ارشيف من :أخبار لبنانية
التأليف خيار الحريري .. والاعتذار يستولد التكرار!
نبيل هيثم - صحيفة السفير
سأل سفير أوروبي سياسيا لبنانيا مطلا على تفاصيل الحركة السياسية الجارية على خط التأليف: أين أصبحت الاتصالات في موضوع الحكومة؟
لاحظ السياسي المذكور النبرة الملحة في سؤال السفير, فسأله: أراك ملحا, هل تقف على أمر ما؟
أجاب السفير: لا, بل انا أتمنى عليك ان تشرح لي حقيقة الوضع حاليا, نحن مهتمون بالوضع في لبنان, ولذلك ما أريده هو ان انقل الى إدارتي صورة واضحة عما يجري.
سأل السياسي: ألم تتكون لديك صورة بعد؟
أجاب السفير: أريد ان اسرّ لك أمرا.. كعادتي أزود إدارتي بتقرير دوري, لكنني في الآونة الأخيرة اشعر بإرباك حقيقي, بحيث اننا نرسل التقرير بمضمون مستمد من الوقائع المتصلة بالحركة السياسية التي يجريها سعد الحريري والفرقاء اللبنانيون لتشكيل الحكومة, لكن سرعان ما يبدو لنا ان الوقائع هي خلاف ما اعتقدنا, فعندها نجد أنفسنا مضطرين إما لسحب التقرير او لتعديله او لتوضيحه. ولا أخفيك بأنني راسلت إدارتي بتقريرين متناقضين في يوم واحد.
استوضح السياسي, فأوضح السفير: «.. هذا حال معظم, ان لم يكن كل الجسم الدبلوماسي المعتمد في لبنان, ونحن نرى بعضنا ونتبادل الحديث في ما بيننا».
واما الإرباك, يضيف السفير, فمرده الحقيقي الى «أنكم في لبنان تمارسون طقسًا سياسيًا فريدًا من نوعه, تظهرون الشيء وتضمرون عكسه, ايجابيات وسلبيات في آن, حراك وجمود في آن, سرعة وبطء في آن, تقدم وتأخر في آن, لين وتشدد في آن.. وانا شخصيا أحاول حاليا أن أفكّ لغز التفاؤل المستجد في لبنان, احاول ان ابحث عن المعطيات, فهل له أسس حقيقية؟
لاحظ السياسي المذكور الاحاطة الشاملة للسفير الاوروبي بأدق التفاصيل الداخلية, فمازحه قائلا: «الواضح انك متابع اكثر مني, وقد شخصت الواقع على حقيقته, واعتقد انك تتابع السباحة في بحر التفاؤل الوهمي»... هنا ينتهي الحوار.
يقول السياسي أنه لم يتوقف عند شكوى السفير الأوروبي من إرباك التقارير وما يتصل بأدائه وظيفته حيال إدارته, ولاسيما ان هذه الشكوى بدت بالنسبة اليه «مفتاح الكلام» الذي انطلق منه. الا انه يحدد أربع نقاط أساسية ذات دلالة شدت انتباهه, وأخضعها للتشريح الذهني:
النقطة الاولى: التوصيف الدقيق للمشهد السياسي ومسار تأليف الحكومة واظهار تناقضاته, مع التوقف من جهة عند أدق التفاصيل المتعلقة بالاسماء والحقائب الوزارية العادية والسيادية والخدماتية, ومع السؤال من جهة ثانية عن حصص الفرقاء والتيارات السياسية. ولماذا هذه الحقيبة هنا وليست هناك. ولماذا تلك الحقيبة تعطى لهذا الطرف وتحجب عن ذاك. وما الى ذلك من اسئلة من العائلة ذاتها.
النقطة الثانية: ما قرأه السياسي بين سطور هذا التوصيف من اشارات واضحة الى تعذر اقامة البناء الحكومي على «ارض التناقضات». بحسب التعبير الذي اسقطه السفير الاوروبي نفسه على المشهد السياسي اللبناني.
النقطة الثالثة: الاشارة المثيرة, التي اوردها السفير المذكور في مكان آخر من الحوار, الى «المعادلة» التي ما تزال تثقب عجلة التأليف, ومفادها «اتصالات لعون.. يعني ولادة الحكومة. لا اتصالات لعون.. يعني لا حكومة». المثير ان السفير الاوروبي في هذا الجانب اوحى للسياسي المذكور بامتلاكه معطيات تحمله على وصف تلك المعادلة بالصلبة وصعبة التعديل.
النقطة الرابعة: السؤال الذي طرحه السفير الاوروبي في ختام الحوار: هل يمكن ان يصل الحريري الى الاعتذار الثاني, وماذا لو اعتذر, وماذا بعد الاعتذار؟
يقول السياسي انه ألقى امام السفير إجابة تنفي إمكان ان يعتذر الحريري, على أساس ان هذا الخيار غير مطروح, فضلا عن ان لمثل هذا الخيار كلفته السياسية الكبرى.
قد يكون ما طرحه السفير المذكور سؤالا عابرا , الا انه عندما بلغ مستويات سياسية رفيعة المستوى , احدث صدى كبيرا, وجعلها ترسم علامات استفهام حوله. وحرّك اتصالات استفسارية بين بعض المواقع الرسمية والسياسية وبين سفارة الدولة الاوروبية المعنية, بقي ما دار فيها طي الكتمان.
اللافت للانتباه في هذا السياق, ان مرجعا سياسيا كبيرا لا يستسيغ حتى فكرة طرح السؤال حول امكان اعتذار الحريري, بل انه يرى اولا ان للجميع مصلحة في استمراره وفي الدرجة الاولى مصلحة الحريري نفسه, وانه ثانيا, لا يصدق ان يلجأ الحريري الى هذا الخيار, ولاسيما انه كما يبدو من حركته الجدية, يشتغل بيديه ورجليه لكي يصبح رئيسا للحكومة, ولن يقدم على أي امر قد ينزع هذه الفرصة من يده. وهذا الشغل باليدين والرجلين هو علامة بمنتهى الايجابية, ويمكن من الآن فصاعدا اعتماد القاعدة التالية: ان احدى اهم علامات الظهور الحكومي إن عاجلا او آجلا, هي رغبة سعد الحريري في تشكيل الحكومة.
يتقاطع كلام المرجع السياسي مع ملاحظة يبديها مرجع قيادي في المعارضة, ومفادها, ان الحريري ما يزال يجنح في داخله في اتجاه تشكيل الحكومة, وهو يدرك ان الآن فرصته , لكنه مثقل «بدعسة» اميركية قوية تحد من حرية حركته, وتحاول تركيز اهتمامه في الاتجاه الذي يحمله على ان يضع مراعاة القوات وسمير جعجع في الحسبان اولا..
هنا يكمن التعقيد, في رأي المرجع السياسي, ولاسيما ان هذا التوجه واضح, واكثر من يرى وضوحه هو العماد ميشال عون. وبالتالي يستحيل ان يتراجع لمصلحة انتفاخ القوات وتقوية جعجع على حسابه.
تبرز في هذا السياق معادلة طريفة اطلقها سياسي بارز, وجد فيها اوجه شبه عديدة في حراك التأليف وبرنامج من سيربح المليون, الذي يتيح للمشترك فيه ثلاث فرص للربح, عبر ثلاث حالات للتفلت من السؤال الصعب الاولى تغيير السؤال, والثانية الاستعانة بصديق والثالثة حذف اجابتين.
يقول السياسي ان الفرص استنفدت, فالاعتذار الاول اشبه بمرحلة تغيير السؤال, وحصل التكليف الثاني, واما «الاستعانة بصديق» فتمثلت بالاستعانة بالقمة السورية السعودية والمناخ الذي عكسته. واما الآن فبات التأليف امام الحالة الثالثة, أي حذف الاجابتين, ما يعني حذف الحقيبتين من طريقه أي الاتصالات.. والطاقة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018