ارشيف من :أخبار لبنانية
أصـول تحكـم انتخـاب أعضــاء اللجـان النيـابيـة
أحمد زين - صحيفة السفير
برأت جلسة انتخاب الأعضاء الخمسة في هيئة مكتب المجلس النيابي الوضع الحكومي من تهمة التسبب في تأخير انتخاب أعضاء اللجان النيابية. فالتوزير ممنوع مع عضوية اللجان كما مع عضوية هيئة المكتب التي أنجز استحقاق انتخابها. وفي معظم المرات كان تشكيل الحكومة يضم أعضاء في اللجان النيابية فيعمد المجلس الى انتخاب البديل عن النائب الموزّر حتى من دون ان يُطلب من الوزير ان يختار بين المنصبين. ولهذا والى ان يثبت العكس، يمكن القول إن تأخير تشكيل اللجان عائد لخلافات سياسية فقط لا غير.
ان هذه الحقيقة تستدعي لفت نظر النواب ورؤساء الكتل التي ينتمون اليها الى الأصول البرلمانية التي يتوجب أخذها بالاعتبار في انتخاب أعضاء الهيئة وتشكيل اللجان علهم يبنون على الشيء مقتضاه في عملية التشكيل يوم الثلاثاء المقبل، بعد ان سبق السيف العذل في انتخاب هيئة المكتب.
فانتخاب أعضاء اللجان وهيئة المكتب هما الاستحقاقان الانتخابيان الوحيدان اللذان يجريهما المجلس، ولا يكون لهما أي ماهية سياسية ولا يرتبطان لا من قريب ولا من بعيد بمبدأ الفصل بين السلطات. فهما انتخابان داخليان بامتياز. فحتى إذا لم يجر انتخاب الأعضاء الخمسة لا يتعطل عمل السلطات الدستورية الأخرى، وإذا لم يحصل انتخاب اللجان لا يكون مانع يوقف عمل المجلس وعمل بقية السلطات، وهيئة المكتب بقيت 31 سنة تتشكل من دون مفوضين، واللجان النيابية لا ذكر لها في الدستور. وإن كانت تنشأ عملاً بأحكام النظام الداخلي للمجلس فإنها لا تمتلك سلطة القرار فالمشاريع التي تصدقها تخضع للتعديل في الهيئة العامة وفي مرات كثيرة ترد الى اللجان لإعادة درسها.
من هذه الوقائع يتبين ان المجلس النيابي أضاف عبر ممارسته الطويلة نصوصاً لم يقر بها الدستور وإن كانت قانونية، كون الدستور أولى المجلس صلاحية وضع نظامه الداخلي. وما تجب الإشارة إليه هنا ان المشترع الدستوري لم يقدم على إضافة المفوضين الثلاثة الى نصه الذي حدد فيه أعضاء هيئة المكتب رغم تعديل الدستور مرات عديدة بعد إضافة النظام الداخلي المفوضين الى الهيئة وكذلك بالنسبة للجان. والسبب في ذلك ان المشترع الدستوري رأى ان عملية الاستحداث المزدوجة تلك هي شأن داخلي لا تمتد مفاعيلها الى خارج المجلس وبالتالي لا علاقة لها بفصل السلطات وأحكام النظام فلو كان الأمر غير ذلك لكانت إضافتها الى النص الدستوري قد تمت.
من هذه الزاوية يمكن فهم الطبيعة التي يجب ان تحكم انتخاب اللجان النيابية وأعضاء هيئة مكتب المجلس وهذا ما يمكن استكشافه بوضوح من رصد نية المشترع عندما أجرى الإضافات المزدوجة تلك وكذلك من تعامل المجلس المتكرر مع الاستحقاقين: انتخاب الهيئة وانتخاب اللجان. فعلى الصعيد الأول يتبين انه عندما جاء النص على إنشاء اللجان مع المجلس التمثيلي الأول سنة 1922، كان عددها أربعاً فقط، ونص على «وجوب ان يكون لكل مدينة مستقلة إدارياً وكل لواء (محافظة) من يمثلها في اللجنة المالية ويجب تمثيلهما في مجمل اللجان الثلاث الأخرى على نسبة عدد أعضائهما في المجلس التمثيلي». ونصت المادة 16 من النظام على ان يكون الانتخاب في الدورة الأولى بالأكثرية المطلقة. وأن يكون الانتخاب على القائمة». وأن يعين رئيس المجلس رئيساً للجنة. ولكن مع أول مناقشة جرت لتعديل النظام طلب رئيس المجلس تعديل المادة التي تخوله تعيين رئيس اللجنة ليصار الى انتخاب رئيسها من الأعضاء.
يتبين من هذه النصوص ان إنشاء اللجان النيابية ارتبط بأن تكون مشكّلة بصيغة توافقية وذلك من خلال:
أ ـ إجراء الانتخاب على القائمة.
ب ـ تمثيل جميع الدوائر الانتخابية في كل اللجان.
ج ـ الفوز بأكثرية مطلقة، وهي أكثرية معادلة لفوز المرشح لرئاسة الجمهورية في الدورة الثانية ولفوز المرشح لرئاسة مجلس النواب وتفوق نسبة الأصوات المطلوبة لنيل الحكومة الثقة.
د ـ تنازل رئيس المجلس عن تعيين رئيس اللجنة وتركه لحرية أعضائها.
ومما لا شك فيه ان من هذه النصوص من طاله التعديل إلا ان الممارسة المتكررة حافظت على احترام مضمون تلك الأحكام بحيث أصبح من الأصول البرلمانية ان يضع رئيس المجلس «قائمة» بأسماء أعضاء كل لجنة يراعي فيها التوازنات فتطرح في الجلسة العامة ليصار انتخابها وكانت الموافقة عليها تتم دائماً باستثناء بعض المرات التي يطلب فيها نائب تبديل عضويته في لجنة بعضوية لجنة أخرى.
أما بالنسبة لانتخاب أعضاء هيئة مكتب المجلس فإن انتخابها قد تكرس في عرف برلماني ثابت ومتكرر لم يصر الى اختراقه إلا في السنوات الأخيرة ويقضي هذا العرف بأن يكون المفوضون الثلاثة وأمينا السر ممثلين لخمسة فرقاء آخذين بالاعتبار التمثيل الطائفي أيضاً ولذلك كان يتم انتخاب الأعضاء الخمسة في معظم المرات بالتزكية. وهذه الظاهرة المتكررة لم تكن بفعل «ترفع» من النواب عن عضوية الهيئة إنما لإدراكهم ماهيتها وضرورة التوافق حولها مسبقاً آخذين بالاعتبار نية المشترع عندما استحدث منصب المفوضين وقضت بأن يكون هؤلاء يمثلون ثلاثة اتجاهات سياسية في المجلس.
من هذه الزاوية يتبين ان ترك عملية انتخاب المفوضين للعبة الديموقراطية العددية كما جرى أخيراً، يتعارض مع نية المشترع التي فرضت الأخذ باعتبار أصول خاصة تحكم الانتخاب. وهذا ما يستدعي القول إن الخروج عن التوافقية في هذا الاستحقاق وإخضاعه للديموقراطية العددية يبقى من حق النواب إلا أن استعمال هذا الحق يلزمهم باحترام «الحق الدستوري» والتقيد بالتحديد الذي وضعه الدستور لتشكيل هيئة المكتب، فعندما يتم تجاوز الأسباب الموجبة التي بني عليها استحداث المفوضين تسقط قانونية النص على توسيع عضوية الهيئة في النظام الداخلي. فإما ان يؤخذ بالأسباب الموجبة وإما ان يؤخذ بالنص الدستوري وهذا ما لم يقدم عليه نواب اليوم عندما تجاوزوا النصين معاً.
قد لا تعني هذه المداخلة في «النظام» ان يستقيل أعضاء من هيئة المكتب كي يستبدلوا بأعضاء من اتجاهات سياسية أخرى فهذا بمثابة الطلب المستحيل لأن نوابنا معروفون كونهم من النواب السابقين. فالغاية من المداخلة ان يتمموا الاستحقاق يوم الثلاثاء المقبل عند تشكيل اللجان على خير كي لا تتكرر الممارسة مرتين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018