ارشيف من :أخبار لبنانية
أزمة أوروبا... معضلة الإرهاب وصعود اليمين - وصفي الأمين
وصفي الأمين - صحيفة "الأخبار"
لم يعد هناك شك في أن أوروبا أصبحت في قلب المعركة، وجزءاً أصيلاً من أزمة الشرق الأوسط، مع تحولها إلى أحد مواطن الإرهاب، العابر للحدود والدول والأديان. وعلى رغم احتمال أن يعيد الاتحاد الأوروبي النظر في سياسته الخارجية والأمنية، فإنه ليس في وارد الذهاب بعيداً في الحرب على الإرهاب.
ولا قدرة له على التأثير الحاسم، ولا يملك سياسة واضحة، ولا بدائل صلبة. والأهم أن لا قدرة للأوروبيين على تغيير مسار الأحداث، إلى جانب الشك في قدرتهم على المناورة والمبادرة ولعب دور أكثر استقلالية عن واشنطن في المشهد السياسي الدولي. فضلاً عن صعود واضح للتطرف السياسي في القارة، الذي بات يهدد وحدتها ويفاقم أزمتها.
الاعتداءات الأخيرة في العاصمة البلجيكية بروكسل، جسدت أسوأ مخاوف الاستخبارات والشرطة الأوروبية، ورغم أنها كانت تنتظرها، فقد عجزت عن منعها، ليثبت فشل استراتيجية الغرب في مواجهة الإرهاب. فالاعتداءات هي نتيجة طبيعية لمجموعة عوامل تظافرت في لحظة واحدة.
أولاً: انهيار حدود الاتحاد الأوروبي أمام موجات اللاجئين الأخيرة، الملغمة بأعداد غير معروفة من الإرهابيين، المحملة بحواضن محتملة لهم. وانهيار الحدود، بسبب العجز عن حمايتها، ليس سوى بعض حصاد سياسات الدول الأوروبية والغربية، التي سببت خللاً خطيراً في التوازن العالمي، فاقم مشكلة الهجرة وساهم في تزايد أعداد اللاجئين. وليبيا أبرز الأمثلة الطرية، حيث أسقط الأطلسي وحلفاؤه نظامها ومزقوا نسيجها الاجتماعي، ففتحوا أخطر وأوسع بوابات العبور غير الشرعي للاجئين والمهاجرين إلى أوروبا. واستغل أردوغان تورط الغرب في ليبيا والعراق وسوريا لفتح بوابة تركيا أمام اللاجئين لابتزاز التحالف الأميركي.
ثانياً: فشل الأمن الوقائي الأوروبي المتكرر، من اعتداء شارلي إيبدو، إلى تجنيد الإرهابيين وتسهيل تدريبهم وتسليحهم وتمويلهم ثم عبورهم إلى سوريا، وليس انتهاء بالهجمات الأخيرة، حيث خططوا وتحركوا في عدة دول، ثم نفذوا، من دون أن تنجح أجهزة الأمن في كشفهم وإحباط خططهم. هذا فضلاً عن أن اللجوء إلى الحلول الأمنية في معالجة مشكلة الهجرة والمهاجرين، كان مصيره الفشل، بل حوَّل المشكلة إلى معضلة، بسبب تصنيف معظم المهاجرين كحواضن محتملة للإرهاب، فوقعت أوروبا في أزمات سياسية وأمنية واجتماعية وأخلاقية، دفعت بالمزيد من مواطنيها للانضمام الى الجماعات الإرهابية.
الأوروبيون قلقون من دخول العالم مرحلة انفراط عقد المجتمع الدولي
ثالثاً: الأوروبيون قلقون من دخول العالم مرحلة انفراط عقد المجتمع الدولي، وبدء مرحلة من التنافس تجعل من الحرب في سوريا، فصلاً جديداً من فصول الصراع الذي يريد البعض جعله مدخلاً إلى نظام عالمي جديد. ويخشى الأوروبيون من أن يفاقم تصاعد المواجهة في المنطقة موجات الهجرة واللجوء إلى قارتهم، وبالتالي زيادة الأعباء والتهديدات الأمنية، وربما تحويل أراضيها إلى ساحة مواجهات مع الإرهاب، وميدان حرب بين «دواعش» أوروبا « المسيحيين»، و«دواعش» الشرق الأوسط «الإسلاميين».
رابعاً: يعتبر الأوروبيون التواجد الروسي في القرم وأوكرانيا وسوريا، التهديد الأخطر على أمن قارتهم، منذ الحرب العالمية الثانية. وتثير أحداث أوكرانيا مخاوفهم من انقسامات طائفية ومذهبية وقومية في القوقاز والبلقان والجمهوريات السوفياتية السابقة، سيمتد تأثيرها إلى غرب أوروبا. فضلاً عن عجزهم عن تحديد ماهية التدخل الروسي في سوريا، هل هو دفاعي؟ أم يحمل أهدافاً توسعية في المنطقة والعالم؟ خلال السنوات الماضية حاولت روسيا الدخول إلى حلف الأطلسي، وعملت أوروبا على ضمها إليها، لكن الولايات المتحدة رفضت، وأحبطت محاولات الطرفين عبر أزمتي أوكرانيا وسوريا. رئيس وزراء فرنسا السابق فرنسوا فيون، يأمل في أن تعقد أوروبا تحالفاً مع روسيا ضد الإرهاب وخصوصاً ضد «داعش»، شبيها بذلك الذي عقد ضد النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية. فانهيار حدود الاتحاد الأوروبي، أجبر بعض دوله على رفع الأسيجة والجدران على حدودها، وهو ما يثير مخاوف من تفجير دوله من الداخل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018