ارشيف من :أخبار لبنانية
تيران وصنافير بين حدود مصر.. وحدود النظام - مصطفى بسيوني
مصطفى بسيوني - صحيفة "السفير"
عاصفة هوجاء أثارتها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية. بموجب الاتفاقية أعلنت مصر تبعية جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وذلك بعد مفاوضات لترسيم الحدود بين الجانبين لم يعلن شيء من تفاصيلها، قبل تسريب النتيجة النهائية، التي لم يعلن منها سوى انتقال الجزيرتين الى السعودية.
إعلان الحكومة المصرية جاء صادماً للرأي العام المصري، ليس بسبب غياب أي خلفيات عن المفاوضات فحسب، ولكن لأن الجزيرتين كانتا دائما في محيط الحروب المصرية ضد إسرائيل، بما رسّخ في الوعي الجماعي المصري أن تبعيتهما لا تقبل النقاش. كما أن أسانيد تبعيتهما للسعودية بدت غامضة وغير مقنعة للرأي العام المصري، وتركزت على مكاتبات ومخاطبات بين مسؤولين، وليس مستندات قوية تؤكد حق السعودية في الجزيرتين.
أستاذ التاريخ الحديث والمتخصص في تاريخ سيناء صبري العدل يقول في حديثه الى «السفير» إن «مسألة الحق في الجزر مسألة تخضع للتفاوض والقانون والنشاط. وما يهمني هو أي الدولتين أسبق في بسط السيادة على الجزيرتين».
ويضيف العدل «مصر كانت أسبق في إعلان السيادة على الجزيرتين، وقد رفعت العلم المصري عليهما في العام 1950، بعدما طلب نائب في الكنيست باستيلاء إسرائيل عليهما في العام 1949. حينها، استبقت مصر ذلك، وبعد رفع العلم المصري على الجزيرتين أخطرت الخارجية المصرية السعودية لاعتبارات الجوار. كذلك فإن رحالة فنلندياً اشار بوضوح خلال مروره في المنطقة في القرن التاسع عشر الى أن قبائل من سيناء كانت ترتاد الجزيرتين، ما يعني أن مصر كان لها نشاط عليهما، بينما لا يمكن إثبات انشطة ولا سيادة سعودية من قبل».
ويوضح العدل ان «مسألة المسافة من الساحل ليست ذات أهمية في تبعية الجزيرتين لأي من البلدين، فهناك جزر يونانية تبعد عن الساحل التركي ثلاثة كيلومترات، بينما تبعد عن الساحل اليوناني 300 متر فقط، وبالتالي فإن العبرة هي بالنشاط على الجزر تاريخيا، والسيادة عليها وكذلك بقدرات المفاوض».
تجاهل الكثير من الأدلّة والبراهين والوقائع التاريخية، التي تؤكد أن الجزيرتين مصريتين، وعدم ظهور أسانيد مقنعة لتبعيتهما للسعودية، خلقتا أزمة كبيرة بالطبع، خاصة مع حديث الكثير من الخبراء والمختصين علنا عن تبعية الجزر لمصر.
ولكن ثمة عوامل أخرى ساعدت في التشكيك في نتيجة الاتفاقية، حتى لو ثبت فعلا تبعيتهما للسعودية. ومن تلك العوامل، الحرص الشديد للسلطة المصرية على تأكيد تبعية تيران وصنافير للسعودية ـ حتى بدت أكثر حرصاً من السعودية على ذلك ـ في مفارقة لا تحدث كثيرا.
يضاف الى ذلك الأداء العام للسياسة الخارجية المصرية، الذي بدا متواضعا تماما، بما لا يبعث على الثقة في قدرته على إثبات حقوق تاريخية لمصر في الجزيرتين، فإدارة ملف سد النهضة الذي يوشك أن ينتهي العمل به، كان متواضعا للغاية، بحيث وضع مصر أمام خطر العطش. كذلك كانت إدارة أزمة سقوط الطائرة الروسية في سيناء، والذي نتج عنها قطع رحلات الطيران عن مصر من قبل دولة صديقة وليست معادية. وكذلك إدارة ملف مقتل الباحث الإيطالي الذي أدى الى تعقّد العلاقات مع إيطاليا واستدعاء سفيرها.
عامل آخر أدى الى إثارة الرأي العام تجاه الاتفاقية، وهو طبيعة العلاقة بين مصر والسعودية، فقد قدمت السعودية مساعدات كبيرة لمصر في العامين 2013 و 2014، كما زادت التوقعات بمساعدات اقتصادية من السعودية مع زيارة الملك سلمان للقاهرة، وهو ما صور العلاقة بين البلدين على انها غير ندية، وأن احتمال تقديم تنازلات من قبل مصر للسعودية في التفاوض على الجزيرتين أمر وارد. وما يؤكد ذلك أن مفاوضات الحدود تكون عادة أكثر صعوبة من اي اتفاقات اخرى، ولا يفوز فيها طرف بكل شيء، والأهم أنه لم يحدث سابقاً ان سعت دولة الى إثبات حق دولة أخرى مهما كان ثابتاً.
السياق العام للمفاوضات، التي غابت عنها الشفافية، طرح أسئلة دستورية أيضا بشأن الاتفاقية، ومدى قدرة اي نظام مهما بلغت شعبيته على أن يقدم على خطوة كهذه. حتى لو كانت الجزيرتان سعوديتان، من دون جدل، ومصر تمارس عليهما سيادة، فلا يجوز وفقا للمادة 151 من الدستور المصري التخلي عن السيادة عليهما من دون استفتاء شعبي.
نائبة رئيس المحكمة الدستورية السابقة المستشارة تهاني الجبالي تقول في حديثها الى «السفير» إن «الاتفاقية تخضع حالياً للفحص والمناقشة في البرلمان، وستدرسها اللجان المختصة. والظاهر أن المستندات المطروحة لا ترقى الى مستوى اليقين بأن الجزر سعودية، وحتى خطاب مبارك في العام 1990 (بشأن ترسيم الحدود)، والذي يحتج به حالياً، لا يعتبر وثيقة دامغة، لأن مبارك نفسه لا يحق له التنازل عن أرض مصرية، أو التنازل عن حقوق السيادة، وعندما كان السادات في مفاوضات السلام مع إسرائيل، لم يرفع علم السعودية مثلا كطرف غائب عن المفاوضات مثلما فعل مع دول أخرى غابت عن التفاوض. لذا فكل الأسانيد المقدمة لإثبات أحقية السعودية في الجزيرتين محل التباس».
وتضيف الجبالي «الثابت أن مصر تمارس السيادة على الجزيرتين، وبالتالي، فحتى إذا ثبت أنهما سعوديتان، فلا يجوز التخلي عن السيادة عليهما قبل إجراء استفتاء شعبي بحسب الدستور. ولا تعد الاتفاقية سارية إلا بعد إجراء الاستفتاء عقب موافقة البرلمان».
بحسب الدستور المصري، لم تتخذ الاتفاقية الحدودية شكلها القانوني والدستوري بعد، ومع ذلك، فقد بدأت أطراف أخرى تتعامل معها كما لو كانت سارية. الولايات المتحدة أعلنت أنها ستغير في تركيبة قوات السلام في الجزيرتين اللتين تخضعان لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. والسعودية أعلنت أنها ستبني جسراً بين السعودية ومصر يمر عبر الجزيرتين، وهو ما يعني أن الاتفاقية دخلت بالفعل حيز التنفيذ بالنسبة لأطراف أخرى، خاصة بعد إعلان موشيه يعلون، وزير الدفاع الإسرائيلي، أن الاتفاق كان رباعيا، وقد ضم إلى جانب مصر والسعودية أميركا وإسرائيل.
هذا ما يحيل الأمر إلى عامل آخر مهم للغاية، وهو العلاقات الإسرائيلية العربية، فانتقال الجزيرتين الخاضعتين لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية تحت رعاية أميركية، للسعودية، يجعل الاخيرة طرفا مباشراً أو غير مباشر في اتفاقية السلام مع إسرائيل، فكل الالتزامات المصرية في الاتفاقية الخاصة بالجزيرتين ستنتقل الى السعودية، وهو ما اعتبره البعض تفسيرا لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي السابقة الى توسيع اتفاقية كامب ديفيد لتشمل دول عربية أخرى.
الاتفاقية الحدودية التي تنقل تبعية جزيرتين غير مأهولتين للسعودية، قد تعني أكثر بكثير في السياق الاقليمي، فإدماج المملكة السعودية، بما لها من ثقل سياسي واقتصادي، في اتفاقية مع إسرائيل، وإن بشكل غير مباشر، قد يعني مرحلة جديدة من الوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018