ارشيف من :أخبار لبنانية
"ويل لأمة تلبس مما لا تنسج وتأكل مما لا تزرع"
إعداد : بتول زين الدين
المياه، المناخ، الأراضي والسهول والتربة الخصبة، وأهم من كل ذلك الأيادي العاملة المتميزة التي تعشق الأرض، كل هذه العوامل مجتمعة جعلت من الزراعة اللبنانية حالة خاصة متميزة في منطقة الشرق الأوسط .
فالظروف المناخية والزراعية المختلفة تفتح المجال لتنوع كبير في منتجات لبنان الزراعية، فيما يُمكِّن توافر المياه حتى الآن، من ري نحو نصف الاراضي المزروعة على الرغم من التقصير الحكومي في انجاز مثل هذه المشاريع واهمها مشروع الليطاني .
واذا كان بامكاننا القول انه في ظل هذه العوامل يمكن وصف الزراعة بأنها نفط لبنان، الا ان المؤسف في هذا الاطار هو غياب الدعم الكافي لهذا القطاع من قبل الادارة السياسية، ما جعل الأراضي الزراعية المستغلّة تقتصر على 25% فقط من مساحة لبنان الإجمالية، لتبلغ نحو 248 ألف هكتار، منها نحو 104 آلاف هكتار مروية فقط.
على الصعيد العربي، جرى في العام 2005 تحريرالتجارة العربية، بعد اعتماد مبدأ التحرير التدريجي السنوي إستجابة للعولمة التي اجتاحت العالم واحالته قرية تكنولوجية صغيرة. إلا أنها وللاسف كانت في الحقيقة خطوة أحادية الجانب، فالإستيراد من الخارج على قاعدة "كل شي فرنجي برنجي"، كسر ظهر المزارعين، وأدى إلى كساد ثروراتهم الزراعية، فأصبح المواطن يجد في الأسواق منتجات أجنبية تحفّزه على شرائها وبذلك أصابت منتجاتنا الزراعية الويلات...
و لعل أبلغ تعبير على ما آلت إليه الأمور اليوم القول المشهور للكاتب الكبير جبران خليل جبران: " ويل لأمة تلبس مما لا تنسج ، وتأكل مما لا تزرع " ، أي ويل لنا إذا وجدنا انفسنا مرهونين بنجاح وفشل محاصيل الارز والشاي في الهند وباكستان وارتفاع اسعار البن في البرازيل والقمح في امريكا وتوقف مصانع النسيج في الصين! وهو الامر الواقع فعلا هذه الايام ...
وفي مطلع العام 2007 ، وافق المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي التابع لجامعة الدول العربية، على قرار تجديد الروزنامة الزراعية "استثناءً" في تطبيق اتفاقية تيسير التجارة العربية، التي تهدف إلى حماية هذه الزراعات من المنافسة العربية ولدعم المزارعين للخروج من أزمتهم.
وقد شمل قرار الحماية عبر الروزنامة زراعات البندورة والخيار والبطاطا والبصل و غيرها من المزروعات ... هذا في القول أما في الفعل، لم تطبق الروزنامة، و كان يُستورد حوالى 43 ألفاً و382 طناً من هذه السلع، ما انعكس إغراقاً للسوق اللبنانية بسلع تحظى بدعم واضح في البلدان العربية المصدّرة إن كان من دعم في الأكلاف أو في انخفاض أسعار المحروقات التي تمثّل نسبة أساسية من كلفة الإنتاج الزراعي، إضافة إلى التفاوت في أكلاف المعيشة.
هذا الواقع أدى إلى تراكم الأزمات على القطاع الزراعي، وخفض أسعار الزراعات المحلية، إلى أقل من كلفة الإنتاج في معظم الأحيان، ولم تصل صرخة المزارعين إلى آذان الحكومة، ولم تلق مطالبهم صدى، فكانت السياسة هي الفائزة كالعادة، ولم يتم تطبيق هذه الروزنامة.
في لبنان، وفي مبادرة نوعية وتحفيزية للمزارعين واصحاب الحرف ، اخذت مؤسسة جهاد البناء الإنمائية على عاتقها الإهتمام بشؤون المزارع، فكان معرض أرضي الذي تنظمه المؤسسة سنوياً، فسحة امل للمزارع والحرفي من اجل تصريف منتوجاته، وللسنة الثالثة على التوالي و بعد إنتصار تموز، افتتحت المعرض السنوي للمنتوجات الزراعية والحرفية في قاعة مجمع سيد الشهداء(ع)، في الرويس ـ الضاحية الجنوبية، فكان فرصة كبيرة للمزارعين لبيع منتجاتهم، وكذلك فرصة للشعب لتحقيق التكامل والتعاون، وكذلك الاستفادة منها.
"الإنتقاد . نت" جالت في المعرض وكان للمزارعين والزائرين آراؤهم :
الحاجة أم محمد القادمة من عربصاليم ناشدت الدولة اللبنانية ووزارة الزراعة تقديم المعونة لها ولفتياتها من خلال المكننة والآلات الحديثة لتجنب عمل فتياتها في الاسواق.
بدورها شكرت مندوبة التيار الوطني الحر في المعرض والتي تقدم منتوجات حرفية إهتمام جهاد البناء وأكدت أن مكونات الصابون الذي تقدمه هي لبنانية 100% ، صنعت بأيادي لبنانية 100% ، وصناعة لبنانية 100%.
أما الحاجة أم حسن القادمة من جباع، عتبت على الدولة البنانية وقالت: لا نريد منهم تصدير منتوجاتنا لكن على الأقل دعوا اللبنانيون يأكلون ما نزرع.
الامن الغذائي من القضايا الاساسية التي لها الاثر الحاسم في تحديد موقع مجتمعنا العربي، على خارطة التقدم والنمو بين مجتمعات العالم المتقدمة، لكن المزارع يضطر بسبب عدم ضبط ايقاع المنافسة الاجنبية لبضائعنا المحلية الى ان يرمي مزروعاته من التفاح، والبطاطا لأنه يتم إستيرادها من الخارج، ما يطرح تساؤلا حول من يحمي المزارع، ومن يؤمن له تصريف بضاعته؟ وأين دور وزارة الزراعة ومن خلفها الحكومة في هذا الاطار؟.
وفي هذا السياق، قالت مزارعة أخرى في المعرض أنها تبيع كيلو العنب ب 300 ل.ل كي لا ترميه، لأن الدولة لا تؤمن لها تصريف ما تزرع، أضافت السيدة أنها وجدت في المعرض فرصة إيجابية لها لتصريف هذا الإنتاج، مؤكدة انها لا تريد من الدولة سوى أن تؤمن لها تصريف ما تزرع .
في ظل هذا الواقع تبرز المفارقة الكبرى، بعدما نشرت امس دراسات خاصة بوكالة الفضاء الوطنية الأميركية NASA تجريها منذ العام 1985 حول لبنان وعجائبه التكوينية تحت إسم STSO78، وبالتحديد حول سهل البقاع، تشمل عمليات مسح لتحديد نوع التربة والصخور ومقارنة السلسلة الشرقية بالسلسلة الغربية، والبحث عن الثروات المائية، ونهر الليطاني وبحيرة القرعون، حيث اعتبرت البحيرة الدائمة الوحيدة في لبنان، كما تحدثت الدراسة عن أهمية الجبال اللبنانية بسبب أشجار الأرز العتيقة والعملاقة والتي تضاءلت بنسبة 90 بالمئة بسبب البنيان المدني، وعمليات القطع وإستخدامها للمحروقات.
والمفارقة الاخرى، هي اننا بتنا نتباهى اليوم بدخولنا موسوعة غينيس للارقام القياسية، بصحن تبولة وآخر من الحمص. جميل أن يدخل لبنان موسوعة غينيس للارقام القياسية ولكن هل يكفي ذلك ، خصوصاً في الوقت الذي يرمي فيه المزراعين منتجاتهم لعدم تمكنهم من تصريفها؟.
الجواب برهن القارئ...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018