ارشيف من :أخبار لبنانية
عدوان نيسان 96: التأسيس لتحرير 2000 - علي حيدر
علي حيدر - صحيفة "الأخبار"
قبل 20 عاماً، شنّ جيش العدو عدواناً واسعاً على لبنان استمر 16 يوماً، وهدف الى اخضاع المقاومة. لكن صمودها ونجاحها في الحفاظ على وتيرة متواصلة ومؤلمة من الاستهداف الصاروخي للمستوطنات الشمالية، أجبر العدو على القبول بمعادلة ردع متبادل تحت اسم «تفاهم نيسان»: يتوقف حزب الله عن قصف شمال إسرائيل، مقابل التوقف عن استهداف الأهداف المدنية في لبنان، مع احتفاظ المقاومة بحقها في مواصلة العمليات ضمن منطقة الشريط الحدودي.
قبل الانتصار عام 2006، والتحرير عام 2000، مرت المقاومة بمحطات مفصلية أسست للانتصارات التي تلت. من ضمن هذه المحطات عدوان نيسان 1996، الذي حمل اسم «عناقيد الغضب»، وما ترتب عليه من نتائج. التوقف عند هذه المحطة وما سبقها وما تلاها، يندرج ضمن إبقاء المقاومة، بما تحمله من قيم ورؤى وخيارات، حية في الذاكرة الجماعية والفردية للشعب اللبناني والعربي، وخصوصاً مع ما يتعرض له حزب الله من تشويه وحروب إسرائيلية وعربية وتكفيرية، على الجبهات الإعلامية والسياسية والأمنية.
ويبقى لمحطة عدوان نيسان خصوصيتها وسياقاتها كجزء من المواجهة مع العدو الذي كان يحتل في حينه الشريط الحدودي. وأيضاً لجهة نتائجها التي أرست معادلات قيَّدت العدو ووفّرت للمقاومة مظلة سمحت لها بمواصلة مسارها التصاعدي، وصولاً إلى التحرير عام 2000.
تعددت أساليب العدو في محاولاته لإسقاط المقاومة وإجهاضها. وكان لكل مرحلة ظروفها وتكتيكاتها. فاعتمدت سياسة الاغتيالات، والسيارات المفخخة، إضافة الى الإجراءات الدفاعية والأمنية. لكن فشل هذه الرهانات، ونجاح حزب الله في مواصلة توجيه الضربات المؤلمة لجيش الاحتلال، وضع القيادة الإسرائيلية أمام استحقاق مفصلي يفرض عليها أحد خيارين: إما التكيف مع استمرار النزف البشري نتيجة الخسائر المتواصلة في صفوف الجنود والاستنزاف المعنوي والأمني في شمال إسرائيل رداً على كل اعتداء يستهدف المدنيين، وإما البحث عن خيار عملاني يُدمِّر قدرات المقاومة أو يردعها.
في ضوء هذا الواقع، راهن العدو، في عدوانَي 93 و96، على أن القدرات التكنولوجية والعسكرية لجيشه كفيلة بتحييد منصات إطلاق صواريخ الكاتيوشا، ما يضع حزب الله وجمهوره أمام خيار تلقي الضربات من دون القدرة على توجيه ردود موازية رادعة، وصولاً إلى فرض معادلة جديدة تمنع المقاومة من مواصلة عملياتها في الشريط الحدودي تحت طائلة تلقي ضربات مؤلمة. واعتمد العدو لتحقيق هذه الغاية استراتيجية استهداف البيئة الحاضنة للمقاومة وتهجير سكانها لتكوين حالة شعبية ضاغطة على المقاومة.
وبلحاظ الظرف السياسي آنذاك، هدف العدو أيضاً ــــ الى جانب وقف النزف الدموي لجنوده وإعادة الشعور بالأمن لمستوطنيه في الشمال وتكريس احتلال آمن للشريط الحدودي ــــ الى إضعاف الموقف السوري في مفاوضات التسوية حينها، وصولاً الى فرض الشروط الإسرائيلية والأميركية وإجبار الرئيس الراحل حافظ الأسد على القبول بالصيغة الإسرائيلية للتسوية.
في المقابل، اعتمد حزب الله استراتيجية الرد الصاروخي ضد المستوطنات الشمالية في مقابل استهداف المناطق المدنية اللبنانية. وأبرز من أقرّ بشكل صريح ومباشر بهذه المعادلة الرئيس الحالي لهيئة أركان جيش العدو غادي ايزنكوت، عندما كان يتولى قيادة المنطقة الشمالية، متناولاً المرحلة التي كان يحتل فيها العدو الشريط الحدودي، بالقول «حرص حزب الله جداً على ألا يطلق الصواريخ على بلدات إسرائيلية، إلا أن يكون ذلك رداً على عمليات إسرائيلية...
وإذا لم تخنّي الذاكرة، فإن كل إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية كان إثر عمليات للجيش الإسرائيلي اعتبرها حزب الله تجاوزاً لخط ما» (معهد أبحاث الأمن القومي/ نشرة الجيش والاستراتيجية / المجلد ــ 2 / حزيران 2010).
وينبغي هنا التذكير بحقيقة أن احتضان سوريا، برئاسة الرئيس الراحل حافظ الأسد، للمقاومة وخيار التصدي للعدوان، حمى جبهتها الخلفية ووفّر لها مظلة إقليمية وداخلية، مكّنت المقاومة من التفرغ لمواجهة العدوان الإسرائيلي. ومن المؤكد أن هذا الاحتضان والدعم السوريين كانا العامل الأساس في إسقاط الكثير من الرهانات الإسرائيلية والأميركية على ممارسة ضغوط داخلية على حزب الله لوقف العمليات تحت شعار حماية المدنيين والبنية التحتية اللبنانية ومنع تدميرها.
أدى فشل العدو في توفير حل جذري للصواريخ التي استمرت بالتساقط على المنطقة الشمالية للكيان الإسرائيلي حتى اليوم الأخير من العدوان، الى تسليم صانع القرار في تل أبيب بمعادلة الردع المتبادل، التي تجسدت بتفاهم نيسان آنذاك. ونجح حزب الله في تحويل مستوطنات الشمال إلى قيد على حركة جيش الاحتلال الذي بات مضطراً إلى أن يأخذ في الحسبان إمكانية استهدافه كلما طُرح على طاولة صانع القرار السياسي والأمني خيار الرد على عمليات المقاومة باستهداف العمق اللبناني.
كما تجدر ملاحظة أن جيش العدو فشل في إخضاع حزب الله عبر النيران عن بعد، ولم تجرؤ إسرائيل حينها على اتخاذ قرار بشن هجوم بري. بل حرصت، منذ تبلور قرار العدوان، على استبعاد هذا الخيار، خوفاً من العودة إلى الغرق في المستنقع اللبناني. هذا المفهوم الذي بدا في حينه أنه كان راسخاً في وعي قادة إسرائيل وجمهورها، دفع صانع القرار في تل أبيب الى استبدال هذا الخيار الذي كان يشكل أساساً في عقيدة الجيش الإسرائيلي القتالية، بآخر يتمثل بمحاولة ردع المقاومة بدلاً من تبني خيار توسيع دائرة الاحتلال وتدمير القدرات من خلال الوصول إليها براً.
انتزع حزب الله في حينه إقراراً دولياً بشرعية المقاومة في استهداف جنود الاحتلال، عبر اللجنة التي تشكلت للإشراف على تنفيذ التفاهم، بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا إلى جانب سوريا ولبنان، وأجبرت العدو على التكيف مع الواقع الذي فرضته المقاومة باستهداف جنوده المحتلين، من دون أن يكون له الحق بالرد باستهداف العمق اللبناني والمدنيين.
وفَّر حزب الله مظلة حماية للمدنيين اللبنانيين، تقوم على أساس الرد على المنطقة الشمالية في مقابل أي اعتداء إسرائيلي. ونجح في حصر ساحة المواجهة بمنطقة الشريط الحدودي بعيداً عن العمق اللبناني. كما ساهم صمود المقاومة ونجاحها في تكريس معادلة الردع المتبادل، في تحصين الموقف السوري وتعزيز موقفه في مواجهة الضغوط الأميركية التي كانت تمارس عليه ضمن إطار عملية التسوية.
هكذا، حوَّلت الاستراتيجية الصاروخية، التي اتبعها حزب الله، الاحتلال الإسرائيلي للشريط الحدودي إلى سبب لتدهور أمن مستوطنات الشمال، بدلاً من أن يكون عنصر أمان له. ويمكن القول إن نجاح المقاومة في فرض معادلتها خلال جولات المواجهة مع العدو، ومن ضمنها عدوان نيسان 1996، وقبله عدوان تموز 1993، واغتيال الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي في شباط 1992، وما أعقبها من ردود قاسية ضد العدو، كل ذلك مكَّن المقاومة من توفير مظلة تجمع بين حماية العمق المدني اللبناني والعمق الاستراتيجي للمقاومة، ومواصلة عملياتها التي هدفت الى مواصلة استنزاف العدو والضغط على جبهته الداخلية بما أدى لاحقاً إلى صنع التحرير عام 2000.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018