ارشيف من :أخبار لبنانية

الوقـت القاتـل!

الوقـت القاتـل!

واصف عواضة - صحيفة السفير

ثمة شعور لدى الغالبية العظمى من اللبنانيين بأن أحداً من السياسيين والمسؤولين لا يعرف الفترة الزمنية التي سوف يستغرقها تشكيل الحكومة الجديدة، على الرغم من التباري في بث الإيجابيات والإيحاءات بأن ما يفصلنا عن ولادة الحكومة بات مسألة أيام.ذلك أن التناقضات الظاهرة بين المعنيين في هذا المجال، ما تزال تدور حول عقدة واحدة هي «وزارة الاتصالات العظمى» التي تُعطى من الأهمية ما لا تستحق.

لكن من الثابت في رأي أكثر من جهة سياسية أن التأخر في تشكيل الحكومة من دون سبب وازن او منطقي، بات يأكل من الرصيد السياسي للرئيس المكلف سعد الحريري الذي يُسجل له «طول أناته وقدرته على محاكاة الأزمة الحكومية بهذا النفس الطويل والعقل البارد»، وهذا في العادة ليس من صفات الشباب وحرارة دمائهم.

في السياسة ثمة مبدأ يقوم على «تطويع الصعوبات» بالوقت. ويبدو أن الرئيس المكلف استخدم الوقت بما فيه الكفاية، ولدرجة أن التأخر بات مضراً ومملاً في آن معاً. فالفرص الضائعة لا تخدم الهدف، والشطارة السياسية هي في اقتناص الفرصة المناسبة لتحقيق المبتغى. فهل كانت الأجواء التي نجمت عن القمة السورية السعودية بمثابة فرصة ضائعة، في ظل الرهان الذي كان معقوداً على تفاهم الـ«سين ـ سين»؟

ثمة فارق كبير بين استخدام الوقت لتذليل الصعوبات، والرهان على الوقت بانتظار تغييرات تقلب المعادلات. ولطالما مارس اللبنانيون هذه اللعبة التي غالباً ما أظهرت عقمها. وإذا كان الكثير من المتابعين يجلّون الرئيس المكلف عن ممارسة هذه اللعبة، فإنهم في الوقت نفسه لا يبرئون بعض حلفائه من هذه الروحية، وقد كان لهم في ما مضى باع طويل في هذه السياسة التي أوصلتهم الى مطارح مضنية، ودفعت البلد الى الكثير من حلقات الجنون التي خلفت دماً ودماراً وديوناً غير قابلة للسداد.

وللمناسبة فإن الرهان على تغييرات كبرى في العالم والمنطقة تقلب المعادلات اللبنانية، لا يبدو له أفق. فالملفات الدولية والإقليمية تبدو جميعها في حالة من الاسترخاء والجمود، بصورة يظهر الجميع فيها عاجزاً عن اتخاذ قرارات كبرى يرى في بعضها شيئاً من الانتحار.

ثمة من راهن في سنوات مضت على انهيار النظام في سوريا. وثمة من بنى على حرب إسرائيلية في لبنان تزيل «حزب الله» ومقاومته من الجذور. وثمة من راهن على ضربة لإيران تعزل نظامها على الأقل عن المنطقة وشؤونها. سقطت كل هذه الرهانات، وبات النظام في سوريا أكثر ثباتاً، وفشلت إسرائيل في اقتلاع «حزب الله» الذي أصبح اكثر قوة ومنعة، وها هي إيران تفاوض العالم من موقع الند للند. وأوقع المحافظون الجدد أميركا في مآزق لا تعرف إدارتها الجديدة من أين تبدأ في معالجتها والخروج منها. كل ذلك حصل، وما زال في لبنان من يراهن على متغيرات كبرى تعدّل ميزان القوى لصالحه. لقد تعب العالم من لبنان ولم يتعب بعض اللبنانيين من الرهانات المجنونة.

ثمة حكمة تقول «من له يُعطى ويُزاد، ومن ليس له يؤخذ منه». ولأن سعد الحريري له الكثير في هذا البلد، يفترض ان يحترس كثيراً ممن ليس لهم، كي لا يأخذوا منه ما له وليس لهم. اللهمَّ احمه من أصدقائه!

2009-10-22