ارشيف من :أخبار لبنانية
تصريف الأعمال بالمعنى الضيق».. ما حدوده؟
قرأت بشيء من الاستغراب لا بل الاستهجان، وعلى فترات، مقالات ثلاثة عن وزراء تصريف الأعمال وما يقدمون عليه او يحجمون عنه بصفتهم هذه. المقالان الأولان هما بتوقيع الاستاذ عبد الحميد الاحدب وقد نشرا على صفحاتكم بتاريخ 2/10/2009 و19/10/2009، اما المقال الثالث فهو بقلم الكاتب علي الموسوي وقد نشر في عدد 20/10/2009. وقد التقى القلمان على اعتبار ان الوزير في حكومة مستقيلة، وهي بحسب أحكام الدستور حكومة تصريف اعمال بالمعنى الضيّق، انما يصلح فقط لأخذ الصور التذكارية...! فلا يحق له الاستفسار عن احوال الرعايا اللبنانيين في الخارج او مآسيهم او افتتاح السنة القضائية وإلقاء كلمة او حتى دعوة أترابه من الوزراء العرب للمشاركة في هذه المناسبة، وهم اصلاً مدعوون الى لبنان من برنامج الامم المتحدة الانمائي (المشروع الإقليمي للادارة الرشيدة) لعقد لقاء في بيروت تمهيداً لمشاركتهم في المنتدى العالمي لمكافحة الفساد الذي سيعقد قريباً في الدوحة. واذا ما اشحت النظر عن التهجمات على شخص الوزير في معرض دراسة بعنوان دستوري جذاب، بالرغم من انه آن الاوان لاصحاب الرأي القانوني والدستوري، مهما كانت انتماءاتهم واهواؤهم وحساباتهم وما يحملون في حنايا قلوبهم من مشاعر ضغينة او محبة، ان ينعتقوا عن الشخصانية ويسلكوا مسلك الموضوعية في مقاربة الامور التي لا تحتمل التحامل الشخصي، في ضوء اهميتها العلمية ونتائجها على مسار الحياة العامة في لبنان في ظل التوق الجامع الى ائتلاف وطني يستظله اللبنانيون في مرحلة شديدة الحساسية والدقة. وهنا أورد أسئلة بسيطة، قبل ان اخوض في مفهوم «المعنى الضيق لتصريف الأعمال» كي اعطي الاجابة الناجعة عن تساؤلات وردت في المقالات الثلاثة بمعرض تهجم شخصي لا يستسيغه العلم القانوني:
هل مشاركة وزير العدل في افتتاح السنة القضائية الذي دعا اليه رئيس مجلس القضاء الاعلى برعاية رئيس الجمهورية وحضوره كما وحضور رئيس مجلس النواب ورئيس حكومة تصريف الاعمال والوزراء والنواب والقضاة والمحامين والسفراء.. أمر يخرج عن تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق؟
هل دعوة وزراء عدل عرب للمشاركة في هذه المناسبة، في حال تواجدوا في لبنان بمعرض دعوة موجّهة إليهم أصلاً من برنامج دولي، أمر يخرج عن تصريف الاعمال بالمعنى الضيّق؟
هل السؤال عن مواطنة لبنانية اغتيلت في نيويورك وتتبع المجريات القضائية في ولاية الاغتيال امر يخرج عن تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق؟
ان الاجابة عن الاسئلة جميعها اعلاه هي حتماً بالنفي، على ما سيبينه الشرح العلمي ادناه:
اولا: ان عبارة «المعنى الضيق لتصريف الاعمال» وردت في نص لاول مرة في لبنان في المادة 64 من دستور ما بعد الطائف، حيث نصت الفقرة «2» منها على ان الحكومة لا تمارس صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها او اعتبارها مستقيلة «الا بالمعنى الضيّق لتصريف الاعمال».
ثانيا: لا يوجد اي رأي استشاري رسمي او قرار اجتهادي اداري يحدد بصورة قاطعة مفهوم «تصريف الاعمال بالمعنى الضيّق» الذي قصده المشرّع الدستوري عام 1990، بل يتوافر مرتكزان، احدهما رأي استشاري وآخر قرار اجتهادي دستوري، يمكن الركون اليهما في معرض استشراف الاجابة المنشودة:
اما الرأي الاستشاري، فهو الذي صدر عن «هيئة التشريع والاستشارات» في ظل الحكومة المعتبرة مستقيلة برئاسة نجيب ميقاتي (بفعل بدء ولاية مجلس النواب) عن «مدى جواز انعقاد مجلس النواب في عقد استثنائي في ظل حكومة مستقيلة يكون موضوعه الاشتراع ومصير مرسوم فتح الدورة الاستثنائية المحصور موضوعه بانتخاب اللجان النيابية»، حيث ورد، بمضمون معبر وإن بشكل عارض، «ان المبدأ المتعارف عليه الذي يحكم تصريف الاعمال من قبل الحكومة المستقيلة، هو ذاك الذي يجد مصدره في القرار المبدئي الشهير الصادر عن مجلس شورى الدولة الفرنسي بتاريخ 4/4/1952Syndicat régional des quotidiens d'Algérie والمنشور في مجموعةLes Grands Arrêts de la Jurisprudence Administrative, Dalloz 12ème éd. p. 477.
والذي بمقتضاه لا مفر من وجود سلطة مناط بها تأمين استمرارية الحياة الوطنية وديمومتها بين تاريخ استقالة الحكومة وتاريخ تأليف الحكومة الجديدة، فتمسي الولاية الاستثنائية للحكومة المستقيلة او المعتبرة كذلك، مسندة فقط إلى مرتكز تأمين مقتضيات الدولة الضرورية:
«Il est indispensable qu'il y ait une autorité chargée d'assurer la continuité de la vie nationale entre la démission du gouvernement et l'investiture de son successeur : les affaires courantes apparaissent ainsi, dit M. Delvolvé, « comme la zone limite de la compétence exceptionnelle d'un gouvernement dont le pouvoir ne repose plus sur aucun autre fondement que sur les nécessités de l'État ».
اما القرار الاجتهادي الدستوري، فهو القرار الصادر عن المجلس الدستوري تحت الرقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005 والذي قضى المجلس بموجبه بإبطال القانون الرقم 679/2005 المتعلق بتأجيل النظر بالمراجعــات امام المجلس الدستوري، إبطالاً كلياً لمخالفته أحكام الدستور والمبادئ الدستورية المكرسة فيه او المعتمدة من ضمن الكتلة الدستورية. وقد ورد في هذا القرار سبب ابطال مرده مخالفة القانون المذكور، والمطعون فيه من نواب عشرة، المادة 19 من الدستور لجهة حق رئيس مجلس الوزراء بمراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين. وجاء في قرار المجلس، تحت هذا السبب، ان «حق رئيس مجلس الوزراء المستقيل بالطعن بالقانون الذي يشارك بتوقيعه رئيس الدولة في مرسوم اصداره لا يدخل في المفهوم الضيق لتصريف الاعمال، لانـه عمل انشائي بامتياز وغير إجرائي، طالما من شأنه ان يؤدي الى ابطال هذا النص التشريعي وإحداث وضع قانوني مغاير بنتيجة هذا الإبطال». وانتهى المجلس تحت هذا السبب الى ان استبعاد رئيس مجلس الوزراء المستقيل، بالشكل الموصوف أعلاه، من دائرة المراجع التي يحق لها ان تمكّن المجلس الدستوري من ان يقبض على اختصاصه بمراقبة دستورية قانون مذيل بتوقيع رئيس مجلس الوزراء المستقيل، من شأنه ان يبطل هذا القانون لمخالفته المادة 19 من الدستور، سيما «ان مهلة الطعن بالقانون المذكور قد تنقضي قبل ان ينتقل حق الطعن الى الخلف».
يتبين مما سبق أن ثمة مقاربة أجراها المجلس الدستوري في قراره اعلاه للمعنى الضيق لتصريف الاعمال، قد يفهم منها عدم جواز التشريع في ظل حكومة مستقيلة او معتبرة مستقيلة او غير حائزة على ثقة مجلس النواب بعد، ذلك ان اي قانون يقره مجلس النواب في ظل حكومة تصريف اعمال معرّض للإبطال في حال أتيح للمجلس الدستوري ان يراقب دستوريته، بحجّة أنه غير دستوري لمخالفته نص المادة 19 من الدستور لجهة حجب حق رئيس حكومة تصريف الأعمال بمراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين. إلا أن هذه الخلاصة لا تقع موقع الحسم في موضوع عدم جواز التشريع في ظل حكومة تصريف الأعمال، ذلك ان المجلس الدستوري ذاته في قراره أعلاه، وتحت السبب المذكور، اورد ثلاثة انواع من التحفظات:
ذكر المجلس صراحة أنه لا يعبّر، في ما يذهب اليه تحت سبب الابطال هذا، عن موقفه من إشكالية قيام السلطة المشترعة بالعمل التشريعي في ظل حكومة تصريف الاعمال في الدورة الاستثنائية الحكمية المنصوص عنها في البند «3» من المادة 69 من الدستور، أو في دورة استثنائية جرى افتتاحها وفقاً للمادة 33 من الدستور.
اشار المجلس صراحة، تحت السبب أعلاه، إلى اعتباره جدلاً ان المعنى الضيق لتصريف الأعمال لا يحجب حق رئيس حكومة تصريف الأعمال من توقيع القانون تأميناً لسير العمل الاشتراعي وعدم تعطيله، وذلك عملاً بمبدأ عدم جواز حدوث فراغ دستوري في سلطة دستورية مستقلة كالسلطة المشترعة.
خلص المجلس صراحة، تحت السبب أعلاه، إلى أن ما يحفّز موقفه من إبطال القانون المطعون فيه «ان مهلة الطعن... قد تنقضي قبل أن ينتقل حق الطعن الى الخلف» (والمقصود رئيس حكومة حازت على ثقة مجلس النواب)، مما يفيد أن المجلس الدستوري التفت الى حالة سقوط الحقوق العامة او الخاصة كما سيأتي بيانه، والتي قد تبرر اتخاذ حالة حكومة تصريف الأعمال او رئيسها او اي من أعضائها التدابير الآيلة إلى تفادي تقادم هذه الحقوق (ومنها حق الطعن؟).
ثالثاً: أما في ظل دستور ما قبل الطائف، فيمكن الركون الى القرار رقم 341 الصادر عن مجلس شورى الدولة في 19/1/1979 (عجاج جرجس ياغي/الدولة ـ وزارة الداخلية) الذي يحدد إطار «الأعمال العادية» بتفريقه بين «الأعمال الإدارية» (Actes de gestion) و«الاعمال التصرفية» (Actes de disposition) التي تنقسم بدورها الى «أعمال تصرفية عادية» و«أعمال تصرفية استثنائية».
ونجد قراراً لمجلس شورى الدولة يعود بعيداً في الزمن الى 17 تشرين الثاني 1969 (راشد/الدولة)، يضع مفهوم تصريف الأعمال في إطار سد الفراغ ومنع حصوله، ويجمع بين الضرورة والعجلة، من حيث ان الاولى تبرر التدابير التي تفرضها ظروف استثنائية تتعلق بالنظام العام وامن الدولة الداخلي والخارجي، في حين ان الثانية تبرر التدابير في الحالات التي فيها مهل قانونية ينجم عن مرورها إسقاط أو إبطال لحقوق عامة او خاصة مكرسة في القانون.
ومن السوابق التي يمكن التوقف عندها في مرحلة ما قبل الطائف، نشير الى التدابير التالية التي اتخذتها حكومات مستقيلة:
في عام 1969، انعقد مجلس الوزراء واقر مشروع الموازنة وأحاله على مجلس النواب، في حين كانت الحكومة شبه مستقيلة بنتيجة اعلان رئيس الحكومة أمام مجلس النواب نيته التخلي عن مسؤولياته اثر اصطدام بين القوى المسلحة ومظاهرات شعبية.
في العام 1975، اضطرت الحكومة المستقيلة الى عقد جلسة اقرت خلالها التدابير اللازمة لمواجهة الاحداث الدامية التي كانت تمر بها البلاد.
في العام 1979، عقدت الحكومة المستقيلة جلسة اتخذت فيها مجموعة من القرارات، قد يكون ابرزها رفع سن تعاقد القضاة من 64 الى 68 سنة حرصا على استمرارية عمل السلطة القضائية التي كانت تواجه فراغا خطيرا بسبب احالة عدد كبير من القضاة على التقاعد لبلوغهم السن القانونية.
الا ان كل ذلك كان قبل دستور الطائف، وإن كان يحمل عبراً ومدلولات قد تصلح في مقاربة مفهوم «تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق».
رابعاً: في ضوء كل ما سبق، أرى ان عبارة «تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق» انما تعني وتحتمل ما يلي من تفسير في دائرة الولاية الحكومية الراهنة:
يحق للوزراء إفرادياً، بل يجب عليهم، تسيير الاعمال اليومية والعادية في الادارات التابعة لهم، لا سيما ان المادة 66 من الدستور قد أناطت بهم أساسا ادارة مصالح الدولة وتطبيق القوانين والانظمة، فتمارس هذه الصلاحية في ضوء مفهوم «تصريف الاعمال بالمعنى الضيّق» باقتصارها على الاعمال العادية والمعتادة بطبيعتها تسييراً للمرفق العام.
اما فيما يختص بمجلس الوزراء، فلا يحق له ان ينعقد الا عند توافر حالات الضرورة والعجلة التي تفرضها ظروف استثنائية تتعلق بالنظام العام ومصالح الشعب الحيوية وأمن الدولة الخارجي او الداخلي، حيث يستعيد عندئذ، وعندئذ فقط، السلطة الاجرائـية التي أنـاطها به الدستور، فيتم له عند انعقاده اتخاذ القرارات المناسبة بشأن الظروف الاستثنائية اعلاه دون اي تجاوز لمقتضيات معالجتها، فتأتي هذه الاستعادة للولاية الدستورية كاملة في دائرة التصدي للظروف الاستثنائية ليس إلا.
يحق لرئيس مجلس الوزراء او الوزراء افراديا، كما لمجلس الوزراء مجتمعاً حين يكون معنيا بالامر، المبادرة الى اتخاذ الاجراءات اللازمة اذا كانت ثمة اعمال ادارية يجب القيام بها اعتياديا في مواعيد او مهل محددة في القوانين او الاعراف تحت طائلة تجاوز عمل سلطات دستورية أخرى وتقاليدها.
ان قيام الوزراء او مجلس الوزراء بممارسة ما سبق من صلاحيات استثنائية يحدّه حدّان:
يصبح مجلس النواب عاجزاً عن الرقابة او المساءلة بنتيجة اتخاذ الوزراء افراديا او مجلس الوزراء مجتمعا اياً من هذه الإجراءات الاستثنائية، ذلك ان حجب الثقة عن اي من الوزراء او عن مجلس الوزراء، وهو التدبير الأقصى في معرض الرقابة او المساءلة البرلمانية، لا يفيد، طالما ان الوزراء جميعهم ومجلس الوزراء هم بمثابة المستقيلين. الا انه تبقى لمجلس النواب سلطة توجيه الاتهام الى رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكاب الخيانة العظمى او بالإخلال بالواجبات المترتبة عليهم على ما ورد في المادة 70 من الدستور، ذلك أن التصريف لا يُعفي من مثل هذا الاتهام ولا يحول دونه، بل العكس اصحّ في ظل موجب تقيّد رئيس مجلس الوزراء والوزراء بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال في ظل حكومة مستقيلة او معتبرة مستقيلة او غير حائزة على الثقة بعد.
تبقى الاجراءات الاستثنائية أعلاه خاضعة لرقابة القضاء الاداري عند مراجعته، سيما لجهة توافر عناصر العجلة والضرورة ومرور الزمن المسقط قانوناً والتي تستلزم اتخاذ مثل هذه الإجراءات الاستثنائية.
5- ان المرجع الصالح لاعتبار ان ثمة دواعي لانعقاد مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات المناسبة بالمواضيع التي تتوافر فيها العناصر أعلاه، هو رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء عملاً بالنصوص الدستورية المرعية. أما سلطة التقدير فتعود حكماً لرئيس الدولة، على الأقل من حيث المبادرة الى التعبير عن اقتناعه بهذا الشأن، وهو الذي أناط به الدستور صلاحية دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد استثنائياً إذا رأى ذلك ضرورياً بالاتفاق مع رئيس حكومة تصريف الاعمال، ذلك ان ايراد الاستثناء والضرورة معاً في نص المادة 53 الفقرة «12» من الدستور لم يأت من باب الترف او العبث.
"السفير"- سليم جريصاتي (محام بالاستئناف، أستاذ محاضر في كلية الحقوق وعضو المجلس الدستوري سابقاً)
هل مشاركة وزير العدل في افتتاح السنة القضائية الذي دعا اليه رئيس مجلس القضاء الاعلى برعاية رئيس الجمهورية وحضوره كما وحضور رئيس مجلس النواب ورئيس حكومة تصريف الاعمال والوزراء والنواب والقضاة والمحامين والسفراء.. أمر يخرج عن تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق؟
هل دعوة وزراء عدل عرب للمشاركة في هذه المناسبة، في حال تواجدوا في لبنان بمعرض دعوة موجّهة إليهم أصلاً من برنامج دولي، أمر يخرج عن تصريف الاعمال بالمعنى الضيّق؟
هل السؤال عن مواطنة لبنانية اغتيلت في نيويورك وتتبع المجريات القضائية في ولاية الاغتيال امر يخرج عن تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق؟
ان الاجابة عن الاسئلة جميعها اعلاه هي حتماً بالنفي، على ما سيبينه الشرح العلمي ادناه:
اولا: ان عبارة «المعنى الضيق لتصريف الاعمال» وردت في نص لاول مرة في لبنان في المادة 64 من دستور ما بعد الطائف، حيث نصت الفقرة «2» منها على ان الحكومة لا تمارس صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها او اعتبارها مستقيلة «الا بالمعنى الضيّق لتصريف الاعمال».
ثانيا: لا يوجد اي رأي استشاري رسمي او قرار اجتهادي اداري يحدد بصورة قاطعة مفهوم «تصريف الاعمال بالمعنى الضيّق» الذي قصده المشرّع الدستوري عام 1990، بل يتوافر مرتكزان، احدهما رأي استشاري وآخر قرار اجتهادي دستوري، يمكن الركون اليهما في معرض استشراف الاجابة المنشودة:
اما الرأي الاستشاري، فهو الذي صدر عن «هيئة التشريع والاستشارات» في ظل الحكومة المعتبرة مستقيلة برئاسة نجيب ميقاتي (بفعل بدء ولاية مجلس النواب) عن «مدى جواز انعقاد مجلس النواب في عقد استثنائي في ظل حكومة مستقيلة يكون موضوعه الاشتراع ومصير مرسوم فتح الدورة الاستثنائية المحصور موضوعه بانتخاب اللجان النيابية»، حيث ورد، بمضمون معبر وإن بشكل عارض، «ان المبدأ المتعارف عليه الذي يحكم تصريف الاعمال من قبل الحكومة المستقيلة، هو ذاك الذي يجد مصدره في القرار المبدئي الشهير الصادر عن مجلس شورى الدولة الفرنسي بتاريخ 4/4/1952Syndicat régional des quotidiens d'Algérie والمنشور في مجموعةLes Grands Arrêts de la Jurisprudence Administrative, Dalloz 12ème éd. p. 477.
والذي بمقتضاه لا مفر من وجود سلطة مناط بها تأمين استمرارية الحياة الوطنية وديمومتها بين تاريخ استقالة الحكومة وتاريخ تأليف الحكومة الجديدة، فتمسي الولاية الاستثنائية للحكومة المستقيلة او المعتبرة كذلك، مسندة فقط إلى مرتكز تأمين مقتضيات الدولة الضرورية:
«Il est indispensable qu'il y ait une autorité chargée d'assurer la continuité de la vie nationale entre la démission du gouvernement et l'investiture de son successeur : les affaires courantes apparaissent ainsi, dit M. Delvolvé, « comme la zone limite de la compétence exceptionnelle d'un gouvernement dont le pouvoir ne repose plus sur aucun autre fondement que sur les nécessités de l'État ».
اما القرار الاجتهادي الدستوري، فهو القرار الصادر عن المجلس الدستوري تحت الرقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005 والذي قضى المجلس بموجبه بإبطال القانون الرقم 679/2005 المتعلق بتأجيل النظر بالمراجعــات امام المجلس الدستوري، إبطالاً كلياً لمخالفته أحكام الدستور والمبادئ الدستورية المكرسة فيه او المعتمدة من ضمن الكتلة الدستورية. وقد ورد في هذا القرار سبب ابطال مرده مخالفة القانون المذكور، والمطعون فيه من نواب عشرة، المادة 19 من الدستور لجهة حق رئيس مجلس الوزراء بمراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين. وجاء في قرار المجلس، تحت هذا السبب، ان «حق رئيس مجلس الوزراء المستقيل بالطعن بالقانون الذي يشارك بتوقيعه رئيس الدولة في مرسوم اصداره لا يدخل في المفهوم الضيق لتصريف الاعمال، لانـه عمل انشائي بامتياز وغير إجرائي، طالما من شأنه ان يؤدي الى ابطال هذا النص التشريعي وإحداث وضع قانوني مغاير بنتيجة هذا الإبطال». وانتهى المجلس تحت هذا السبب الى ان استبعاد رئيس مجلس الوزراء المستقيل، بالشكل الموصوف أعلاه، من دائرة المراجع التي يحق لها ان تمكّن المجلس الدستوري من ان يقبض على اختصاصه بمراقبة دستورية قانون مذيل بتوقيع رئيس مجلس الوزراء المستقيل، من شأنه ان يبطل هذا القانون لمخالفته المادة 19 من الدستور، سيما «ان مهلة الطعن بالقانون المذكور قد تنقضي قبل ان ينتقل حق الطعن الى الخلف».
يتبين مما سبق أن ثمة مقاربة أجراها المجلس الدستوري في قراره اعلاه للمعنى الضيق لتصريف الاعمال، قد يفهم منها عدم جواز التشريع في ظل حكومة مستقيلة او معتبرة مستقيلة او غير حائزة على ثقة مجلس النواب بعد، ذلك ان اي قانون يقره مجلس النواب في ظل حكومة تصريف اعمال معرّض للإبطال في حال أتيح للمجلس الدستوري ان يراقب دستوريته، بحجّة أنه غير دستوري لمخالفته نص المادة 19 من الدستور لجهة حجب حق رئيس حكومة تصريف الأعمال بمراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين. إلا أن هذه الخلاصة لا تقع موقع الحسم في موضوع عدم جواز التشريع في ظل حكومة تصريف الأعمال، ذلك ان المجلس الدستوري ذاته في قراره أعلاه، وتحت السبب المذكور، اورد ثلاثة انواع من التحفظات:
ذكر المجلس صراحة أنه لا يعبّر، في ما يذهب اليه تحت سبب الابطال هذا، عن موقفه من إشكالية قيام السلطة المشترعة بالعمل التشريعي في ظل حكومة تصريف الاعمال في الدورة الاستثنائية الحكمية المنصوص عنها في البند «3» من المادة 69 من الدستور، أو في دورة استثنائية جرى افتتاحها وفقاً للمادة 33 من الدستور.
اشار المجلس صراحة، تحت السبب أعلاه، إلى اعتباره جدلاً ان المعنى الضيق لتصريف الأعمال لا يحجب حق رئيس حكومة تصريف الأعمال من توقيع القانون تأميناً لسير العمل الاشتراعي وعدم تعطيله، وذلك عملاً بمبدأ عدم جواز حدوث فراغ دستوري في سلطة دستورية مستقلة كالسلطة المشترعة.
خلص المجلس صراحة، تحت السبب أعلاه، إلى أن ما يحفّز موقفه من إبطال القانون المطعون فيه «ان مهلة الطعن... قد تنقضي قبل أن ينتقل حق الطعن الى الخلف» (والمقصود رئيس حكومة حازت على ثقة مجلس النواب)، مما يفيد أن المجلس الدستوري التفت الى حالة سقوط الحقوق العامة او الخاصة كما سيأتي بيانه، والتي قد تبرر اتخاذ حالة حكومة تصريف الأعمال او رئيسها او اي من أعضائها التدابير الآيلة إلى تفادي تقادم هذه الحقوق (ومنها حق الطعن؟).
ثالثاً: أما في ظل دستور ما قبل الطائف، فيمكن الركون الى القرار رقم 341 الصادر عن مجلس شورى الدولة في 19/1/1979 (عجاج جرجس ياغي/الدولة ـ وزارة الداخلية) الذي يحدد إطار «الأعمال العادية» بتفريقه بين «الأعمال الإدارية» (Actes de gestion) و«الاعمال التصرفية» (Actes de disposition) التي تنقسم بدورها الى «أعمال تصرفية عادية» و«أعمال تصرفية استثنائية».
ونجد قراراً لمجلس شورى الدولة يعود بعيداً في الزمن الى 17 تشرين الثاني 1969 (راشد/الدولة)، يضع مفهوم تصريف الأعمال في إطار سد الفراغ ومنع حصوله، ويجمع بين الضرورة والعجلة، من حيث ان الاولى تبرر التدابير التي تفرضها ظروف استثنائية تتعلق بالنظام العام وامن الدولة الداخلي والخارجي، في حين ان الثانية تبرر التدابير في الحالات التي فيها مهل قانونية ينجم عن مرورها إسقاط أو إبطال لحقوق عامة او خاصة مكرسة في القانون.
ومن السوابق التي يمكن التوقف عندها في مرحلة ما قبل الطائف، نشير الى التدابير التالية التي اتخذتها حكومات مستقيلة:
في عام 1969، انعقد مجلس الوزراء واقر مشروع الموازنة وأحاله على مجلس النواب، في حين كانت الحكومة شبه مستقيلة بنتيجة اعلان رئيس الحكومة أمام مجلس النواب نيته التخلي عن مسؤولياته اثر اصطدام بين القوى المسلحة ومظاهرات شعبية.
في العام 1975، اضطرت الحكومة المستقيلة الى عقد جلسة اقرت خلالها التدابير اللازمة لمواجهة الاحداث الدامية التي كانت تمر بها البلاد.
في العام 1979، عقدت الحكومة المستقيلة جلسة اتخذت فيها مجموعة من القرارات، قد يكون ابرزها رفع سن تعاقد القضاة من 64 الى 68 سنة حرصا على استمرارية عمل السلطة القضائية التي كانت تواجه فراغا خطيرا بسبب احالة عدد كبير من القضاة على التقاعد لبلوغهم السن القانونية.
الا ان كل ذلك كان قبل دستور الطائف، وإن كان يحمل عبراً ومدلولات قد تصلح في مقاربة مفهوم «تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق».
رابعاً: في ضوء كل ما سبق، أرى ان عبارة «تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق» انما تعني وتحتمل ما يلي من تفسير في دائرة الولاية الحكومية الراهنة:
يحق للوزراء إفرادياً، بل يجب عليهم، تسيير الاعمال اليومية والعادية في الادارات التابعة لهم، لا سيما ان المادة 66 من الدستور قد أناطت بهم أساسا ادارة مصالح الدولة وتطبيق القوانين والانظمة، فتمارس هذه الصلاحية في ضوء مفهوم «تصريف الاعمال بالمعنى الضيّق» باقتصارها على الاعمال العادية والمعتادة بطبيعتها تسييراً للمرفق العام.
اما فيما يختص بمجلس الوزراء، فلا يحق له ان ينعقد الا عند توافر حالات الضرورة والعجلة التي تفرضها ظروف استثنائية تتعلق بالنظام العام ومصالح الشعب الحيوية وأمن الدولة الخارجي او الداخلي، حيث يستعيد عندئذ، وعندئذ فقط، السلطة الاجرائـية التي أنـاطها به الدستور، فيتم له عند انعقاده اتخاذ القرارات المناسبة بشأن الظروف الاستثنائية اعلاه دون اي تجاوز لمقتضيات معالجتها، فتأتي هذه الاستعادة للولاية الدستورية كاملة في دائرة التصدي للظروف الاستثنائية ليس إلا.
يحق لرئيس مجلس الوزراء او الوزراء افراديا، كما لمجلس الوزراء مجتمعاً حين يكون معنيا بالامر، المبادرة الى اتخاذ الاجراءات اللازمة اذا كانت ثمة اعمال ادارية يجب القيام بها اعتياديا في مواعيد او مهل محددة في القوانين او الاعراف تحت طائلة تجاوز عمل سلطات دستورية أخرى وتقاليدها.
ان قيام الوزراء او مجلس الوزراء بممارسة ما سبق من صلاحيات استثنائية يحدّه حدّان:
يصبح مجلس النواب عاجزاً عن الرقابة او المساءلة بنتيجة اتخاذ الوزراء افراديا او مجلس الوزراء مجتمعا اياً من هذه الإجراءات الاستثنائية، ذلك ان حجب الثقة عن اي من الوزراء او عن مجلس الوزراء، وهو التدبير الأقصى في معرض الرقابة او المساءلة البرلمانية، لا يفيد، طالما ان الوزراء جميعهم ومجلس الوزراء هم بمثابة المستقيلين. الا انه تبقى لمجلس النواب سلطة توجيه الاتهام الى رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكاب الخيانة العظمى او بالإخلال بالواجبات المترتبة عليهم على ما ورد في المادة 70 من الدستور، ذلك أن التصريف لا يُعفي من مثل هذا الاتهام ولا يحول دونه، بل العكس اصحّ في ظل موجب تقيّد رئيس مجلس الوزراء والوزراء بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال في ظل حكومة مستقيلة او معتبرة مستقيلة او غير حائزة على الثقة بعد.
تبقى الاجراءات الاستثنائية أعلاه خاضعة لرقابة القضاء الاداري عند مراجعته، سيما لجهة توافر عناصر العجلة والضرورة ومرور الزمن المسقط قانوناً والتي تستلزم اتخاذ مثل هذه الإجراءات الاستثنائية.
5- ان المرجع الصالح لاعتبار ان ثمة دواعي لانعقاد مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات المناسبة بالمواضيع التي تتوافر فيها العناصر أعلاه، هو رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء عملاً بالنصوص الدستورية المرعية. أما سلطة التقدير فتعود حكماً لرئيس الدولة، على الأقل من حيث المبادرة الى التعبير عن اقتناعه بهذا الشأن، وهو الذي أناط به الدستور صلاحية دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد استثنائياً إذا رأى ذلك ضرورياً بالاتفاق مع رئيس حكومة تصريف الاعمال، ذلك ان ايراد الاستثناء والضرورة معاً في نص المادة 53 الفقرة «12» من الدستور لم يأت من باب الترف او العبث.
"السفير"- سليم جريصاتي (محام بالاستئناف، أستاذ محاضر في كلية الحقوق وعضو المجلس الدستوري سابقاً)
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018