ارشيف من :أخبار لبنانية

موسكو تلاعب كيري وتعيد تنظيم المراحل - ناصر قنديل

موسكو تلاعب كيري وتعيد تنظيم المراحل - ناصر قنديل

ناصر قنديل - صحيفة "البناء"

- لم يكن صدفة الإعلان الروسي عن انسحاب القوات الرئيسية لروسيا من سوريا يوم بدء المحادثات الهادفة لحل سياسي في سوريا، وبات معلوماً أن التزامن كان مدروساً لإفهام القيّمين على وفد جماعة الرياض أن ليس بمستطاعهم ممارسة الدلع السياسي لهذه الجماعة لتمارس التعطيل، مطمئنين أن روسيا باتت أمام عداد الوقت مضطرة أن تدفع فاتورة إنجاح المفاوضات السياسية، ومجبرة على توفير مقومات الفوز في الحرب على داعش بمفردها لتتولاها نيابة عن الغرب المرتاح لممارسة لعبة الابتزاز فجاء الإعلان كصاعقة أصابت العواصم الغربية بالذهول، و جاءت تفجيرات بروكسل لتقول إن الغرب هو من ليس بمستطاعه التباطؤ في توفير مقتضيات الحرب على الإرهاب وفي مقدمتها إنجاز الحل السياسي لتشكيل حكومة سورية موحدة تحظى بالاعتراف الدولي وتكون قاعدة صلبة لتعاون دولي وإقليمي يضمن الفوز في هذه الحرب.

- لم يكن توقيت معركة تدمر والإنجاز النوعي الذي حققه الجيش السوري وحلفاؤه بدعم روسي كامل، يوم وصول وزير الخارجية الأميركية جون كيري إلى موسكو صدفة. فالحرب على الإرهاب غير مشمولة بالهدنة، والانسحاب الروسي لا يشمل مقتضيات الدعم التي يحتاجها الجيش السوري في حربه، وكيري يعلق الحرب ليست انتهاكاً لأعمال الهدنة، لكن وزارة الدفاع الروسية تقول إنها تجري محادثات مع الأميركيين حول جبهة النصرة ومواقع تواجدها، لتقول إن الخطوة التالية بعد تدمر هي إدلب، وإن الجيش السوري سيواصل مهامه القتالية إذا بقيت المفاوضات تراوح مكانها، وإن على الساعين لحل سياسي إدراك أن بلوغ الجيش السوري أطراف الرقة بعد تحرير المدى الشمالي والجنوبي لحدود سوريا الدولية، قبل ولادة هذا الحل، يفقد هذا الحل الكثير من الأسباب، ويصير المطروح على الطاولة السورية مقابل الابتزاز لتقديم الشراكة في الحرب على الإرهاب، هو الحسم مع داعش دون انتظار ولادة التحالف الدولي الإقليمي، فلا مساومة على الشؤون السيادية السورية مقابل هذه الشراكة، والرئاسة السورية في المقدمة، وموسكو ليست مستعدة لدفع فواتير العجز الغربي عن مواجهة الحقد والحسابات السعودية الصغيرة.

- يتذاكى كيري بعرض مقايضة وجود حزب الله في سوريا ووضعه مقابل جبهة النصرة، ثم جعل خروجه من سوريا شرطاً للحل إرضاء معنوياً للسعودية، ثم يطوي أوراقه ويكتفي بالسعي لتحصين الهدنة، فيجد أمامه مفاجآت روسية تشبه توقيت تدمر وتوقيت الإعلان عن الانسحاب، مقايضة إقناع الأكراد بشراكة أميركية روسية بالتراجع عن الفدرالية من طرف واحد مقابل ضمان مشاركتهم في المفاوضات، وترك مستقبل ما يسمى بآلية الانتقال من الحرب إلى السلم على مستوى هيكلية مؤسسات الدولة السورية للسوريين، فيخرج دي ميستورا معلناً في مؤتمر صحافي أن مشاركة وفود متعدّدة للمعارضة هو أمر طبيعي يعكس حال هذه المعارضة، فتهلل جماعة الرياض وتحتفل بورود مصطلح الانتقال السياسي وهم يسمعونه يقول إن الآليات هي شأن السوريين وحدهم، ويرد على أسئلتهم عن حزب الله وتصنيفه إرهاباً، بأنه في لوائح الأمم المتحدة النصرة وداعش فقط هما الإرهاب حتى الآن.

- موسكو تحدد لكل مرحلة عنواناً، وتُعِدّ له العدة، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجية روسيا سيرغي لافروف لاعبان محترفان في الدبلوماسية والأمن والسياسة، قبل خمسة شهور قرار الدخول العسكري لفرض معادلة إخراج تركيا ما وراء الحدود وإسقاط مشروعها لإقامة ما تسميه بالمنطقة الآمنة، وفرض قرار أممي بإخراج الرئاسة السورية من التفاوض الدولي والإقليمي كبند من بنود الحل السياسي، وقبل ثلاثة شهور في ميونيخ بعد نجاح فيينا ونيويورك بتتويج المرحلة الأولى، نجاح المرحلة الثانية بإسقاط خيار جبهة النصرة الذي شكل عنوان المشروع السعودي التركي الإسرائيلي الغربي، لخوض الحرب ولعب السياسة، وحسم استثنائها من الهدنة وتصنيفها أممياً على لائحة الإرهاب، واليوم تخوض موسكو معركة كسر احتكار جماعة الرياض للتفاوض باسم المعارضة من البوابة الكردية بعدما أعدت لذلك جيداً، وعرضت معادلة لا يمكن لكيري رفضها، مقعد تفاوضي بدلاً من الفدرالية الأحادية، فسقطت جماعة الرياض بالضربة القاضية، ولم يحِن بعد التوقيت لمعركة عنوانها لا نقاش في مستقبل الرئاسة السورية، ولا مكان لهيئة حكم انتقالي، والاكتفاء بوضع روزنامة عنوانها حكومة ودستور جديدان في الصيف، وشأن التفاوض بين السوريين الجواب عن كيف، وربما يكون التوقيت مع إدلب أو مع حلب لقطع دابر الجدل حول كيف.

-
هجمات بروكسل وقبلها هجمات باريس، لن تصعد المواجهة مع الإرهاب فقط، بل هي من مقدمات تسعير المواجهة بين اليمين الأوروبي المتطرف من جهة، وبين اليسار والليبراليين من جهة أخرى. فأسهم اليمين ترتفع، ومبررات عدائيته وعنصريته تتراكم، والشارع ينزع باضطراد نحوه، باعتباره البديل القادر على المواجهة. واليمينيون الفاشيون والنازيون...الخ، هم «دواعش» أوروبا المتحمسون لهذه المواجهة، ولتبني استراتيجية «إدارة التوحش» في أوروبا، بالإقصاء والاعتداء والعنف والطرد، مستغلين حالة الاستياء والخوف. فللفاشية الأوروبية قواعد شعبية مهمة، وساهمت قدرتها على التكيف مع التحولات التي فرضتها العولمة، في توسيعها، وساعدت ظاهرة الإسلاموفوبيا في تصليبها. ورغم أن اليمين الأوروبي أكثر عنصرية وعدوانية، فهو أكثر وضوحاً وأقل نفاقاً من معظم الاشتراكيين والليبراليين، الذين يستخدمون شعارات وقيماً إنسانية، لتبرير نهب ثروات الشعوب والعبث بمصائرها، وهدم مجتمعاتها أحياناً. وهم اليوم في حالة تماه مع شعارات اليمين وخطابه، إلى درجة تلاشي الفوارق بينهم في النظرة إلى المهاجرين. بل إن دفاع اليسار عن اللاجئين خلال موجة اللجوء الأخيرة، قام في الأساس على أهداف أنانية، منبعها الدفاع عن أنفسهم بالاستعانة بالمهاجرين واللاجئين في مواجهة اليمين، لمنعه من السيطرة على المجتمع والسلطة. إلا أن الهجمات الأخيرة تصب في مصلحة اليمين المتطرف، المعادي للمهاجرين، المطالب بوقف الإجراءات التي تسمح بالتنقل الحر بين دول الاتحاد.

لا شك في قلق الأميركي من قوى الإرهاب، خصوصاً في سوريا والعراق. لكنه لا يشعر، حتى الآن، بتهديد يستدعي استنفاراً وتدخلاً مباشراً، ويكتفي بالعمل على تعميق حالة الفوضى التي يعتقد أنها ستحقق له ولحلفائه مصالح وحضوراً دائمين. وعلى العكس من ذلك، فأولوية الأوروبيين هي التخلص من الإرهاب، ووقف تدفق اللاجئين، ويأتي الحل السياسي في سوريا في أسفل سلم أولوياتهم، ما يجعلهم يميلون إلى رؤية موسكو للحل (ضرب الإرهاب أولاً)، على رغم القلق الذي يثيره الحضور الروسي، الذي يدفعهم لصياغة مقاربة جديدة للأزمة، رغم معاناة معسكرهم من العجز والانقسام إزاء النزاع في سوريا بشكل خاص، وأزمات المنطقة بشكل عام.

هل بإمكان أوروبا صياغة استراتيجية جديدة في مواجهة الإرهاب؟ وهل ذلك ممكن من دون إعادة النظر في استراتيجيتها في سوريا؟ لا شك في أن أوروبا في مأزق، وتريد الخروج منه بأي وسيلة، واتحادها يبدي مرونة في شأن الموقف من الرئيس الأسد والمرحلة الانتقالية. وهم، ربما باتوا يدركون أن وجود الأسد خارج السلطة لن يحمي حدود اتحادهم، وأن التملق لداعمي الجماعات «المعتدلة»، والتشدد الشكلي في مواجهة التكفيريين، لن يمنع تيارات الإرهاب من الضرب مجدداً في أوروبا، بحرفية وقسوة، بل سيمكنها من استغلال التحولات في المنطقة، والفشل الغربي في مناطق التوتر، لتوسيع رقعة تحركها ونفوذها. الغربيون قادرون، مع حلفائهم الإقليميين، على استنبات الإرهاب ورعاية الإرهابيين، لكنهم يعجزون عن السيطرة عليهم عندما يصبحون لاعباً مستقلاً. ويصبح من الصعب الخروج لمواجهتهم جملة. حينها، لا يبقى سوى «استراتيجية» وحيدة لمواجهتهم، هي الاستسلام لتوقيتهم، وانتظار خروجهم لتوجيه ضرباتهم الدموية.
* صحافي لبناني

2016-03-25