ارشيف من :أخبار لبنانية
دار الامان لرعاية المسنين في الجنوب:
غنوة ملحم
هكذا ينتهي قطار العمر على الناس مثلما انتهى بكثيرين قبلهم، فبعدما ربّت الأم وسهرت وأعطت كل ما تملك لأبنائها من عمرها وشبابها, منتظرة بفارغ الصبر أن يكبروا، يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة ولحظة بعد لحظة, وكذلك الأب الذي أمضى حياته جاهداً من أجل لقمة عيشهم, يتنكر بعض الأبناء لآبائهم, ويُرمى الأب وتُرمى الأم إلى درب مجهول ليذهب بعضهم ممن يحالفهم الحظ إلى دور المسنين.
تجربة دار المسنين في منطقة الجنوب خصوصا تبدو حديثة نسبيا, حيث من المفترض أن جناح القيم والأواصر الاجتماعية لا يزال يحفظ الناس في حضنه. وإذ يوضع جانباً دور وزارة الشؤون الاجتماعية ونظام ضمان الشيخوخة المنشودين، فإن دورة الحياة السريعة وكثافة الهجرة تدفعان بالأبناء إلى انشغالاتهم أو إلى أقاصي الأرض، فيما يبقى والدا كل منهم بانتظار الإحسان من مسعفات المنازل اللواتي يوظفهنّ الأبناء لخدمتهم، أو من أولاد الحلال عندما تقلّ الحيلة.
فمنذ حوالى السنتين, افتتحت جمعية المبرات الخيرية مركز السيدة فاطمة الزهراء الصحي الاجتماعي الخيري في العباسية (قضاء صور) وكان أبرز أقسامه إضافةً إلى العيادات الخارجية ومركز الشفاء للعلاج الفيزيائي والنادي الرياضي، دار الأمان لرعاية المسنين التي تعد الأولى من نوعها في الجنوب وفي مؤسسات جمعية المبرات في لبنان.
ويوضح مدير المركز مصطفى نور الدين لـ"الانتقاد.نت," ان هذه الدار احتضنت مجموعة كبيرة من المسنين بعد أن ضاقت بهم الأيام وتركهم أبناؤهم, وتتضمن مسنين لا يوجد لديهم معيل, يُعاملون معاملة جيدة جداً، ولهم أوقات زيارات وأوقات للتنزه, لكن المشكلة التي تواجهنا هي الحالة النفسية الصعبة التي يعانيها المرضى جراء ترك أولادهم لهم". ويشير نور الدين الى ان مجلس إدارة الجمعية "استعاض عن تأسيس دار للعناية بالأم والطفل بآخر للعناية بالمسنين، واختار الجنوب لحاجته إلى هذا النوع من الخدمات المختصة". ويقرّ نور الدين بعدم تجاوب المجتمع مع التجربة “المغامرة” في بادئ الأمر. فعند افتتاح الدار قبل سنتين كانت تضم نزيلتين, إلا أنّ العدد آخذ بالازدياد منذ عام واحد فقط، وقد فاق الـ28نزيلاً ونزيلة من البقاع وبيروت والجنوب وجبل لبنان، فيما هناك 10 حالات على لائحة الانتظار، الأمر الذي يدفع بالجمعية إلى بدء توسيع الدار التي تضم حالياً 40 سريراً وفي الإطار، تستعدّ الجمعية لافتتاح دار مماثلة أُخرى قريباً في جويّا, اضافة الى الدار الاخرى التي ستفتتح قريبا من قبل جمعية الامداد الخيرية في مدينة صور.
هل سيحصل يوما لي هذا...؟
قصص وحكايا مؤلمة استمعنا لها ونحن نجول في أروقة الدار, صعبت علينا قصص مؤلمة, حينما تسمعها يتبادر إلى ذهنك أولاً سؤال: هل سيحصل يوماً لي هذا؟
خلف عينيها الدامعتين حملت (أم حسين) آهات كثيرة، فبعدما أصابها المرض انزعجت زوجة ابنها منها، فطلبت من زوجها أن يخرج أمه من المنزل, لم تستطع تكملة حديثها وأجهشت بالبكاء, وعرفنا فيما بعد بأن ابنها أحضرها إلى هذه الدار بطلب من زوجته.
اما (أم عمر) الغنية جداً في الواقع، لكنها تعرضت لنصب واحتيال من قبل ابنها, وقد تنازلت له عن كل ما تملك, وتغيرت بها الأحوال بعد أن كانت في عز ونعيم لا يُوصف. لديها ابن واحد تركها ليعيش مع زوجته بسلام، ويأتي في كل شهر ليأخذ من الأم نقودا، وبرغم النصائح التي يقدمها لها الكثيرون بعدم إعطائها نقوداً لابنها تقول الأم: "أحزن حينما يقول لي بأنه يحتاج النقود".
ليس كل ما يتمناه المرء يدركه
ولا يختلف حال الرجال عن النساء كثيراً , فعند دخولنا إلى ردهة الرجال كان الوضع أكثر حزناً لأنه يصعب عليك رؤية دموع الرجل على اعتبار كرامته وهيبته , فـ( كمال 80 سنة) أب لأربع فتيات وولدين, تزوجت بناته ورحلن خارج الوطن, بينما بقي ولداه وهمهما الوحيد المال, فحينما أحس كمال بأن أولاده يريدون أن يرثوه حياً تنازل لهم عن كل ما يملك وترك لهم الجمل بما حمل، وأتى إلى هذه الدار التي يحس فيها بالأمن والاطمئنان, وهذا (أبو يوسف) الذي كان يعمل ضابطاً مرموقاً، وجلس يتكلم طويلاً عن حياته في الجبهة، وعن حروبه مع الإسرائيليين, وغيرها من القصص, إلا أن الزمن انتهى به إلى هذا المكان, فقد سافر أولاده إلى خارج لبنان بعد وفاة زوجته, وهم يعملون هناك إلا أنه لم يشأ إخبارهم بحقيقة كونه في هذه الدار.
نستعرض لكم قصة تلو الأخرى، ولكن هذه أكثر إيلاماً قصة الحاج حسن, فقد تزوج من امرأة مطلقة ولديها طفل، فأخبرها بأنه مهدّد بالعمى فقالت له بأنها ستعتني به, ولكن بعد أن حصل ما حصل بعد فترة طويلة، وأصيب بالعمى ذهب كلامها أدراج الرياح وصارت تحتقر وجوده, وتعيّره بمرضه وتذكّره بأنها تتحمله وهو أعمى إلى أن أصبحت حياته جحيماً بعد أن كانت جنة بالنسبة له, ويضيف بأنها "أخذت أجمل سني عمري هي وابنها, وكانت الزوجة المدللة لكن ما الفائدة؟ طلبت مني الطلاق وتركتني وحدي هنا, إلا أنني آسف على شيء واحد هو أنني أحببتها من كل جوارحي..".
ايقونة حرب تموز الحاجة كاملة سمحات
زيارة للدار ايضا تسمح لك بالتعرف الى" أيقونة حرب تموز" الحاجة كاملة سمحات, هل تذكرون كاملة سمحات؟ تلك السيدة التي وقفت تحت سماء الضاحية الجنوبية إبّان عدوان تموز لتعلن بأعلى صوتها: “بيتي في الضاحية راح، وبيتي بالضيعة راح وكله فداء المقاومة والمقاومين”؟، هذه السيدة التي تحوّلت أيقونة الصامدين خلال حرب تموز، تقيم منذ أشهر في دار الأمان للمسنين. لم يبقَ لها بيت، ولا قوة بدنية تعينها على السير بين الأنقاض، أو المخاطرة تحت القصف مجدداً. فقد أصابتها قبل أشهر جلطة دماغية سبّبت لها شللاً نصفياً في جانبها الأيمن، وعجزاً عن الكلام. ابنة أُختها التي كانت تهتم بها وبوالدتها، لم تعد تستطيع القيام بالمهمّتين بعدما أصيبت أمّها بالعارض الصحي ذاته، فاضطرت آسفة إلى إيداع خالتها في دار المسنين الوحيدة في الجنوب..
ولأنها أم كامل بات البعض يقرن الدار بها حتى أصبح اسمها: “دار أم كامل”، وهي التي لم تصبح أمّاً يوماً، وإن وُصفت بـ“أمّ المقاومين. هي نجمة هنا، لكنها نجمة صامتة بلا صرخات حماسية أو حركة غاضبة من يديها أو خطوات ثابتة من قدميها. فجسدها منهك لا يبارح الفراش إلا بمساعدة الممرضات، لقضاء الحاجة أو الخضوع لجلسات العلاج الفيزيائي القاسية. على الرغم من ذلك، هي محطّ اهتمام الجميع، أطباء وممرضات وموظفين. الكلّ يسأل عنها ويأتي لتحيتها ويتمنّى لو تتمكن من مبادلته الكلام. رد فعلها الوحيد، أنّات طويلة تطلقها إمّاً وجعاً وحزناً أو ربما رفضاً لتذكيرها بما كانت عليه وما آلت إليه.
ازرع تحصد
تشرح المسؤولة الاجتماعية في الدار غزوة حيدر, عن أسباب لجوء الناس "إلى إيداع ذويهم أو أقاربهم في دار للمسنين. فتتحدث عن غياب نظام ضمان الشيخوخة، ودورة الحياة السريعة، وتفكّك الأواصر والروابط الاجتماعية، وكثافة هجرة الأبناء "كلها عوامل تعزّز نجاح تجربة دور المسنين في الريف كما في المدينة" تقول حيدر. وإذا كانت فكرة الدار مرادفة لدى البعض للإهمال و"العزارة"، فإن الأمر في دار الأمان "مختلف بدليل وجود أم كامل وأمثالها فيها".
الموضوعات كثيرة والقصص الغريبة أكثر, فمرة تجد أختاً تخلّت عن أختها وأناسا تخلّوا عن أقاربهم, ولكن أن تجد أناساً يتخلون عن أمهم وأبيهم بطريقة صلبة, هذا أمر نادر الحصول وأسبابه معقدة, انها حقاً قصص يندى لها الجبين، وتتحرك من خلالها المشاعر لتأخذك بعيداً وتغير معها كل الموازين وتجعلك تفكر بأشياء عديدة لتغير جميع حساباتك العائلية وتحسبها جيداً لضمان المستقبل، وهنيئاً لكل الأبناء الذين يعاملون والديهم بإحسانٍ وطيب.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018