ارشيف من :أخبار لبنانية

شيراك أول رئيس فرنسي يمثل أمام القضاء بتهم اختلاس ومحسوبية

شيراك أول رئيس فرنسي يمثل أمام القضاء بتهم اختلاس ومحسوبية

لا شعبيته الخارقة، التي كرّسته المتقاعد الأكثر شهرة وتحبباً لدى 76 في المئة من الفرنسيين، ولا قِدم ما ارتكب، أو سمعة الجمهورية التي ترأسها 12 عاماً، ولا هالة الجد التي تبعث على التسامح مع ذنوب المقبل على الثمانين، ولا أمنية سيغولين رويال لـ«عدم تعكير طمأنينته»، ما كانت لتشفع لجاك شيراك لدى كزافيير سيميوني، أو تثنيها عن توقيع محضرها الأخير، صباح أمس، كقاضية تحقيق، مفضلةً أن تصبح قبل مغادرة المنصب نهائياً مساء، أول قاضية تحيل سياسياً على هذا المستوى إلى المحاكمة، جاعلة من شيراك أول رئيس جمهورية فرنسية يمثل أمام القضاء، في محكمة الجنح.

ومن دون بيار ألان بروسو، كان لشيراك أن يمضي تقاعداً هانئاً، وألا يُضطر إلى العودة اليوم من عزلته، بروسو العضو المتواضع في حزب الخضر، ما قيّض لفرنسا غيره لرفع شكوى اختلاس أموال عامة، وما كان سيقيّض لسيميوني أن تلاحق الرئيس السابق في القضية، التي وقعت فيها على ما يكفي من قرائن لإسقاطه في قبضة المساءلة القضائية.

ولم يخطر ببال القضاء نفسه أن يفعل ما فعله الأخضر «بروسو»، رغم أن الثمانينيات والتسعينيات كانت تحفل بأسرار شائعة عن محسوبية سادت إدارة شيراك لبلدية باريس، واعتماد الوظائف الوهمية وسيلة لمكافأة المقربين، أو دفع رواتب الحزبيين من ميزانية البلدية، وتعيين عدد لا يحصى من المستشارين، قفز من 18 مستشاراً، عندما دخل شيراك القصر البلدي في 1977، إلى ما يقارب الـ699 موظفاً، منذ 1982، قبل أن يغادر إلى الاليزيه في 1995.

ورغم أن ذاكرة الرئيس الهرم كانت تخونه أمام أسئلة القاضية، التي التقته خمس مرات خلال عامين، إلا أن الرئيس لم يفقد شجاعته السياسية «التعيينات تمت بأمر مني وبطلبي». لم يحاول تحميل معاونيه الأربعة الملاحقين معه في القضية، المسؤولية عن التعيينات «الوهمية»، عندما كان يتسنى له أن يتذكر بعضها، بعد عقدين من تقادم الزمن عليها. القاضية التي دققت في 481 ملفاً، وجدت ضالتها في 21 منها.

وبدا شيراك كريماً في الوظائف التي منحها، خصوصاً لزوجات وبنات وزرائه جنفياف إدوارد بالادور، وزير ماليته، وميشيل هرفيه دوشاريت، وزير خارجيته، وآنيك دومينيك بربن، وزير العدل، وكلودين بيار لولوش، مستشاره الدولي.

ولم يبخل بأموال دافعي الضرائب الباريسيين، على الأصدقاء النقابيين، ودفع رواتب لمرافقيهم، أو السياسيين الذين كانوا يدفعون رواتب مساعديهم من عقود الاستشارة البلدية، ولم تجد القاضية دليلاً على تأدية بعضهم أعمالاً فعلية فيها، واقتصار استشاراتهم على خدمة أقطاب الشيراكية القديمة، كشارل باسكوا أو غي دروت، وجان ليبكوفسكي.

وخلال خمس جلسات استجواب، لم تخذل القاضية مرة واحدة حرض نجم قضيتها على الكتمان. ولم يصادف شيراك، مرة واحدة، عدسة كاميرا واحدة تكمن في قصر العدل. فوافقت على استقباله في الصباحات التي أراد، حيث عوّد ذاكرته إلى العمل أربع ساعات على الأكثر.

ولم تنجح النيابة العامة في منع إحالته على المحاكمة، رغم أنها أوصت بعدم كفاية الدليل نهاية الشهر الماضي، إلا أن القاضية أصرّت على ذلك.
ومع محامي دفاع كالنيابة العامة نفسها، قد لا تذهب المحاكمة بعيداً، خصوصاً أنها تتبنى قبل تحديد موعدها، حجج محامي الرئيس جان فييل، بأن أكثر القضايا ساقط بالتقادم، وما تبقى لا يعدو كونه خطأ عقدياً «ولم يتوفر الدليل، في ملف الإحالة، على وجود نية مسبقة لدى شيراك للالتفاف على القواعد الإدارية للتوظيف، إلا أن طريقته لا تخلو من بعض الشوائب».

ومع ذلك، من المستبعد أن يتمكن الرئيس من تلافي الاحتفاء به في قصر العدل، وأمام الكاميرات، التي تتلهف للقائه، أمام قاعة المحكمة، بعدما حرمت من ذلك خلال التحقيق. ولن تحاول النيابة العامة استئناف طلبها حفظ القضية، وهو أمر بات من اختصاص هيئة التحقيق في محكمة استئناف باريس، أن تنظر فيه، علماً أنه لم يسبق أن ردت طلباً لسيميوني.

والرئيس الملاحق يجد أصدقاء كثيرين للدفاع عنه، حتى وسط أعداء الأمس. كثيرون ممن تسامحوا في تعليقاتهم، كانوا يتفادون تحدّي العطف الشعبي الواسع الذي يحظى به شيراك «حكيم فرنسا» منذ أن غادر الاليزيه في 2007.

لذا تحفظ الرئيس نيكولا ساركوزي «لأن القضية بيد القضاء، في بلد تنفصل فيه السلطات»، رغم أنه لم يتورع عن التعليق على محاكمة دومينيك دوفيلبان ونقض حقه بالبراءة في تصريح شهير، إبان المحاكمة.

وانقسم الحزب الديغولي بين بعض المخلصين «الذين يثقون بأن الرئيس سيثبت براءته»، وبين مقربين من ساركوزي لم يجدوا ما يقولونه، كرئيس الحزب كزافييه برتران سوى «إنه من المستحسن عدم فتح ملفات الماضي».

أما اليسار فاختصرت رويال موقفه «بحق الرجل بالطمأنينة، إنها قضايا قديمة، ويمكن أن نحاسب شيراك على أشياء كثيرة، لكنه في الوقت نفسه قدم الكثير لبلاده».

"السفير" - محمد بلوط

2009-10-31