ارشيف من :أخبار لبنانية

رحلة البحث عن القطبة المخفية في تشكيل الحكومة بعد مئة وعشرين يوما على التكليف للتأليف

رحلة البحث عن القطبة المخفية في تشكيل الحكومة بعد مئة وعشرين يوما على التكليف للتأليف
العقدة أميركية بامتياز .. ولقاءات عون الحريري امس لم تتمخض عن أي تقدم ملموس .. والرئيس بري يدور الزوايا ويحضّر للافطار وفك صيامه بعد اسبوع


"الانتقاد.نت" - علي عوباني 

يبدو ان ثمة قطبة مخفية تعيق تشكيل الحكومة التي مضى على مساعي تأليفها ما يفوق المئة وعشرون يوما ولم تبصر النور بعد، فواقع حال عملية التأليف لا يزال حتى الساعة يدور في دوامة التفاؤل، وإشاعة الأجواء الايجابية التي لم تعد عملة مجدية يعتد بها امام الظروف الاقتصادية والمعيشية التي يعانيها الناس، كما ان حال البلاد لم يعد يحتمل اطالة عملية التأليف، التي ستذهب ما تبقى من ماء وجه السياسيين في لبنان، ان استمرت الحال على ما هي عليه، فالناس شبعت من كثير الكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولم يعد ينطلي عليها الحديث عن قرب ولادة الحكومة، ولا لغة التفاؤل الدارجة هذه الايام التي اقل ما يقال فيها انها  "ضحك على الذقون".

غير ان الغريب في واقع الامر، ان الجميع في لبنان وخارجه ينادي بضرورة تسهيل وتسريع ولادة الحكومة، لكن لا احد يحرك ساكنا لاتمام هذه الولادة، حتى ولو كانت تحتاج الى عملية قيصيرية لاخراجها من رحم السجال السياسي الدائر، والاكثر والاشد غرابة هو ان لا احد يستطيع اعطاء تشخيص  دقيق لما يجري، واين تكمن العقد الفعلية التي تقف سدا منيعا امام عملية التشكيل؟!.

فإذا ما راجعنا المواقف الداخلية والخارجية بشأن الحكومة، نجد ان التقارب السوري السعودي وعلى الرغم من اعطائه الدفع اللازم لعملية تشكيل الحكومة، ومدها بالدعم العربي استنادا الى ما ينادي به البعض من معادلة "ٍس" "س"، ودعوته الى الاسراع بتسهيل تشكيل حكومة وحدة وطنية، الا انه لم يك كافيا وكفيلا بتأمين ولادة طبيعية لهذه الحكومة.

هذا الموقف العربي، لم يك يتيما فهو تلاقى مع موقف اخر لم يك بعيدا عنه، وهو الموقف الفرنسي، المعني الاساس بالملف اللبناني، والذي عبر عنه بشكل واضح وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير خلال زيارته للبنان مؤخرا، حيث كان لافتا للانتباه تبنيه صيغة 15-10-5 التي توافق عليها اللبنانيون في عملية تاليف حكومة وحدة وطنية.

كل هذه المواقف والظروف المحيطة بعملية تشكيل الحكومة، لم توصل الى النتيجة المرجوة، ولم تك كافية وحدها لدفع عجلة التشكيل الى الامام، كونها لم تقترن بموافقة اميركية صريحة وعلنية على اخراج الحكومة من مخاضها العسير، فشتان ما بين الموقف العربي والفرنسي ، والموقف الاميركي الذي يصر على الاسراع بتشكيل الحكومة، ولكن وفق نتائج الانتخابات النيابية، وبمعنى اخر تشكيل حكومة أكثرية من لون واحد، ولعل الرئيس الاميركي باراك اوباما كان الاكثر صراحة في التعبير عن الموقف الاميركي من تشكيل الحكومة، حينما ربط في تصريح له امس تشكيل الحكومة بالتعاون من اجل تحقيق الاستقرار في المنطقة.

وهنا يكمن بيت القصيد فما معنى تحقيق الاستقرار في المنطقة في منظور الرئيس الاميركي وادارته؟!، وهل ان ذلك يعني عملية السلام بالتحديد؟!، وما الدور المطلوب من لبنان في هذه العملية؟!، وكيف يمكن ان يتحقق الاستقرار بالتعاون بين الحكومة اللبنانية التي سيجري تشكيلها والادارة الاميركية؟! ، هل من خلال التوطين والغاء حق العودة؟!، ام من خلال حكومة اكثرية موالية للسياسة الاميركية، ما يفسر الاصرار الاميركي على ربط تشكيل الحكومة بنتائج الانتخابات الاخيرة؟!.

هذا ولم تنحصر اشارات التعطيل في الجهة الاميركية فقط بل تعدتها الى اشارات ظهرت على لسان اكثر من طرف في قوى 14 اذار، ولعل اشارة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي يتابع فك تحالفه مع هذه القوى، الى وجود اربع جهات داخلية وخارجية تسعى لعرقلة تشكيل الحكومة تحمل في طياتها الكثير من الدلالات، وتضع النقاط على الحروف، خصوصا وانها لا تحتاج الى كثيرعناء لتحديد طبيعة تلك الجهات التي باتت مكشوفة والتي تعلو اصواتها كلما شعرت بان الامور اقتربت من خط النهاية، فتلجا الى تعكير صفو الاجواء السياسية خشية ان يأتي التأليف على حسابها.

من جهة اخرى، وعلى الرغم من تقلب درجة حرارة الاتصالات بين الرابية وبيت الوسط وفقا لباروميتر تشكيل الحكومة، الا ان "حبل السرة" بين رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب العماد ميشال عون والرئيس المكلف النائب سعد الحريري لم ينقطع بشكل نهائي في اي لحظة، فالاتصالات كانت ولا زالت مستمرة، وكان اخرها اللقاء الخامس الذي عقد امس بين الطرفين في الرابية، بعدما وضع عون الكرة في ملعب الحريري عقب اجتماع تكتل التغيير والاصلاح الاخير، واثبت مجددا انه يمسك بزمام المبادرة فيما يتعلق بحقوق المسيحيين في الحكومة، ولا يرضخ للمنطق الاستفزازي الذي يمارسه رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، والذي تسبب بتوريط حليفه النائب سعد الحريري بمواقف محرجة اضطرته الى المسارعة لطلب لقاء مع العماد عون لتوضيح الالتباسات التي حصلت بعد زيارته الاخيرة لمعراب ، فضلا عن التعميم على نواب وقياديي تيار المستقبل بعدم الرد على مواقف العماد عون او انتقادها، سعيا منه لعدم توتير الاجواء على خط قريطم الرابية.

اللقاء الخامس بين عون والحريري

وفي التفاصيل فقد جرى غروب امس عقد لقائين بين العماد عون والرئيس المكلف في الرابية، تم خلالهما التداول في الصيغ الحكومية، غادر بعدها الحريري اللقاء الاول مكتفياً بالقول أن الأجواء إيجابية .

ومن منزل العماد عون توجه الحريري إلى منزل نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري ليعود بعد ربع ساعة ويلتقي رئيس تكتل التغيير والاصلاح، حيث نوقشت أكثر من صيغة حكومية.

وفي المعلومات المتوافرة حول اللقاء أن الأمور بحاجة إلى مزيد من المشاورات، خصوصا بعدما عرض الحريري على جنرال الرابية وزارتي العدل والتربية بديلا عن وزارة الاتصالات، فوافق عون على هذا الطرح غير انه سرعان ما عاد الحريري عن طرحه بعدما تواصل مع حلفائه المسيحيين في قوى 14 اذار من منزل مكاري وعاد ليبلغ عون في اللقاء الثاني بينهما امس تخليه عن هذا الطرح .

من جهته، لفت العماد عون في حديث تلفزيوني عقب اللقاء إلى أن أي اتفاق مع الحريري لم يحسم بعد لا بشأن وزارة الإتصالات ولا بشأن أي حقائب أخرى، وإذ رأى ان التسريبات التي يعتمدها البعض لا تفيد أصحابها ولا تفيد الساعين للوصول إلى حلول ، أكد أن لكل حل ثمن .

وفي هذا السياق، وان لم يتمخض اللقاء الخامس بين عون والحريري عن أي تقدم ملموس، فان حالة المراوحة ستبقى سيدة الموقف هذه الايام، بعدما بدا ان احدى المسلمات التي باتت اساسية في معايير تشكيل الحكومة هي اما اعتماد مداورة شاملة في الوزارات والحقائب او لا مداورة، في وقت يتمسك فيه العماد عون بوزارة الاتصالات مظهرا انها ليست لقمة سائغة يسهل هضمها دون بديل دسم يوازيها كوزارة المالية او العدل مثلا ، وهو ما عبر عنه بوضوح العماد عون في حديث تلفزيوني منذ يومين، حينما اصر على ربط ترك هذه الوزارة بتوضيح الاسباب الوجيهة لتركها، وهذا ما يمكن تفسيره بان العماد عون لن يتزحزح قيد انملة فيما يتعلق بحقوقه في الحكومة خصوصا وانه رئيس ثاني اكبر تكتل نيابي في لبنان .

الرئيس بري يحضّر للافطار وفك صيامه 

الى ذلك، فان رئيس المجلس النيابي نبيه بري وعلى رغم صيامه المتواصل بشأن تشكيل الحكومة الا انه يسعى لتدوير الزوايا بالتعاون مع رئيس الجمهورية، وابتداع الافكار للخروج من مرحلة المراوحة السائدة على الساحة وحلحلة عقد تاليف الحكومة، وقد اشارت اوساطه الى انه يملك مروحة واسعة من الخيارات ملمحة الى امكان قبوله بمقايضة وزارة الخارجية بوزارة المالية، كمخرج جديد للخروج من الازمة الحكومية.

واضافت مصادر عين التينة في حديثها لـ "الانتقاد.نت" ان رئيس مجلس النواب نبيه بري ابلغ وزير الخارجية الفرنسي خلال لقائه به اول امس ان مسألة الحكومة ستحل قريبا، لافتة الى ان الرئيس بري الصائم عن الكلام في موضوع الحكومة يتحدث بلغة ايمائية أبلغ من الكلام، وربما تعيد خلط الاوراق مجددا .

وكان الرئيس بري قد حذر امس من انه يحضّر للافطار وفك الصيام بعد أسبوع  مؤكدا  انه سيكون هناك كلام آخر وحراك آخر، وقائلا :" يجب أن ننتهي والبلد لم يعد يحتمل"، وهو ما لاقاه فيه رئيس الجمهورية ميشال سليمان في منتصف الطريق حينما حض امس جميع الاطراف على تكثيف المشاورات والاتصالات وتبادل التضحيات، مشددا على  ضرورة ان تكون هناك حكومة في اقرب وقت  لملاقاة التطورات المقبلة على المنطقة.

2009-10-25