابية الخيار، وأن بنود الاتفاق لا تزال صالحة وسارية المفعول إلى اليوم وهي التي أُضيف إليها دعم التيار للمقاومة في محاربتها التكفيريين، ما يعني أنها تصلح أيضًا لمسوّدة حوار بين جميع المكوّنات اللبنانية".

القيادي في التيار الوطني الحر زياد عبس الذي شارك في صياغة وثيقة التفاهم والتحضير لها يستذكر عبر "العهد" كيف تمّ الإعلان عن الاتفاق، فيقول إن "قرار إنشاء لجنة للبحث في نقاط الاتفاق والتباين مع حزب الله يرجع إلى ما قبل عودة العماد عون من فرنسا، من خلال زيارة أعضاء في المكتب السياسي في التيار الوطني الحرّ لقناة "المنار"، ويشير إلى أن "النقاش الذي بدأ لم يكن بوارد الانتهاء الى النتيجة المعروفة اليوم، أي التحالف؛ ولاسيّما أننا كنا في تموضعات مختلفة، وكلّ هذا حصل خلافًا للتوقعات، نظرًا لسرعة الالتقاء مع حزب الله على عناوين وطنية كثيرة". وفق عبس، "ساعدت الاجتماعات المكثّفة أسبوعيًا بين الجانبين على تقصير المسافات واستعجال البتّ بالتفاهم وإعلانه".

القيادي العوني يتحدّث عن أن "النقاط التي كانت عالقة بين أعضاء لجنة الحوار بين الفريقين توقّفت يوم الجمعة واتُفق على تركها إلى ما بعد التوقيع، وانصبّ التركيز على تحديد مكان المؤتمر الصحافي، وكان من بين الخيارات بلدية حارة حريك، إلى أن اقترح السيد نصر الله كنيسة مار مخايل كمكان مناسب للإعلان عن هذا الحدث، وهو ما حظي بموافقة الجميع وإشادتهم. وعليه، تمّ تجهيز صالون الكنيسة ودعوة الإعلام لتغطية المؤتمر".

بعد 10 سنوات على التحالف، يعتبر عبس أن "وحدة الحال التي أوجدتها ورقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني تسمح لنا اليوم "بتمزيقها".. لا حاجة لها فالقواعد الجماهيرية للطرفين باتت واحدة وموحّدة، تعيش الهواجس السياسة والاجتماعية نفسها، وهي استطاعت تقريب مكوّنين من المجتمع اللبناني".
 

2016-02-05