ارشيف من :أخبار لبنانية
الرئيس وجهاً لوجه مع المأزق الحكومي: نصف دور زائداً صلاحيّات دستورية معطّلة
نقولا ناصيف - صحيفة الاخبار
تعيد عودة الرئيس ميشال سليمان من إسبانيا تسليط الضوء على دوره في مأزق حكومي يتخبط في صعوباته، وقد أضحت حظوظ تأليف حكومة وحدة وطنية تتوقف على أحد خيارين: تسليم الرئيس المكلف سعد الحريري بمطلب الرئيس ميشال عون إعطاءه حقيبة الاتصالات أو إبدالها بحقيبة العدل، لأن لا ثالث لهما في حساب عون على الأقل، أو تخلّي الأخير عن هذا المطلب والقبول بالحقائب الأربع التي عرضها الحريري عليه، وهي التربية والعمل والثقافة وشؤون المهجرين. واقع الأمر، تبعاً للمواقف التي يعلنها الرجلان: لا الحريري يريد ولا هو قادر على استجابة مطلب محاوره في الحقيبة الأم والحقيبة البديلة، ولا الجنرال في وارد التخلي عن الأولى دون الحصول على الثانية.
هكذا دخل تأليف الحكومة في مأزق حقيقي لا أبواب انفراج مفتوحة أمامه، بلا تنازل كبير من أحد الطرفين للآخر. يعني ذلك أيضاً أن الأزمة سهلة إلى الحدّ الذي يجعل حلّها صعباً بلا مفاجأة: سهلة لأن الحريري وعون وضعا على طاولة تفاوضهما كل الأوراق التي يملكانها، ولم يعد في قبعة أحدهما أو كمّه ورقة مستورة يخوّف الآخر بها أو يباغته، وبات كل منهما يلمّ تماماً بما يريده الآخر. ولكنها صعبة لأن تشبّث الرجلين بشروطهما يجعل الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية بلا آمال تقريباً.
أين يقف رئيس الجمهورية من ذلك؟
تواجه سليمان المعطيات الآتية:
1ـــــ لا يسعه إرغام الرئيس المكلف على الاعتذار بسبب تعذّر تفاهمه مع المعارضة على تأليف الحكومة، ولا يسعه إلزامه مهلة محدّدة للتأليف أو الاعتذار جراء عدم التأليف. في كل حال لا يفتح اعتذار الحريري أبواب الحلّ في وجه شخصية سنّية أخرى لسببين متلازمين: أولهما أن ما أحجم الحريري ـــــ وهو زعيم الغالبية وزعيم السنّة ـــــ عن إعطائه للمعارضة، لا يملك سواه في طائفته أن يقدّمه. وثانيهما أن من الصعوبة بمكان توفير غالبية نيابية حول مرشّح آخر لتأليف الحكومة لا يزكّيه الحريري أو يخلي المكان له. بذلك يمسي الرئيس المكلف الحالي المشكلة والحلّ في آن واحد.
2ـــــ لا دور دستورياً لرئيس الجمهورية في المرحلة الفاصلة بين التكليف والتأليف، إلا انتظار أن ينهي الرئيس المكلف كل مشاوراته كي يناقشا معاً الصيغة الفضلى لتأليف الحكومة. يحجب ذلك عن سليمان تدخّله في دور وضعه الدستور على عاتق الحريري في استمزاج الكتل النيابية رأيها تمهيداً لتأليف الحكومة. إلا أن التأليف، في نهاية المطاف، يكون بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف. في أول امتحان لعلاقتهما كشريكين في السلطة الإجرائية، لم يوافق سليمان على الصيغة التي اقترحها الحريري عليه، ولم يرَ فيها حكومة وحدة وطنية، ورفض أن يعلن تسلّمه إياها إلى أن دفنها الاعتذار الأول للحريري. يعبّر ذلك أيضاً عن دور حاسم لرئيس الجمهورية في تأليف الحكومة، هو أنه لا يمهر مراسيمها بتوقيعه ما لم يتيقن من موافقة المعارضة عليها. بذلك يأتي تأييد الرئيس وتوقيعه تتويجاً لتفاهم الحريري مع عون، لا حلاً بديلاً منه. كلا الموقفين يقودان حكماً إلى فراغ دستوري إذا وجد أحدهما الآخر عقبة في طريقه: عندما يخفق الحريري في تأليف الحكومة بسبب نزاعه مع المعارضة على الشروط المتبادلة، ولا يجد في رئيس الجمهورية مصدر حماية لتكليفه، وعندما يرى سليمان أن الحريري يحيل التكليف بلا تأليف أداة ضغط تستنزف ولايته.
3ـــــ لا يرى الرئيس جدوى من لجوئه إلى صلاحية تنصّ عليها الفقرة الـ10 من المادة الـ53 من الدستور، هي توجيهه رسالة إلى مجلس النواب، كي يخاطب من خلاله الأمة ويشرح لها واقع مأزق سياسي يلامس الأزمة الدستورية كي يصبح من ثمّ أزمة حكم. إذ ليس للبرلمان إلا تلاوة الرسالة الرئاسية ومناقشتها إذا شاء، من غير أن يكون ملزماً ما تقترحه، ومن غير أن يمتلك كل من رئيس الجمهورية أو المجلس القدرة على إنهاء المأزق الحكومي، ولكل منهما سبب يلازمه مباشرة:
أولهما أن الرئيس لا يمسك بوسائل ترغم البرلمان على معالجة الأزمة المستفحلة، ولا خصوصاً صلاحية حلّه كي يضع طرفي النزاع أمام مسؤولية المعالجة تحت وطأة التهديد بالدعوة إلى انتخابات نيابية جديدة.
وثانيهما أن الأكثرية النيابية الحالية التي تمثّل قوة الموقف والقرار في الهيئة العامة، تمثّل في الوقت نفسه فريقاً سياسياً في الأزمة يتزعّمه الحريري لا يُحتكم إليها، ولأن الأمر كذلك، تستمر هذه الغالبية في دعم تكليفه كي تحمّل المعارضة مسؤولية التعطيل. غالبية كهذه تقبض على الأكثرية المطلقة تجعل موقفها حيال رسالة رئيس الجمهورية دافعاً إضافياً لتصعيد الأزمة والانحياز إلى الرئيس المكلف، عوض أن تقدّم الحلّ. على نحو مشابه لم يفلح الرئيسان الياس الهراوي عام 1998 وإميل لحود عام 2005 في الحصول على موقف من مجلس النواب رداً على رسالتين وجّهاهما إليه.
4ـــــ منذ أول تكليف للحريري في 27 حزيران، تكون الأزمة الحكومية قد باتت على أبواب الشهر الخامس. على مرّ هذا الوقت وجد رئيس الجمهورية نفسه أمام واقع مربك: لا يستطيع ممارسة صلاحياته الدستورية لأن لا سلطة إجرائية في البلاد، ولأن حكومة تصريف الأعمال مكبّلة بحدود دنيا من الصلاحيات تحول دون اجتماعها واتخاذ القرارات. في المقابل، يمارس الرئيس نصف دوره: لأنه رئيس توافقي لا يستطيع الانحياز إلى فريق دون آخر، وللمبرّر نفسه راح دوره يقتصر على الجولات والزيارات والنشاط الدبلوماسي، إلى استقبالات يومية.
تعيد عودة الرئيس ميشال سليمان من إسبانيا تسليط الضوء على دوره في مأزق حكومي يتخبط في صعوباته، وقد أضحت حظوظ تأليف حكومة وحدة وطنية تتوقف على أحد خيارين: تسليم الرئيس المكلف سعد الحريري بمطلب الرئيس ميشال عون إعطاءه حقيبة الاتصالات أو إبدالها بحقيبة العدل، لأن لا ثالث لهما في حساب عون على الأقل، أو تخلّي الأخير عن هذا المطلب والقبول بالحقائب الأربع التي عرضها الحريري عليه، وهي التربية والعمل والثقافة وشؤون المهجرين. واقع الأمر، تبعاً للمواقف التي يعلنها الرجلان: لا الحريري يريد ولا هو قادر على استجابة مطلب محاوره في الحقيبة الأم والحقيبة البديلة، ولا الجنرال في وارد التخلي عن الأولى دون الحصول على الثانية.
هكذا دخل تأليف الحكومة في مأزق حقيقي لا أبواب انفراج مفتوحة أمامه، بلا تنازل كبير من أحد الطرفين للآخر. يعني ذلك أيضاً أن الأزمة سهلة إلى الحدّ الذي يجعل حلّها صعباً بلا مفاجأة: سهلة لأن الحريري وعون وضعا على طاولة تفاوضهما كل الأوراق التي يملكانها، ولم يعد في قبعة أحدهما أو كمّه ورقة مستورة يخوّف الآخر بها أو يباغته، وبات كل منهما يلمّ تماماً بما يريده الآخر. ولكنها صعبة لأن تشبّث الرجلين بشروطهما يجعل الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية بلا آمال تقريباً.
أين يقف رئيس الجمهورية من ذلك؟
تواجه سليمان المعطيات الآتية:
1ـــــ لا يسعه إرغام الرئيس المكلف على الاعتذار بسبب تعذّر تفاهمه مع المعارضة على تأليف الحكومة، ولا يسعه إلزامه مهلة محدّدة للتأليف أو الاعتذار جراء عدم التأليف. في كل حال لا يفتح اعتذار الحريري أبواب الحلّ في وجه شخصية سنّية أخرى لسببين متلازمين: أولهما أن ما أحجم الحريري ـــــ وهو زعيم الغالبية وزعيم السنّة ـــــ عن إعطائه للمعارضة، لا يملك سواه في طائفته أن يقدّمه. وثانيهما أن من الصعوبة بمكان توفير غالبية نيابية حول مرشّح آخر لتأليف الحكومة لا يزكّيه الحريري أو يخلي المكان له. بذلك يمسي الرئيس المكلف الحالي المشكلة والحلّ في آن واحد.
2ـــــ لا دور دستورياً لرئيس الجمهورية في المرحلة الفاصلة بين التكليف والتأليف، إلا انتظار أن ينهي الرئيس المكلف كل مشاوراته كي يناقشا معاً الصيغة الفضلى لتأليف الحكومة. يحجب ذلك عن سليمان تدخّله في دور وضعه الدستور على عاتق الحريري في استمزاج الكتل النيابية رأيها تمهيداً لتأليف الحكومة. إلا أن التأليف، في نهاية المطاف، يكون بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف. في أول امتحان لعلاقتهما كشريكين في السلطة الإجرائية، لم يوافق سليمان على الصيغة التي اقترحها الحريري عليه، ولم يرَ فيها حكومة وحدة وطنية، ورفض أن يعلن تسلّمه إياها إلى أن دفنها الاعتذار الأول للحريري. يعبّر ذلك أيضاً عن دور حاسم لرئيس الجمهورية في تأليف الحكومة، هو أنه لا يمهر مراسيمها بتوقيعه ما لم يتيقن من موافقة المعارضة عليها. بذلك يأتي تأييد الرئيس وتوقيعه تتويجاً لتفاهم الحريري مع عون، لا حلاً بديلاً منه. كلا الموقفين يقودان حكماً إلى فراغ دستوري إذا وجد أحدهما الآخر عقبة في طريقه: عندما يخفق الحريري في تأليف الحكومة بسبب نزاعه مع المعارضة على الشروط المتبادلة، ولا يجد في رئيس الجمهورية مصدر حماية لتكليفه، وعندما يرى سليمان أن الحريري يحيل التكليف بلا تأليف أداة ضغط تستنزف ولايته.
3ـــــ لا يرى الرئيس جدوى من لجوئه إلى صلاحية تنصّ عليها الفقرة الـ10 من المادة الـ53 من الدستور، هي توجيهه رسالة إلى مجلس النواب، كي يخاطب من خلاله الأمة ويشرح لها واقع مأزق سياسي يلامس الأزمة الدستورية كي يصبح من ثمّ أزمة حكم. إذ ليس للبرلمان إلا تلاوة الرسالة الرئاسية ومناقشتها إذا شاء، من غير أن يكون ملزماً ما تقترحه، ومن غير أن يمتلك كل من رئيس الجمهورية أو المجلس القدرة على إنهاء المأزق الحكومي، ولكل منهما سبب يلازمه مباشرة:
أولهما أن الرئيس لا يمسك بوسائل ترغم البرلمان على معالجة الأزمة المستفحلة، ولا خصوصاً صلاحية حلّه كي يضع طرفي النزاع أمام مسؤولية المعالجة تحت وطأة التهديد بالدعوة إلى انتخابات نيابية جديدة.
وثانيهما أن الأكثرية النيابية الحالية التي تمثّل قوة الموقف والقرار في الهيئة العامة، تمثّل في الوقت نفسه فريقاً سياسياً في الأزمة يتزعّمه الحريري لا يُحتكم إليها، ولأن الأمر كذلك، تستمر هذه الغالبية في دعم تكليفه كي تحمّل المعارضة مسؤولية التعطيل. غالبية كهذه تقبض على الأكثرية المطلقة تجعل موقفها حيال رسالة رئيس الجمهورية دافعاً إضافياً لتصعيد الأزمة والانحياز إلى الرئيس المكلف، عوض أن تقدّم الحلّ. على نحو مشابه لم يفلح الرئيسان الياس الهراوي عام 1998 وإميل لحود عام 2005 في الحصول على موقف من مجلس النواب رداً على رسالتين وجّهاهما إليه.
4ـــــ منذ أول تكليف للحريري في 27 حزيران، تكون الأزمة الحكومية قد باتت على أبواب الشهر الخامس. على مرّ هذا الوقت وجد رئيس الجمهورية نفسه أمام واقع مربك: لا يستطيع ممارسة صلاحياته الدستورية لأن لا سلطة إجرائية في البلاد، ولأن حكومة تصريف الأعمال مكبّلة بحدود دنيا من الصلاحيات تحول دون اجتماعها واتخاذ القرارات. في المقابل، يمارس الرئيس نصف دوره: لأنه رئيس توافقي لا يستطيع الانحياز إلى فريق دون آخر، وللمبرّر نفسه راح دوره يقتصر على الجولات والزيارات والنشاط الدبلوماسي، إلى استقبالات يومية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018