ارشيف من :أخبار لبنانية
لماذا اتّصل حزب اللّه بجبران باسيل إذاً؟
كان أحد أركان 14 آذار يشرح بإسهاب كيف انتقلت العقدة الحكومية من دمشق إلى طهران. وكان يحدد التواريخ والوقائع. كيف أن الشهرين الأولين من زمن التكليف كان عنوانهما المحكمة الدولية. خرجت أصوات داخلية وأخرى خارجية تتحدث عن ربط بين إجراءات ستتخذها المحكمة، وخطوات تأليف الحكومة. بعدها اختفى الموضوع فجأة. لم يعد أحد يتحدث عن بلمار ولا عن قرار ظني مرتقب ولا عن استحقاقات أيلولية، ولا عن استدعاءات لأشخاص قريبين من حزب الله... طُوي الملف كلياً. سُحب، كما طُرح، وارتاحت سوريا، كما يؤكد الركن الآذاري.
فجأة، بحسب التحليل نفسه، انتقل البحث إلى الملف النووي الإيراني. وبعدما كان أيلول محطة بلمارية، صار هو نفسه محطة برادعية. وبعدما كان التصويب من ذخيرة المحكمة، صار الرصاص الخلّبي من ترسانة الوكالة الدولية: انتظار الجواب الإيراني على رسالة مجموعة الدول الست، بعدها انتظار محادثات جنيف، ثم محطة فيينا، ثم محطاتٍ مثل قطب السجاد العجمي الأصيل.
يخلص الركن البارز في 14آذار إلى النظرية الشهيرة التي عاش عليها فريقه طوال أربعة أعوام: ثمّة تميز واضح في الحسابات بين دمشق وطهران. والذين راهنوا على الدفع السوري ضمن معادلة س ـــــ س، أخطأوا بإسقاطهم العامل الإيراني ضمن معادلة داريوس الجديد في مواجهة العم سام. لا بل يذهب الركن نفسه أبعد، في تقدير الحساسيات المصلحية بين حليفي الضرورة في وجه صدام، منذ ثلاثين عاماً. كأن في طهران مَن يعتقد أنه إذا «قبضت» دمشق في المحكمة، وفي الانفتاح الأوروبي، وفي «التهافت» السعودي، وفي التحالف التركي... وإذا صارت الشام قادرة على قرار التريّث في توقيع اتفاقية الشراكة الأوروبية، بعدما لبثت عقداً ونيّفاً تنتظرها وتتلهّف لميعادها... وإذا تخطى نظام بشار الأسد مراحل «سياسة إسقاط النظام»، ومن ثم «سياسة تغيير سلوكه»، ليبلغ الأمان مع «سياسة التكيّف الدولية مع وجوده وتصرفه»... فإن إيران لم تكسب شيئاً بعد من ذلك كله. لا تنازل جدياً بعد في الملف النووي، لا تهاون في الحصار الدولي، لا قبول اقتناعياً بالنظام... بل على العكس، انتقال من قطوع مجلس الأمن، إلى هزّة الانتخابات الرئاسية، ومن امتحان مجموعة الست، إلى تحدي التوريط في النزاع الأفغاني ـــــ الباكستاني. وفي كل هذه المخاطر، تتجلى نيّة استفراد إيران، فلماذا تتساهل في لبنان، يسأل ركن 14 آذار.
حتى إن البعض في فريقنا ـــــ يقول ـــــ كان يتوهّم في لحظة ما أن يكون انفكاك جزئي في تصرف الدولتين في بيروت. كان البعض يراهن على كلمة سرّ سورية، تصل همساً إلى بعبدا، على طريقة أن ما رفضه رئيس الجمهورية في بيت الدين قبل شهر ونصف شهر، يمكن السير به من بعبدا الآن. بمعنى أن يصعد الحريري إلى سليمان، حاملاً تشكيلة حكومية مطابقة لصيغة 15 ـــــ 10 ـــــ 5، تسند إلى كل من عون وحزب الله وبري حصصهم «الميثاقية» ـــــ ولو من دون موافقتهم عليها ـــــ فيقبلها الرئيس وتصير حكومة الوحدة أمراً واقعاً.
لم تفعل سوريا طبعاً. ولم توحِ أنها مستعدة لذلك. ربما لأنها تطمح إلى أثمان أخرى إضافية، أو لأنها ترفض الانفكاك عن إيران ولو جزئياً، يعتقد ركن 14 آذار.
هل صحيحة هذه القراءة؟ واقعتان اثنتان كافيتان لإسقاطها: أولاً، لماذا تنادى مسيحيو 14 آذار إلى اجتماع معراب، لحظة أحسّوا بأن اتفاقاً حكومياً قد أنجز بين عون والحريري؟ لو كان اعتقادهم بالقدرة الوازنة لدمشق أو طهران فعلياً، فلماذا دبّ الرعب لدى المعرابيين، بعد اللقاء الرابع بين الرابية ووسط بيروت؟
ثانياً، لماذا اتصلت قيادة حزب الله بجبران باسيل، سائلة عن الاتفاق النهائي الذي تناهى إلى الجميع أنه أنجز، فيما كان عون يستعد لقوله لا؟ فلو كان لطهران أو لدمشق قدرة على الرفض أو الفرض، فلماذا كانت الضاحية مسلّمة بالكامل لقرار الرابية؟
مسلّمة «دولة القناصل» باتت مستدخلة لدى كثيرين. ومن إيجابيات الأزمة إسقاطها ولو تدريجاً، ولو بصعوبة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018