ارشيف من :أخبار لبنانية

جردة حساب أجراها الحريري لعلاقته مع جعجع أظهرته خاسراً فهل يقبل بقواعد اللعبة الجديدة؟

جردة حساب أجراها الحريري لعلاقته مع جعجع أظهرته خاسراً فهل يقبل بقواعد اللعبة الجديدة؟

كتب ابراهيم صالح
هل بدأ الرئيس المكلف النائب سعد الحريري مراجعة حساباته في شأن مستقبل علاقته بمسيحيي 14 آذار وبالتحديد "القوات اللبنانية"، وحزب الكتائب؟ والى اين يمكن ان تفضي عملية المراجعة الصعبة هذه؟
بالطبع هناك ما يستدعي طرح هذا التساؤل، خصوصاً بعد ما تناهى الى علم اوساط سياسية عليمة معلومات فحواها ان النائب الحريري اجرى مع الحلقة الضيقة من مستشاريه والمقربين منه مراجعة حقيقية لمآل العلاقة مع هذا الفريق، ونتائجها الحاضرة وأثمانها المستقبلية.
وليس سراً حسب الاوساط نفسها ان هناك خلاصة توصلت اليها عملية المراجعة هذه جوهرها ان الخسائر السياسية والمعنوية الناجمة عن "صحبة" هذا الفريق ومحالفته، هي اكبر من اية ارباح يمكن ان تجنى من هذا "التحالف".
ولم تكن "الاثمان" والخسائر الناجمة عن مضي الحريري قدماً، بخيار هذا الفريق الراغب في تحقيق نصر سياسي على زعيم "التيار الوطني الحر" في موضوع تأليف الحكومة واجباره على دخول الحكومة مهيض الجناح ضعيفاً او اكراهه على الاعتذار.
فقد أظهرت حسابات الحريري بما لا يدع مجالاً للشك، ان عجز الحريري عن تأليف الحكومة في وقت "السماح" الطبيعي لولادتها، كانت له نتائج بالغة السلبية على مستقبل الحريري السياسي، وهو راغب صراحة بأن يصير رئيس حكومة ويشرع في رحلة سياسية "مميزة" على غرار رحلة والده.
لقد استنزف الحريري فعلاً قسماً كبيراً من رصيده السياسي وهو يخوض "معركة" القوات اللبنانية في مواجهة العماد عون وتياره وحلفائه في المعارضة، بل ان ثمة شعوراً اكيداً لدى فريق الحريري بأن كل الجهود التي بذلها والقدرات الضخمة التي وضعها لكسب معركة الانتخابات النيابية الاخيرة، قد ذهبت ادراج الرياح وتبددت على مذبح شهوات سمير جعجع الساعي بدأب لاستعادة الامرة في الشارع المسيحي.
لم يعد سراً ان فريق الحريري تصرف في الآونة الاخيرة من منطلق انه يجب "تعويم" جعجع بأي ثمن ولا سيما ان ثمة من اقنع هذا الفريق بأن الحاجة لجعجع باتت اكثر الحاحاً، بعدما غادر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الخيارات السياسية لفريق 14 آذار، وشرع في رحلة سياسية جديدة تقوده ولا شك الى توجهات مختلفة، مغايرة الى حد كبير لتوجهاته في المرحلة الماضية.
لقد ظهر في الوسط "الراعي" لفريق الاكثرية من وصل الى قناعة مفادها انه يتعين جعل جعجع يرقى الى مصاف الدور الذي اضطلع به النائب جنبلاط في فريق 14 آذار طوال الاعوام الاربعة الماضية، وهو دور "العصب" ورأس حربة المشروع.
ولقد اظهرت حسابات الحريري في الآونة الاخيرة ان خيار "تعويم" جعجع بأي ثمن هو خيار خاسر خسراناً مبيناً، اذ أبرزت نتائج الانتخابات النيابية ان مرشحي هذا الفريق لم يستطيعوا ان يحققوا اي نتائج يعتد بها في الشارع المسيحي، وهم نجحوا بفعل الاصوات التي صبت لهم من جانب تيار "المستقبل" على وجه التحديد.
الى جانب ذلك ظهر جلياً ان كل الامكانيات الضخمة التي قدمت لقوات جعجع لم تستطع ان تجعله يحسن صورته وتعطيه شهادة حسن سلوك ولا سيما تلك الشريحة المسيحية صاحبة الخيارات الواعية والمؤثرة.
ولم يعد سراً ايضاً ان النائب جنبلاط رفض قبل فترة دعوة وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير الى افطار في قصر الصنوبر (قصر السفير الفرنسي) كان سيحضرها جعجع ورموز آخرون من مسيحيي فريق 14 آذار، وابلغ من حمل اليه الدعوة انه لن يعود الى التجربة المرة مع رموز هذا الفريق الذين لا يمكن ان يؤمن لهم، ولا حد لأطماعهم ومشاريعهم السياسية المضمرة.
كذلك ذكرت المعلومات ان جنبلاط توجه بكلام مباشر للنائب الحريري في آخر لقاء بينهما في "بيت الوسط" محذراً اياه من "مخاطر المضي قدماً في العلاقة مع جعجع وفريقه، ومن "اخطار" الدفاع عنهم والتمسك بالعلاقة بهم، واصفاً اياهم بأنهم "ثقالات" يجب التخفيف منهم وابعاد اذنيه عن "وشوشاتهم".
وفي حسابات النائب الحريري نفسها حيال العلاقة مع هذه "المجموعة" تبين له ايضاً انها كانت دوماً في موقع المطالب "المبتز" الذين لا فضل يذكر لهم عليه ولا على فريق 14 آذار عموماً.
وعموماً ثمة من يرى في وسط الشخصيات والقوى المحيطة بالحريري انه لكي تستقيم الامور وتأخذ السكة الصحيحة، ولكي ينجح الحريري في "رحلة الحكم" التي لم يعد اطلاقاً زاهداً بها، بل باتت حاجة ملحة ومصيرية بالنسبة له، فإن عليه التفكير جدياً "بتقنين" العلاقة مع هذه المجموعة، لأن المضي قدماً معها على المنوال نفسه الذي ينسج عليه، معناه انتظار المزيد من الخسائر ومن استنزاف الرصيد، وبالتالي القعود عن الحراك وابداء المرونة ابان التفاوض مع الآخرين او السعي لإيجاد تسوية معهم.. وبالطبع فإن وضع الحريري سيزداد صعوبة مع عودة الفريق القواتي الى الخطاب "الاصلي" والقديم له، وهو الخطاب القائم على فكرة انه هو "المعبر عن المشروع التاريخي المسيحي".
وفي كل الاحوال بدا واضحاً ان قوى المعارضة اعطت منذ البداية "فرصة ذهبية" للرئيس المكلف لكي ينتقل من موقعه كرأس فريق سياسي الى موقع رئاسة حكومة كل اللبنانيين، عندما قبلت بالمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية على اساس صيغة "15-10-5" وعندما تنازلت في مراحل متعددة عن العديد من مطالبها التي تعتبرها حقاً مكتسباً لها، وذلك على غرار تخلي النائب عون عن مطلب النسبية في تأليف الحكومة.
وكانت الفرصة المعطاة من المعارضة للحريري بعد قمة دمشق، فلقد أعلنت المعارضة على لسان اكثر من رمز من رموزها بأن القمة من شأنها ان تشكل كاسحة الغام من امام "عربة" الحكومة العتيدة التي سيقودها الحريري.
وبالفعل بدأت المعارضة بناءً على هذا التوجه ترصد بدقة "خط سير" الحريري السياسي ومدى انخراطه في اللعبة السياسية الوطنية، وابتعاده عن "اطماع" حلفائه ولا سيما في صف مسيحيي 14 آذار وبالتحديد فريق "القوات اللبنانية".
وجاء الحراك السياسي المكثف الذي شرع به رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية، خطوة اخرى في هذا المجال، خصوصاً اذا ما شاء الحريري نفسه التحرر بشكل اكبر من "الثقالات" الداخلية والخارجية التي كبلته في السابق وافضت الى عجزه عن تأليف الحكومة، وبالتالي وصمته بالقصور وجعلته فريسة للاستنزاف.
ولقد كان فرنجية واضحاً جداً بانه يجسد توجهاً جديداً في التعاطي الايجابي مع الحريري اذا ما اراد الرجل فعلاً ان ينحاز الى مصلحته في استيلاد الحكومة المنتظرة.
ولقد ظهر ذلك جلياً في التصريح الذي ادلى به فرنجية من امام قصر بعبدا نهار الثلثاء عندما عبر عن ثلاثة عناصر مستجدة وهي:
- ان "قانون اللعبة" السياسية وشكلها قد تغير.
- ان المعارضة لا تريد للرئيس المكلف ان ينكسر.
- لا بد ان يكون هذان التوجهان على حساب احد، اي ان يكون هناك خاسر ما اذا ما أُريد ان يكون هناك تسوية سياسية تفتح الابواب الموصدة امام ولادة الحكومة المنتظرة.
ومهما يكن من امر فلقد آن الاوان لأن يقرر الحريري، وهو يعلم علم اليقين من سيكون "كبش الفداء"، اذا اراد فعلاً للعبة الجديدة ان تبدأ.

2009-10-30