ارشيف من :أخبار لبنانية
خاص "الانتقاد.نت": مافيا" الأدوية المزوَّرة في لبنان تستظل بالغطاء السياسي.. والفوضى و"المروجين"
نقيب الصيادلة يدعو لاعتبار المزوِّر "مرتكب جناية"... وسكريّة لمحاسبة "المتورطين داخل وزارة الصحة"
حسن زراقط
بين الأحاديث عن إنحسار دخول الأدوية المزوّرة والمهرّبة إلى لبنان، وأقاويل مناقضة لذلك، فإن مسألة يمكن اعتبارها في حكم المؤكدة، وهي أن "مافيا" الدواء المزوّر لم ترحل بعد، وما زالت تهدد المواطنين في أي لحظة يكتشف أحدهم أن دواءه الذي يفترض أن يفيده في حاله الصحية، قد تحول ضرراً عليه وربما يهدد حياته، فيما يمنع الغطاء السياسي والطائفي القانون من أن يأخذ مجراه بحق هؤلاء المزورين."هذه المافيا موجودة، للأسف"، يجيب مالك إحدى الصيدليات والشركات المستوردة للأدوية، في بيروت، لدى سؤاله عن "مافيا" الدواء. ويذهب أبعد من ذلك عندما يؤكد أن تزوير الأدوية حاصل في لبنان، و"هناك أشخاص يأتون بدواء من غير منشأه، وشكل غلافه مختلف عن الدواء الأصلي، حيث تتم تعبأته هنا في لبنان". ويلفت المالك إلى أن "جهاز التفتيش في نقابة الصيادلة لا يقدر على اكتشاف جميع المزورين"، فـ"بعض الناس مسنودين سياسياً، وآخرين يضعون بضاعتهم في مكان لا تصله المراقبة". ويشرح ذلك: "يأخذ شخص ما شقة قريبة من مستودع الأدوية التابع له أو الصيدلية ويخبأ داخلها الأدوية المزورة، وذلك لا يتم اكتشافه إلاّ عبر إخبار عن هذه الشقة السكنية".
ومن المعروف أن وزارة الصحة تعلن أنها مستمرة في مكافحة الدواء المزوّر، لكن هذا المالك، ينبه من أن "مشكلة الدواء المزور عالمية، إلا أنها هنا في لبنان أكبر، حيث لا قدرة كافية لوزارة الصحة على التحرك لضبط التزوير". ويعتقد أن "معظم الصيدليات ومستوردي الأودية ملتزمون بالدواء الأصلي، بينما نسبة المخالفين هي حوالى 30 في المئة، فنقابة الصيادلة ليست سلطة تنفيذية ولكنها تقوم بعمليات تفتيش في الصيدليات، بينما الوزارة هي سلطة، وهي التي تأخذ القرار وكذلك مديرية الجمارك". ويستشهد بحادثة "حصلت معي خلال عملي، عندما إنتبهت مرة إلى أن صلاحية أحد الأودية شارفت على الإنتهاء، وكان مزوراً بإتقان شديد، فأردت إرجاعه إلى الوكيل فتبيّن أن هذا الأخير قد استورده مزوراً من دون أن يعلم!".
"الهولوغرام" ونقابة مستوردي الأدوية
سعت نقابة مستوردي الأدوية في كشف الأدوية المزوّرة من خلال وضع "هولوغرام" (صورة مجسمة) على الأدوية الشرعية كنظام أمان لحماية المريض. إلا أن المزوّرين بدأوا يقلّدون حتى "الهولوغرام"، لذا اعتمد صانعو الأدوية الشرعية مؤخرا العلامة الآمنة، وهي عبارة عن علامة إلكترونية تلصق على العلبة ولا يمكن فصلها. لكن هذه التقنيات مكلفة جداً ولها تبعاتها على أسعار المنتج. ويشتكي بعض مستوردي الأودية غير المنتسبين إلى النقابة، ومعظمهم من المصنِّعين المحليين الذين لا يضعون "الهولوغرام"، من أن النقابة تمثل "احتكاراً" للأدوية، ويطالبوها باعتماد "هولوغرام" موحد بالتعاون مع نقابة الصيادلة ووزارة الصحة.
وإذا كان الهدف من وراء ذلك محاربة الأدوية المشبوهة، فإن مديرة إحدى الصيدليات تشير إلى أنه يعرض عليها بضاعة مشبوهة، "لكن حتى نكون في أمان يجب ان نأخذ البضاعة من الوكيل". وما يحصل أحياناً، تضيف المديرة، أن "زبائن يأتون إلينا وفي حوزتهم غلاف دواء يريدون مثله، فننبهم من أنه مزور"، و"بعض الأشخاص يعرضون علينا أدوية أتوا بها من خارج لبنان، بيد أننا لا نشتريها لأنها لا تحتوي على "الهولوغرام". وقد يأتي أناس يحملون أدوية كل مواصفاتها قانونية، وبرغم ذلك نحجم عن أخذها لأنها قد تكون مسروقة".
فوضى و"ترويج"
يشيع معظم مالكي الصيدليات أن الأدوية المزورة في لبنان أصبحت قليلة، بغض النظر عن وجود بعضها في صيدليات ومستودعات ومستوصفات غير خاضعة للمراقبة. وبدوره، يؤكد مالك آخر لإحدى الصيدليات في بيروت أن هذا "الإنحسار جاء بعد القرارات التي اتخذتها وزارة الصحة ونقابة الصيادلة". غير أنه يحذر من أن الأدوية المزورة والمهربة "موجودة في المستوصفات بسبب خضوعها للتجاذبات السياسية، باعتبار أن المسؤول يعتبر المستوصف أحد وسائل نشر الدعاية له، برغم ما لذلك من تأثير سلبي على حياة المريض".وفيما يؤيد هذا المالك فكرة "الهولوغرام" لما له من تأثير ولو جزئي في الحد من الأودية غير الشرعية"، يبدي ثقته بشركات الأدوية المنتسبة إلى نقابة شركات الأدوية "بمعزل عن تحفظات كثيرة على طريقة تعامل الشركات والمستوردين مع الصيادلة". ويفسِّر ذلك: "عند ارتفاع العملات الأجنبية لا تُسلم الأدوية إلى الصيدليات أو تسلم بكميات ضئيلة جداً، إلى حين أن يوقع وزير الصحة على مرسوم ارتفاع الأسعار الذي طرأ ومَنَعَ تلك الشركات من تسليم الأدوية"، واصفاً ذلك بأنه "نوع من الإحتكار الذي يضر من حيث منع الدواء عن المريض وخاصة الأدوية للأمراض المزمنة والحالات المستعصية".
والأخطر من ذلك، يتابع الصيدلاني، "وجود فوضى في سوق الدواء، وكثرة الأدوية المتشابهة، مما يحوّل الطبيب إلى مروّج دواء لشركات الأدوية مقابل تقديمات من هذه الشركات للأطباء عبارة عن رحلات ترفيهية إلى الخارج ومبالغ مالية". ويذكر أن شخصاً أتى إلى صيدليته حاملاً حقيبة في داخلها أدوية "قام بعرضها عليّ، لكنني عرفت أنها مزورة، وهو اعترف قبل ذلك بأنها مقلَّدة. مثل هؤلاء الأشخاص يعملون لحسابهم الشخصي". ويشدد على أن الحل لهذه المشكلة "يمكن في اعتماد دواء ذو فاعلية عالية وبسعر رخيص، بحيث أنه بدلاً من توافر عشرة أصناف من دواء واحد، تتقلص إلى اثنتين تكونان بجودة عالية وسعر رخيص. وثانياً، رفع اليد السياسية عن المزورين والمهربين لأن المزور لا دين أو طائفة له، والتشدد في معاقبتهم إذا وجدوا، وإخضاع المستوصفات التي يجب أن تكون مجانية فعلاً وليس شكلاً إلى رقابة وزارة الصحة ونقابة الصيادلة، وكذلك التشدد في إعطاء التراخيص للمستوصفات التي ازداد وجود الأدوية المزورة في كثير منها، وتعزيز القوى الأمنية المختلفة لدورها في منع التهريب عبر الحدود والمرافىء".
دبيبو: المزوِّر يُحاسب كجاني
يفرض وجود "مافيا" الدواء دوراً فاعلاً من قبل وزارة الصحة ونقابة الصيادلة أنفسهم، وهو ما يؤكده نقيب الصيادلة صالح دبيبو الذي يعرِّف المافيا بأنها "إسم مجهول يعمل بطريقة غير شرعية، ويكون الدواء إحدى هذه الطرق". وإذ يؤكد دبيبو لـ "الإنتقاد.نت" أن لا معطيات لديه بشأن نسبة دخول الأدوية المزورة إلى لبنان، فإنه يؤكد أنه "سبق ووجدنا بعض الأدوية تدخل بطريقة غير شرعية، بفضل جهاز التفتيش في النقابة، لكن لا أحد يعرف كمية الأدوية المزورة بشكل عام".
ولا يخفي دبيبو تأثير السياسة على نمو تلك "المافيا"، فـ"السياسة في لبنان تدخل كل شيء، وإذا قلنا إن تلك الأدوية المزورة أصبحت سلعة، فذلك يجعلنا نكثّف الحملات لوقفها مع كل الأجهزة المعنية". كما يؤكد دبيبو أن "من يُضبط لديه التزوير والتهريب يجب أن يعامل كجاني لأنه يُلحِق ضرراً كبيراً بالمواطن، وخاصة أن الحصول على الأدوية آلية مُحكَمَة، فإذا خرقها الصيدلاني يجب أن يعاقب. وأي جهة تتعاطى التزوير ستحاسب". لكن دبيبو يختم بأن التزوير "لم يثبت في لبنان"، لكنه "قد يكون موجوداً".
سكريّة: محاسبة المتورطين داخل الوزارة
من جهته، يرفض رئيس "الهيئة الوطنية الصحية" إبراهيم سكريّة القول إن دخول الأدوية المزور قد انحسر. ويستدل سكرية على ذلك بالإشارة إلى أن "الجمارك في مرفأ بيروت صادرت كميات كبيرة من الأدوية المزورة والمهربة قبل فترة، ولا نعلم في الوقت نفسه الكميات الأخرى التي تدخل إلى البلد". ويرى سكرية أن "لا وجود لأجهزة الرقابة في هذا الموضوع، في ظل تفاوت أسعار الأدوية بين الصيدليات"، ذاكراً أن شكاوى عدة تأتيه من مواطنين "يجدون داخل ظرفاً مزوراً من أصل ثلاثة داخل علبة الدواء الأصلي!".وفي حين يصف سكرية لبنان بأنه "أفشل بلد في العالم لناحية معادلة الرعاية الصحية"، يشدد على ضرورة رفع الغطاء السياسي عن المزورين، ويحتاج ذلك إلى تشهير بهم وطرح أسمائهم، فالقضاء لا يتحدث عنهم. ينبغي أن تفصل الصحة عن الحسابات السياسية". وبما أن وزارة الصحة هي المعني الأول في مواجهة التزوير، يطالبها سكرية بتفعيل دورها "الذي لم يتغير تاريخياً"، فـ"مع كل قدوم لوزير جديد تحدث محاولات للتغيير سرعان ما تنحسر". ويذكِّر سكرية بأن الوزارة "أخرجت سابقاً لائحة بـ200 من الأدوية المزورة"، لكن الفساد ضاربٌ في مغارة علي بابا؛ أي الوزارة غير القادرة على أن تحاسب من يتواطأ من داخلها مع المزورين". ويعتبر سكرية أن نقابة الصيادلة ووزارة الصحة "تمارسان سياسية التطنيش، أو "النفاق النقابي". وفي حال صدقت التقديرات بأن نسبة المزورين لا تتجاوز 30 في المئة، فإن سكرية يصفها بأنها "كبيرة"، ويدعو إلى محاسبة أي مخلٍ ومزور "على ألا يتدخل أحد سياسياً أو طائفياً، وعلى الإعلام أن يلعب دوره في هذا المجال".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018