ارشيف من :أخبار لبنانية
رسائل ودلائل على تدهور العلاقات الأردنية الإسرائيلية
بعد أن كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن توتر العلاقات المصرية الإسرائيلية، جاء دور الحديث عن التوتر في العلاقات الأردنية الإسرائيلية.
وإذا كانت ملامح التوتر في العلاقات المصرية الإسرائيلية قد ظهرت في التقارير التي رافقت ترشيح وزير الثقافة المصري فاروق حسني لرئاسة اليونسكو، فإن ملامح التوتر مع الأردن ظلت خفية. وقد كشف الملك الأردني عبد الله الثاني، في مقابلة مع صحيفة «هآرتس»، جانبا من عوامل التوتر السياسي مع إسرائيل بسبب جمود عملية التسوية.
غير أن صحيفة «معاريف» عنونت أمس صفحتها الأولى بأنباء الأزمة الحادة مع الأردن في الذكرى الخامسة عشرة لمعاهدة وادي عربة. وكانت صحيفة «يديعوت أحرنوت» قد نشرت تقريرا موسعا لمراسلتها للشؤون العربية حول الشكوك التي وسمت العلاقة بين القصر الهاشمي في عهدي الأب والابن ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في ولايتيه الأولى والثانية.
وكان الملك عبد الله قد أبلغ عكيفا ألدار أنه لا يمكن للأردن أن لا يتأثر بما يجري بين إسرائيل والفلسطينيين. وأشار إلى أن إسرائيل لا تفكر في المستقبل لأنها أصلا مشغولة بالأمن في حين أن لا شيء يحقق الأمن أكثر من السلام. وشدد على اعتقاده بأن الشجاعة المطلوبة لتحقيق السلام ليست متوفرة في حكومة إسرائيل اليمينية الحالية. وأكد الملك أن نافذة الفرص التي تتيحها مساعي الرئيس الأميركي باراك أوباما لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. وقد اعتبر عدد من المعلقين الإسرائيليين في حينه كلام الملك عبد الله بأنه نبوءة غضب وخشية من الآتي في ظل الجمود في عملية السلام.
ولكن جاكي حوجي تحدث، في تقرير موسع لـ«معاريف» من عمان عن الذكرى الخامسة عشرة لتوقيع معاهدة وادي عربة، عن «أزمة حادة في العلاقات بين إسرائيل والأردن: عشية الذكرى الـ 15 لاتفاق السلام مع المملكة الهاشمية يصف الطرفان العلاقات بتعابير الجمود، التشاؤم وخيبة الأمل الكبرى. في الشارع الأردني التأييد لإسرائيل يقترب من الصفر، والاتصالات بين العاصمتين تعاني من التردي في حجم النشاط، باستثناء تلك التي في الشؤون الأمنية والاستخبارية».
ونقل حوجي عن شخصية أردنية كان في حينه عضوا في وفد محادثات السلام قوله، عن الفارق بين زمن معاهدة وادي عربة والآن، «تحدثنا في حينه بكلمات مثل «صفحة جديدة أو فتح باب لسلام شامل، إذ اعتقدنا أن هذا الاتفاق هو محطة في الطريق لحل النزاع الإسرائيلي ـ العربي، بعد 15 سنة من ذلك، بات كل شيء عالقا. القناة الفلسطــينية، القناة السورية، مبادرة السلام العربية. العـالم العربي يعــرض عليـكم الســلام وانتم لا تريدون».
وأشار حوجي إلى أن العلاقات بين إسرائيل والأردن تتركز هذه الأيام في مجالات ضرورية ليس أكثر. قرابة 200 ألف إسرائيلي يزورون عمان كل سنة، معظمهم من عرب إسرائيل، نحو 200 عامل أردني يعملون كل يوم في إسرائيل ويعودون إلى بلادهم عند المساء، ومصانع النسيج المشتركة بين الأردنيين والإسرائيليين تعمل في الأردن وتصدر منتوجاتها إلى السوق الأميركية في إطار «اتفاق التجارة الحرة». إضافة إلى ذلك يتشارك الجيشان في إنقاذ متنزهين إسرائيليين علقوا في مواقع التنزه في الأردن. محافل استخبارية وأمنية من الطرفين تقيم علاقات وثيقة في الحرب ضد تهديدات الجهاد. كما أن إسرائيل تزود الأردنيين بـ 50 مليون متر مكعب من المياه كل سنة كجزء من الاتفاق.
وينقل حوجي عن مسؤول أردني قوله أن الأزمة الحالية هي نتيجة تسلسل الأمور الذي بدأ قبل نحو سنة خصوصا مع بدء حملة «الرصاص المسكوب». وقال أردني آخر «عليكم أن تفهموا بأنه عندما يموت شخص في نابلس تقام خيمة العزاء في عمان. عندما يصاب احد هناك، هنا يصرخون من الألم، الملك قال إن نافذة الفرص لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. نحن نعتقد بان الكرة في يد إسرائيل، وليست حتى لدى اوباما. نتنياهو يمكنه أن يؤدي إلى اختراق، ولكننا نشكك في نوايا حكومته ونخاف أن تنتهي بانفجار».
ويشير حوجي إلى أن ذروة الأزمة بدأت مع تصاعد أزمة الحرم القدسي حيث أن القصر الهاشمي يرى نفسه «حامي الأماكن المقدسة في القدس». وسبق للملك الأردني أن أعلن أن «القدس خط احمر»، وان إسرائيل من شأنها أن تدفع نحو انتفاضة ثالثة.
أما سمدار بري فكتبت في «يديعوت» تحت عنوان «الملك لا يطيقه» تقريرا شاملا عن علاقات الملكين الأردنيين الحسين وابنه عبد الله السيئة مع نتنياهو. ونشرت نص رسالة شديدة اللهجة بعث بها الملك حسين لنتنياهو في آذار العام 1997 أعرب فيها عن قلقه العميق من «تراكم الأعمال المأساوية التي بادرت إليها كرئيس لوزراء إسرائيل. صنع السلام - الهدف الأكثر أهمية في حياتي - يبدو بصورة متزايدة كأضغاث أحلام مراوغة وآخذة في الابتعاد. أنا لا استطيع البقاء في صورة اللامبالي عندما تنزلق حياة الإسرائيليين والعرب بسرعة نحو هاوية الكوارث وإراقة الدماء النابعة من الخوف واليأس».
وأضاف الحسين في رسالته «أنا لا استطيع قبول الذرائع المتكررة التي تسوقها، وخلاصتها انك مجبر على التصرف كما تفعل بسبب الضغوط والضرورات. وأنا ارفض التصديق بأن مواطني إسرائيل يطلبون إراقة الدماء والكوارث ويعارضون السلام. ولا اصدق أيضا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يتمتع بالقوة الدستورية الأكبر يتصرف بصورة مناقضة لعقيدته التامة».
وتخلص بيري للقول إن «من يقرأ الرواية الأردنية للمجريات سيصل إلى استنتاج سيء: الدم الفاسد الذي يتدفق الآن بين الملك عبد الله وبين نتنياهو في القضية المشحونة حول المكانة والدور الأردني في الأماكن المقدسة في شرقي القدس، ولدت منذ عهد والده الملك حسين. في يوم الاثنين ستكون قد مرت 15 سنة بالضبط على توقيع اتفاق السلام بين إسرائيل والأردن. ويبدو أن نتنياهو الذي أغاظ الملك الأب كثيرا يضع أعصاب الملك الحالي على محك الاختبار».
وتضيف بيري أن «دلائل النفور الذي شعر به الملك نحو نتنياهو تأتي ايضا من مصادر اخرى. نور ملكة الأردن سابقا روت في كتاب مذكراتها الظروف التي ثار فيها مرض الملك حسين الخبيث. عندما ارتفعت حرارة جسمه مرة واحدة اطلقنا على ذلك اسم جرثومة بيبي، كنوع من الدعابة العائلية على حساب رئيس وزراء اسرائيل الذي اثار غضب زوجي بدرجة كبيرة».
الملك عبد الله الثاني لا يسعى لتجميل صورته ويحفر عميقا داخل البطن المليئة. «وصلت إلى سدة الحكم قبل عشر سنوات، ولكن بسبب نتنياهو لم تكن هذه السنوات مفرحة جدا بالنسبة لي. عندما عاد نتنياهو للمرة الثانية إلى الحكم قابلته في الأردن. هو أعطاني قائمة من الوعود ولكنه لم ينفذ حتى اليوم أي واحد منها. أنا أرى كيف يقوم نتنياهو ببث أحلام السلام الاقتصادي وأقول له لن يكون هناك شيء كهذا قبل حل الصراع وإقامة الدولة الفلسطينية» قال في مقابلة مع صحيفة «لا ريبوبليكا» الايطالية. وفي مقابلة أجراها مؤخرا مع صحيفة «التايمز» البريطانية قال أن «الأشهر الثلاثة الأولى من ولايتي كانت الاشد صعوبة واحباطا بسبب نتنياهو».
ومن الجانب الإسرائيلي نقلت بيري عن أحد مستشاري نتنياهو قوله «الامر يشبه زواج اثنين ألمت بهما حالة من اللامبالاة. ليس هناك حب والحماس قد زال، والطرفان عالقان مع بعضهما البعض. زوجان لا يتطلقان بسبب وجود ممتلكات مشتركة ويبقيان معا بسبب المصالح. العلاقات مع الاردن ليست مثيرة للاهتمام في آخر المطاف».
"السفير" - حلمي موسى
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018