ارشيف من :أخبار لبنانية

السعودية توقف ’الهبة’ المعطّلة أصلاً.. القصة الكاملة

السعودية توقف ’الهبة’ المعطّلة أصلاً.. القصة الكاملة

لم يكن الاعلان السعودي عن وقف المساعدات للجيش والقوى الأمنية مفاجئاً، خصوصاً بعد وصفها من قبل قائد الجيش العماد جان قهوجي قبل أشهر بأنها "حبر على ورق".

صحيفة "السفير" أكّدت أن "قرار السعودية بوقف المساعدات المقررة للجيش والقوى الأمنية اللبنانية من ضمن هبتي الأربعة مليارات دولار، لم يكن مفاجئاً لأحد، ذلك أن كل المعطيات كانت تشير منذ زمن بعيد إلى أن القرار متخذ لأسباب داخلية سعودية، خصوصاً أنه لم تسجل سابقة من هذا النوع في تاريخ المملكة، لجهة إقدام ملك جديد على إلغاء قرار صادر عن سلفه الملكي، فضلاً عن سابقة ثانية تتمثل في محاولة إلزام عائلة الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز بتغطية هبة المليار، الأمر الذي أثار حفيظة واحتجاج ورثة الملك السابق، فكان أن لجأوا إلى المحاكم في مواجهة تنصل الديوان الملكي السعودي من تغطية المليار".

الصحيفة ذكّرت بوصف قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي في تشرين الثاني الماضي للهبة بأنها "حبر على ورق".

وأضافت الصحيفة "يصبح السؤال في هذه الحالة متمحوراً حول الإخراج والتوقيت اللذين لجأ اليهما السعوديون لاستثمار قرار متخذ سلفاً بإلغاء الهبتين الماليتين لاعتبارات سعودية بالدرجة الأولى، خصوصاً أن الشركات المصنّعة للأسلحة تبلغت من شركة "اوداس" الوسيطة يوم الإثنين الماضي وبرسائل رسمية قرار إلغاء "الطلبيات" المقررة".

"السفير" شددت على أن "الأكيد أن الدوافع التي ذكرها البيان الرسمي السعودي ليست هي الدوافع الحقيقية لإلغاء الصفقتين معاً، وهي دوافع تسبق بوقت طويل، الهجوم على السفارة السعودية في طهران، إثر إعدام الشيخ محمد باقر النمر، وما اتُهم به لبنان من نقض التضامن العربي مع السعودية، في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير ولاحقاً الاجتماع الإسلامي في جدة، وهما اتُخذا ذريعة لإلغاء الهبتين".

السعودية توقف ’الهبة’ المعطّلة أصلاً.. القصة الكاملة

في هذا الاطار، رأت الصحيفة أنه "كان على السعوديين، الذين تستنزفهم "عاصفة الحزم" على اليمن، البحث عن إعادة ترتيب أولوياتهم المالية، لتمويل صفقات عسكرية تبلغ قيمتها أكثر من خمسين مليار دولار، يخصصون غالبيتها لمواصلة الحرب اليمنية، فيما تعاني ميزانية المملكة من عجز بلغ 98 مليار دولار، تمت تغطيته، باستدانة 20 مليار دولار من المصارف، وبيع 70 مليار دولار من الأصول الخارجية السعودية".

وقالت الصحيفة "من المعروف أن الهبة السعودية ولدت من رحم تساؤلات الملك الراحل عبدالله عن استنكاف الجيش اللبناني عن مواجهة حزب الله ومنعه من تجاوز حدود لبنان الشرقية باتجاه سوريا، خلال لقائه برئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان في الرياض، في خريف العام 2013، أي في زمن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي كان يعتبرها السعوديون والحريري "حكومة حزب الله"، ولذلك، يصبح السؤال كيف تقررت في تلك اللحظة، وتلغى مع حكومة تمام سلام التي تمت تسمية رئيسها في الرياض قبل بيروت، وهل اختيار التوقيت على مسافة خمسة أيام من عودة الحريري الى بيروت هو اختيار مقصود أو العكس؟".

ولفتت "السفير" الى أنه "إذا كان السعوديون قد حصلوا الشهر الماضي على ضمانات سياسية وتقنية فرنسية غير مسبوقة، بينها مفاتيح لتعطيل الأسلحة عن بعد، لو قُدّر لها أن تسقط في يد حزب الله، أو تنفيذاً لأي قرار سعودي آخر، فإن السؤال المطروح هو: ما الذي استجدّ في الأسبوعين الأخيرين حتى استدعى مراجعة سعودية شاملة سرعان ما تبنتها دول خليجية مثل الإمارات والبحرين؟".

أما هبة المليار الواحد التي حملها سعد الحريري، من الرياض الى السرايا الحكومية في بيروت، مطلع آب 2014، فكانت ملغاة منذ ان اعترض ورثة الملك الراحل عبدالله على استمرار تمويلها من التركة الملكية لعبدالله، بحسب "السفير". عندما تبين ان "المليار دولار، التي تسلم المشرفون عليها 350 مليون دولار في مصرف لبناني خاص، وليس في حسابات المالية العامة، هي هبة من المال الخاص للملك عبدالله، وليس من المالية السعودية العامة. وهناك فضيحة حقيقية، واكبت هبة المليار، قبل إلغائها، إذ تفيد معلومات فرنسية أن مرجعاً حكومياً لبنانياً سابقاً (على الأرجح بالتفاهم مع مرجع سابق ونائب حالي)، حصل على عمولة 47 مليون دولار، لقاء إيداع المبالغ الأولى من هبة المليار الواحد، في مصرف لبناني في بيروت، كمقدم على الفوائد التي توفرها هذه المبالغ!".

* "طويل العمر" يرمي فتات موائده في لبنان

من جهتها صحيفة "الأخبار"، قدّمت قراءة أخرى لمسببات الواقعة. وأشارت الى أنه "عندما قرّر الرئيس الراحل رفيق الحريري بناء الدولة وفق رؤيته، جعل التسوّل من النظام السعودي مدرسة. يرمي "طويل العمر" فتات موائده في لبنان، فيصبح لزاماً على اللبنانيين التسبيح بحمد "خادم الحرمين". اشتغل الحريري، وورثته من بعده، وفق السياسة الرسمية السعودية: الإسكات، بـ"الحسنى"، او بقوة "القانون" وسيف أموال الاعلانات وغيرها من الوسائل المعروفة. كان ممنوعاً على اللبنانيين انتهاج أي سياسة تبني اقتصاداً وطنياً فيه شيء من المِنعة والاقتدار، وتقيهم ذلّ السؤال".

السعودية توقف ’الهبة’ المعطّلة أصلاً.. القصة الكاملة

الصحيفة رأت أن "الاقتصاد الحريريّ مبني على بيع الأرض للعائلات التي تسطو على ثروات أرض الجزيرة العربية (بيع العقارات في لبنان لأثرياء الخليج يُسمى جذب الاستثمارات)، وعلى سقط متاع قوافلها المحمّلة بالذهب نحو المصارف الغربية (ويُسمّى ذلك تعزيز القطاع المصرفي)، وعلى جذب بعض المهووسين بالجنس والمخدرات (واسم ذلك سياحة)".

حماية هذه السياسة اقتضت بناء جيش تمنع الحريرية عن جنوده وضباطه العيش الكريم، لأن الإنفاق عليهم غير مجدٍ وغير مربح، وفق أدبيات وزير مال الحريرية، فؤاد السنيورة. أما تسليح الجيش، فلا يتم من مال اللبنانيين. الاقتصاد الحريريّ مبنيّ لدولة متخيَّلة، لا حروب فيها، ولا عدو على حدودها، ولا أخطار تتهددها، ولا حامي لها إلا سيد آل سعود. كما أن الاستثمار في تسليح جيش قوي، يحرم النظام السياسي موارد يفضَّل إنفاقها كرشى لتأبيد بقائه متسلطاً على رقاب الناس. لم يُسمح للجيش سوى بالحصول على ما يقرّره الأميركيون: أسلحة خفيفة، وآليات مستعملة حتى باتت متهالكة، وبرامج تدريب محصورة. كل تطلّع إلى مصادر أخرى للتسليح يُواجَه بالتهديد بقطع المعونات الأميركية التي لا تكفي لتجهيز مفارز شرطة فعّالة. كمن يُمنع عنه الطعام، إلا بما يكفي لإبقائه على قيد الحياة بحدها الأدنى، ثم يُهدّده من يحقنه بالقليل، بقطع مصدر عيشه إذا ما حاول الحصول على ما يسد رمقه من مكان آخر.

لخّصت "الأخبار" مسار الهبة بالتالي "قبل أقل من عامين، استفاق ملك سعودي، بإذن أميركي طبعاً، وقرّر زيادة منسوب ما يتلقاه الجيش اللبناني من مساعدات. "عاشت الملكة العربية السعودية"، قالها رئيس الجمهورية، قائد الجيش السابق، ميشال سليمان؛ آل سعود قرروا منح فرنسا 3 مليارات دولار، مكافأة لها على دورها المتصلّب في سوريا، وفي المفاوضات النووية الإيرانية. وبهذه المليارات، سيُرسل لنا الفرنسيون أسلحة انتقتها إسرائيل. دُبّجت المدائح للملك الذي قيل إنه أصاب عصافير عديدة، على رأسها تعزيز دور نظامه في لبنان، و"سحب الذرائع" من المنادين بالحفاظ على سلاح المقاومة. ثم، ولتعزيز القدرة على مكافحة الإرهاب، زار الرئيس سعد الحريري لبنان، حاملاً في جيبه مليار دولار، هبة شخصية من الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز. هنا أيضاً، انهالت على "مملكة الخير" قصائد لم يقلها المتنبي في سيف الدولة. مات الملك، فطالب أبناؤه بمال أبيهم، ومنه المليار الذي قيل سابقاً إنه في جيب الحريري. توقّف إنفاق "الهبة". بدأ حكام نجد الجدد عدوانهم على اليمن، مفتتحين عهد الجنون. يريدون تدمير اليمن وقتل أهله بصمت. تماماً كما احتلوا البحرين. وقتلوا المعتمرين برافعات الفساد في الحرم المكي واغتالوا الحجاج بسوء إدارتهم في مِنى. وارتكبوا مجزرة إعدام بحق من قالوا إنهم إرهابيون. ويُمنع على أي كان الاعتراض ولو همساً. وفيما هم يخفضون إنفاقهم العام بعدما تذوقوا طعم خفضهم أسعار النفط، ولتمويل حربيهم على اليمن وسوريا، قرّروا نقل الجنون إلى لبنان. هدّدوا بطرد اللبنانيين الذين يعملون في أرض الجزيرة العربية، ثم "أهدوا" الحريري إعلاناً بوقف العمل بهبتَي تسليح الجيش. يتذرعون بموقف حزب الله المعارض لعدوانهم على اليمن وسوريا، لوقف تسليح الجيش، بعدما صوّروا سابقاً الهبتين كحجر الزاوية في سياسية محاصرة الحزب".

أضافت الصحيفة "رجال الاعمال الذين يعتاشون من مشاريع آل سعود في الحجاز ونجد والإحساء يهمسون بأن النظام الحاكم لا يدفع لهم بدل اعمالهم منذ أشهر. المملكة إذاً لا تريد ان تنفق، لأسباب خاصة بسياستها المالية الجديدة. لكن إعلانها أمس وقف تنفيذ الهبتين ليس قراراً مالياً، بل قرار سياسي بتصعيد المواجهة في لبنان".

* بداية حرب سعودية على لبنان؟

صحيفة "البناء" بدورها، تساءلت "كيف يتساوى حماس الأسرة الحاكمة لمقاتلة تنظيم "داعش" الإرهابي مع قطع حبل السرّة عن المؤسسة العسكرية اللبنانية وحرمان مغاوير الجيش وألويته من فرصة حقيقية لهزيمة هذا الإرهاب؟ فلو كان آل عبد العزيز جادّين في الحرب على الإرهاب لوجدنا ذلك في اليمن الذي كاد أن يكون الدولة العربية الوحيدة الخالية من الإرهاب، فالسعودية حوّلته مرتعاً لـ"داعش" ولـ"القاعدة" ومتفرّعاتهما، وهي التي جلبت المتشدّدين السعوديين في عام 2007 إلى لبنان لمواجهة حزب الله. كيف للرياض أن تبرّر ذلك أمام العقود التي وقّعت بين لبنان وفرنسا ولبنان وأميركا، وحتى شركات عالمية متعدّدة ستتوقف عن إنجاز ما جرى الاتفاق حوله؟ خاصة أنّ سيرورات هذا الأمر سبق أن انطلقت رسمياً؟".

السعودية توقف ’الهبة’ المعطّلة أصلاً.. القصة الكاملة

وأضافت "هل هذه الخطوة ستشكل بداية لحرب ستشنّها المملكة على لبنان المثقل بالأزمات الكبرى؟ وماذا يعني كلام وزير الداخلية نهاد المشنوق أنّ القرار السعودي هو أول الغيث والآتي أعظم؟ وهل سيشكل القطاع الاقتصادي المالي الساحة الثانية التي اختارتها لتصفية حساباتها مع لبنان؟ وهل سنشهد رحيلاً ممنهجاً لرأس المال السعودي؟ وما هي تداعيات هذا الأمر على الاقتصاد؟ كيف ستنعكس هذه القرارات الكبرى على واقع السياسة المأزوم أصلاً في لبنان؟ وهل يعبّر ذلك عن صبّ المزيد من الزيت على النار المشتعل؟ وهل سيؤدّي إلى حصول انهيارات استراتيجية في مساحات الشراكة الوطنية وعلى رأسها حكومة الرئيس تمام سلام والحوار الثنائي والحوار الوطني؟".

وخلصت الصحيفة الى أن "المملكة ليست في وارد دعم الجيش بالمطلق، فهي تحاول إحداث انقسام داخلي وإشعال خلافات في لبنان، وتريد إبقاء هؤلاء الإرهابيين ورقة تستخدمها في وجه حزب الله عند الحاجة".

 

2016-02-20