ارشيف من :أخبار لبنانية
جامعة الدول «العربية»... في أرذل سنوات العمر - راسم عبيدات
راسم عبيدات - صحيفة "البناء"
بتعيين رجل حقبة مبارك أبو الغيظ أميناً عاماً لجامعة الدول «العربية» تكون «إسرائيل» قد حققت هدفين. الأول: ما صدر عن وزراء خارجية الدول العربية باعتبار حزب الله المقاوم إرهابياً، وعودة رجلها القوي في الحقبة المباركية إلى رئاسة الجامعة، فهو شغل منصب آخر وزير خارجية في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والجميع ممن لا تخونه الذاكرة يحفظ عن ظهر قلب المواقف المخزية له في أثناء عملية «الرصاص المصبوب الإسرائيلية» على غزة 2008 ـ 2009 ، والتي يشتم منها مشاعر الكراهية والحقد على المقاومة وعلى حركة «حماس» الفلسطينية، وهو أيضاً من تعهد بتكسير أرجل الفلسطينيين في حال تجاوزا حدود قطاعهم المحاصر إلى المدن والبلدات المصرية المجاورة، بحثاً عن احتياجاتهم المحرومين منها جراء الحصار.
كان ولا يزال من أشدّ الداعين إلى توثيق وتطبيع العلاقات مع «إسرائيل» وضرب قوى المقاومة. ويجب علينا القول إنّ الجامعة العربية تعرضت لعملية سطو على قراراتها من بعد ما يسمى بـ«ثورات الربيع العربي»، حيث أصبحت مطية لقطر والسعودية، وكانت فترة نبيل اللاعربي من أسوء مراحل الجامعة العربية، مرحلة «الرويبضة»، حيث سعى إلى تدويل الأزمات العربية واستقدام القوات الأجنبية للتدخل واحتلال البلدان العربية، كما حصل في ليبيا، وأيضاً هو من شرع، بطلب قطري ـ سعودي تجميد عضوية سورية في تلك الجامعة، والتي أرى أنّ لسورية شرف عظيم أن لا تكون في تلك المفسدة حتى لا تتحمل وزر مفاسدها.
الجامعة «العربية» استخدمت من قبل مشيخات النفط والكاز الخليجية كمنبر من أجل إصدار قرارات تتعارض مع الأمن القومي العربي والمصالح العليا للأمة العربية، حيث لم تعد سوى «بصامة» خليجية سعودية ـ قطرية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وزراء الخارجية العرب والداخلية من قبلهم كان مطلوباً منهم سعودياً اتخاذ قرار باعتبار حزب الله المقاوم إرهابياً لأنه يعري ويفضح السياسة والمواقف السعودية المعادية للمقاومة ولكونها رأس الفتن المذهبية والطائفية في المنطقة، وهي من تعمل على تدمير البلدان العربية التي لا تتفق وسياساتها في المنطقة وأبرزها سورية والعراق ولبنان واليمن، وكذلك لكون حزب الله شكل قلعة وليس حجر عثرة فحسب، في وجه مشاريعها ومخططاتها في سورية ولبنان على وجه التحديد، ولكون الحزب وقف ويقف إلى جانب حركة «أنصار الله الحوثيين» ضدّ الحرب السعودية الظالمة عليهم وعلى سيادة وكرامة اليمنيين، وكذلك توجيهه انتقادات حادة للسعودية ضدّ ما تمارسه من قهر واضطهاد وظلم وتكميم للأفواه بحقّ أبناء الشعب العربي السعودي تحديداً في المناطق الشرقية «الشيعية».
فترة اللاعربي هي فترة انحطاط غير مسبوقة لتلك الجامعة، لم تسهم في علاج أي من المشاكل العربية ـ العربية، بل كانت تصبّ الزيت على النار في تلك المشاكل، وتعمد إلى تدويلها حيث غياب القرار العربي، بل تمّ توظيف الجامعة خدمة لمن سطوا على قراراتها، كتأييدها ووقوفها إلى جانب السعودية في حربها على فقراء اليمن، والوقوف إلى جانبها ضدّ إيران، فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، والدعوة إلى قطع العلاقات مع إيران بعد الخلاف الذي تصاعد معها بشكل لافت بعد إعدام السعودية للشيخ العلامة نمر باقر النمر.
واليوم، مع تولي رجل حقبة مبارك أبو الغيط أمانة الجامعة العربية، والمعروف بمواقفه المعادية لكلّ من هو مدافع عن الأمن القومي العربي والكرامة والعزة والمصالح العربية، فهذا يكشف عن عمق التحولات التي طرأت على السياسات والأولويات العربية، بعد سنوات خمس من اندلاع ما بات يُعرف بـ «ثورات الربيع العربي». فاختيار الرجل لهذا الموقع لا يمكن أن يفهم خارج منطق «تصفية الحساب» مع ثورات الإصلاح والتغيير التي اجتاحت مصر والعالم العربي في الأعوام الأخيرة، من قبل الذين عجزوا بالأمس عن تثبيت حسني مبارك في موقعه، أو إعادته إلى السلطة مرة ثانية، ينجحون اليوم في إعادة أحد أبرز رموز نظامه، إلى رأس هرم العمل الجماعي العربي. ومن غير المستبعد أن يكون مجيئه، لكي يكمل مشوار اللا عربي في إخراج وتشريع وترسيم التطبيع ما بين الدول العربية وبالذات الخليجية منها وبين «إسرائيل» من مرحلة السرية إلى العلن، وربما بفضل «بطولات» أبا الغيظ تصبح «إسرائيل» عضواً في جامعة الدول «العربية» أو قد تتسلم معشوقة ومعبودة الزعامات العربية والفلسطينية وزيرة خارجية «إسرائيل» السابقة تسيبي ليفني أمانتها العامة، ويصبح الناطق بلسان الجيش «الإسرائيلي» أفيخاي أدرعي الناطق الرسمي باسمها، عندما تكون قد تحللت من كلّ أشكال ووشائج العروبة.
هذه الجامعة أضحت مجرد جثة هامدة، ليس مطلوب وجودها سوى من أجل أن توضع أختامها على كلّ القرارات التي تفرق العرب ولا توحدهم، تستقدم الجيوش الأجنبية لغزو بلدانهم واحتلالها وتدميرها، تجرِّم نهج وخيار وثقافة المقاومة، تشرع وترسم التطبيع ما بين دولة الاحتلال والدول العربية، وإقامة العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية والديبلوماسية معها، والأهم عقد الأحلاف الأمنية والعسكرية معها، حيث نرى أنّ مشيخات النفط التي قادت الفتن المذهبية «سني ـ شيعي» ونقلتها إلى المستوى الشعبي، لكي تخلق ثارات يصعب دملها وحالة من التفكك المجتمعي بين مكونات الدول العربية مذهبية وطائفية وإثنية، ما يصعب من تحقيق المصالحات واستعادة اللحمة والوحدة المجتمعية.
لم تعد تجدي كلّ عمليات الإصلاح في هياكل ومؤسسات الجامعة العربية، فهناك من لا يريد أن تكون جامعة قوية قرارتها لها «أنياب» وترجمات على أرض الواقع، فكلّ القرارات التي تتخذ من قبل جامعة الدول العربية المتعلقة على سبيل المثال بدعم القضية الفلسطينية وتوفير شبكة أمان مالية للسلطة الفلسطينية، أو إدانة إجراءات وممارسات الاحتلال وجرائمه ضدّ الشعب الفلسطيني والمقدسات وغيرها، تبقى حبراً على ورق، ومجرد شعارات وبيانات وقرارات رفع عتب، وكذلك هو حال ما يسمى بالمبادرة العربية للسلام من قمة إقرارها وتبنّيها في بيروت 2002 وحتى اللحظة «إسرائيل» ترفضها، ويجري الهبوط بسقفها و«تكييفها» حتى تقبل بها «إسرائيل» من دون جدوى، فلو كان خلفها قوة دفع حقيقية وحوامل تنظيمية وسياسية جادة ودول مالكة لقراراتها وإرادتها السياسية لما تجرأت لا «إسرائيل» ولا أميركا على رفضها.
الجامعة العربية لكي تكون جامعة حقيقية لكلّ العرب وبيت وحدوي لهم، يجب أن تعود لها عروبتها المختطفة أولاً، ويجب أن تخرج من تحت عباءة مشيخات الخليج النفطية، وأن تجري عملية تغيير جذري في كلّ هياكلها ومؤسساتها وآليات اتخاذ قرارتها، ومتابعة تنفيذها على أرض الواقع، وكذلك يجب أن تخطو خطوات جدية وعملية نحو حماية الأمن القومي العربي، بتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك.
وأختم بما قاله الصحافي عريب الرينتاوي «ستدخل جلسة وزراء الخارجية العرب الأخيرة تاريخ جامعة العرب، بوصفها نقطة انعطاف كبرى، إن لجهة تسوية الحساب مع «الربيع العربي» أو لجهة إعادة تقويم الأخطار والتهديدات والتحالفات في المنطقة».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018