ارشيف من :أخبار لبنانية
بلدية طرابلس: صفقات وفساد وهدر أموال بملايين الدولارات
تعيش بلدية طرابلس أيامها الاخيرة، بعد ست سنوات من الموت السريري البطيء، وهي التي دخلت منذ عام 2010، في مشاكل وأزمات مفتوحة لم تستطع الخروج منها، ما جعل بلدية الفيحاء تغط في نوم عميق عن الخدمات العامة، تاركةً للفوضى والفساد يتغلغلان داخل مرافقها.
على ابواب الانتخابات البلدية، يجمع الطرابلسيون أن المطلوب منهم انتخاب مجلس بلدي متجانس مع نفسه اولاً ومع مدينة طرابلس ثانياً، وذلك بعد حرمان المدينة من الخدمات البلدية لست سنوات خلت، نتيجة تحالف سياسي سرعان ما تفجر داخل المجلس البلدي وتحول من نعمة كانت تحلم بها طرابلس، الى نقمة باتت الصلوات ترفع يومياً للتخلص منها.
تبدأ حكاية المجلس البلدي منذ عهد الرئيس السابق نادر الغزال، وما رافقه من مشكلات وصفقات دفعت بالعديد من الاعضاء الى الاعتراض والامتناع عن الموافقة عليها، بعد انكشاف ابواب السوقة والهدر فيها. ومنذ ذلك الوقت باتت بلدية طرابلس تعاني شللًا شبه كامل في تأمين الخدمات، من النظافة، وصيانة للطرقات ومجاري المياه و....
مناقصات بمليارت الدولارات ..
يقول الطرابلسيون والمراقبون، أن تراجع مستوى الخدمات البلدية يعود الى ارتفاع في مصادر الهدر والسرقات، ما حول البلدية من مركز يقدم الخدمات العامة الى مركز متخصص بالخدمات الخاصة والمحسوبيات. اذ تتحدث المعلومات عن وجود ما يقارب من 500 عامل بلدي وهمي مسجلين في البلدية ويقبضون رواتبهم التي يتخطى مجموعها الشهري 150 مليون ليرة. كذلك فإن نادر الغزال كان قد عيّن الى جانبه 17 مستشارا في البلدية و5 مستشارين في اتحاد البلديات، أي 22 مستشارا ، لا يزالون حتى اليوم يتقاضون رواتبهم.
في وقت كانت البلدية تُلزِّم عقودا بموجب مناقصات مفتوحة، كالتي تتعلق بمشاريع اعادة ترميم البنى التحتية أو لأعمال إنشائية نظمت خلال عهد نادر الغزال، وتخطّت مجموع تكاليفها مبلغ ستة مليارات ليرة لبنانية، كان اللافت أكثر في عملية فض العروض والمناقصات انها كانت ترسو دائمًا على شركتين فقط، احداهما يملكها جهاد العرب المقرب من الرئيس السنيورة، على الرغم من ان عدة شركات طرابلسية كانت تقدم عروضاً اقل كلفة .

ويكشف احد اعضاء البلدية، عن القرار الذي يحملت رقم 357 الصادر في 12/9/2013، والذي يقضي بإحداث مجارٍ لتصريف مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي، بقيمة مليار و683 مليون ليرة لبنانية، مشيراً "الى ان "مجلس الإنماء والإعمار كان وقتها ينفذ ومنذ قرابة 3 سنوات، مشروع تجديد كامل لهذه الشبكات، لكن غزال اصر على صرف المبلغ وتوقيع القرار". وفي اليوم نفسه ايضاً وقع غزال قرار رقم 362، القاضي بتأهيل المراحيض العامة في طرابلس، بقيمة تجاوزت 142 مليون ليرة، "علماً بأن المراحيض العامة في المدينة لا تتجاوز المرحاضين"!!!
عهد الرافعي ... الفساد تابع
تتألف بلدية طرابلس من 24 عضوا، جرى انتخابهم بالتوافق، يمثلون مختلف الفئات السياسية الطرابلسية وهي من ابرز الاسباب التي منعت انطلاقة العمل البلدي، بالاضافة الى عيوب كثيرة ادت الى تفاقم في الخلافات بين الأعضاء والرئيس الغزال، الذي لم يستطع الاتيان بفريق عمل منتج فترجم ذلك شللاً على مستوى الأداء البلدي والعمل الخدماتي في المدينة، وقد جرت محاولات عدة لإصلاح بينه وبين الأعضاء لكن ذلك لم يجد نفعاً، وكان مرآب التل الشعرة التي قسمت ظهر المجلس واجبرت رئيسه على تقديم استقالته.
سارع تيار المستقبل حينذاك الى الترويج لعامر الرافعي رئيساً لبلدية طرابلس، وهو الاتي من خلفية زرقاء بحتة، وبحسب مصادر المستقبل "فإن المطلوب من الرافعي كان أمراً واحداً البدء بتنفيذ مراب التل". ولم يؤخذ بالحسبان اعادة احياء الخدمات البلدية، التي بقيت مشلولة، حتى ان المضحك في الحكاية أن عددا من الأعضاء المحسوبين على تيار المستقبل نفسه عملوا على عرقلة عمل الرافعي ومنعه من اتخاذ العديد من القرارت البلدية."
بدوره أكمل الرافعي مسيرة سلفه الغزال بالفساد، وهو الذي وعد الطرابلسيين بالتغيير بُعيد تعيينه رئيساً، لا بل انه استعمل اساليب اكثر فساداً، وتكشف معلومات لموقع "العهد" أن الرافعي عمل "على زيادة مخصصاته الشهرية من تسعة ملايين ليرة الى عشرة ملايين، ومخصصاته لترؤسه اتحاد بلديات الفيحاء من ستة ملايين الى 6,5 مليون ليرة، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً داخل المجلس البلدي، وطرح تساؤلات عن الاسباب التي دفعت الرافعي الى زيادة مخصاصاته قبل ثلاثة أشهر من نهاية ولاية المجلس الحالي.
بالاضافة الى ذلك سربت وثيقة، كشفت عن اعداد الرافعي لقرار حمل رقم ٧٢٦ بتاريخ ٩/١٢/٢٠١٥ لشراء سيارة خاصة لرئيس بلدية طرابلس بقيمة وصلت الى ١٠٠ مليون ليرة. وبحسب الوثيقة "طلب اجراء اللازم لاستكمال مناقصة شراء السيارة. واللافت ان الطلب الشراء من مؤسسة الرافعي للتجارة في طرابلس" .

في ظل ذلك يستمر نزف الاموال وهدرها في البلدية، تحت مسمى اصلاح اعطال المركبات والسيارات التابعة لها، والتي تستنزف شهرياً ما يقارب مئة الف دولار، فيما ان "السيارة الخاصة التابعة لاتحاد بلديات طرابلس بلغت كلفة تصليحها في شهر واحد عشرة آلاف دولار، وذلك بحسب الرافعي نفسه" .
مرآب التل ... صفقة المستقبل الرابحة
استنادا لما تقدم، يبقى مشروع تنفيذ مرآب التل المشروع الاكثر ترويجاً للفساد، حيث تكشف مصادر طرابلسية ان المرآب: "هو تنفيعة لعدد من اعضاء البلدية وصفقة مالية رابحة لعدد من المسؤولين في تيار المستقبل"، وتشير المصادر الى ان اعادة ملف مرآب التل الى الواجهة يعود لسببين: " اولاً ان عددًا من أعضاء البلدية يستفيدون من هذا المشروع من تشغيل لآلياتهم وجرافاتهم، وثانياً إن قيمة المشروع البالغة ما يزيد عن 27 مليون دولار تطرح تساؤلات عن حجم المبلغ ومدى صدقية صرفه من قبل المتعهدين والمنتفعين".
وعلاوة على ذلك، لا يزال يخبْئ الكثير من الصفقات وعقود التوظيف الوهمية والتنفيعات المالية والخدماتية لأشخاص محسوبين على سياسيين نافذين، بالاضافة الى غياب تام لرئيس البلدية المشغول بـ”رحلات عمل” وسفرات كثيرة، وزاد العمل البلدي سوءًا، وبات واضحاً لكل من يزور طرابلس، حجم تردي الاوضاع الخدماتية، حتى الامور البسيطة من تنظيم للسير، غائبة عن شوارع المدينة التي تعاني نقصًا فادحًا بعدد عناصر شرطتها، ولا تقف الامور عند هذا الحد، فالحفريات ملأت الشوارع، وعطلت المحلات، وزادت من كارثة زحمة السير، هذا عدا عن الاضرار والكوارث وفيضان الانهر والسواقي في فصل الشتاء.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018