ارشيف من :أخبار لبنانية

خاص الانتقاد.نت: لبنان والحكومات ودور الاحزاب فيها

خاص الانتقاد.نت: لبنان والحكومات ودور الاحزاب فيها
فنيش: الممارسة هي التي تحكم على مصداقية الاحزاب وكيفية التزامها بما وعدت به

مصعب قشمر
يعتبر النظام اللبناني نظاما برلمانيا، ومن حسنات هذا النظام انه يعطي الاحزاب السياسية مساحة للعمل السياسي والقيام بانشطة اجتماعية وتربوية، فضلا عن انشطة تعبر عن وجهة الاحزاب وسلوكياتها. ومنذ ان وجد لبنان ككيان منذ العام 1920، فانه عرف اولى حكوماته في العام 1926 في عهد اول رئيس للبنان قبل الاستقلال، شارل دباس. وتوالت بعد ذلك الحكومات لما بعد الاستقلال وصولا الى يومنا الحاضر. وبما ان لبنان يتميز بكثرة الاحزاب العاملة على ارضه، فان هذه الاحزاب ترتبط بعلاقة وثيقة مع الحكومات المتوالية. ذلك ان الاحزاب تعتبر المكون الاساسي لاي حكومة تشكل في لبنان، وبالتالي فان اللون الحزبي المتنوع هو الذي يطغى على اي حكومة تشكل، الا ما ندر من خلال توزير شخصيات مقربة من هذه المرجعية او تلك او مقرب من هذا الحزب او ذاك. وقد استطاعت الاحزاب ان تفرض نفسها كلاعب اساسي في اي حكومة بسبب طبيعة النظام السياسي، وبالتالي بسبب طبيعة التركيبة الاجتماعية في لبنان. ومن ايجابيات رؤساء الوزراء الذين تولوا عملية تاليف الحكومات في لبنان على مدى العهود المنصرمة، فان رئيس الحكومة كان يوازي في عملية التأليف بين الاحزاب، وكانت معظم الاحزاب موجودة ضمن التشكيلة الحكومية، الا من رغب بالامتناع. ومنذ العام 1926 الى اليوم شهد لبنان 88 حكومة، منها 70 حكومة منذ عهد الاستقلال عام 1943. وقد تميز عهد كل رئيس بعدد من الحكومات كان اكثرها 15 حكومة في عهد الرئيس بشارة الخوري، وكان اقلها حكومة واحدة في عهد الرئيس الفريد نقاش.
وهي على الشكل التالي:
1- الرئيس شارل دباس: 7حكومات
2- الرئيس اميل اده: 8 حكومات
3- الرئيس الفريد نقاش: حكومة واحدة
4- الرئيس بشارة الخوري: 15 حكومة
5- الرئيس كميل شمعون: 12 حكومة
6- الرئيس فؤاد شهاب: 7 حكومات
7- الرئيس شارل حلو: 10 حكومات
8- الرئيس سليمان فرنجية: 7 حكومات
9- الرئيس الياس سركيس: 3 حكومات
10- الرئيس بشير الجميل: لم يشكل حكومة بسبب اغتياله قبل استلامه الحكم قانونيا
11- الرئيس امين الجميل: 3 حكومات
12- الرئيس رينيه معوض: لم يشكل أي حكومة بسبب اغتياله قبل استلامه الحكم قانونيا.
13- الرئيس الياس الهرواي: 6 حكومات
14- الرئيس اميل لحود: 6 حكومات
15- الرئيس ميشال سليمان حكومة واحدة حتى تاريخ 28(10_2009. علما انه انتخب في شهر ايار 2009.
ولتسليط الضوء اكثر على علاقة الاحزاب السياسية مع الحكومات، فقد فتح موقع "الانتقاد نت" هذا الملف واجرى عدة مقابلات مع عدد من الوزراء يمثلون مختلف الاتجاهات السياسية. حول ما اذا كان هناك من ضرورة ان تشارك الاحزاب في الوزارات، وكيف يمكن للحزب ان يطور عمل الوزارة وما اذا كان بالامكان تطبيق النموذج الغربي على لبنان. واولى هذه المقابلات كانت مع وزير العمل محمد فنيش، حيث يمثل رؤية حزب الله في هذا الموضوع. وراى فنيش ان حضور القوى السياسية في الحكومة امر مهم، مشيرا الى ان الدخول الى الحكومة لممارسة المسؤولية العامة واجب، وليس فقط ضرورة سياسية او اجتماعية، كما ينبغي ان تعكس قرارات مجلس الوزراء في وزارته الالتزام الحزبي من خلال اراء الوزير في وزارته. واعتبر ان الحزب عندما يصبح في السلطة تزول المسافة التي تفصل بين الواقع والافكار والرؤى.
وهذا نص الحوار:
ـ ما هي أهمية حضور الحزب السياسي في الوزارة؟

 لا يجوز اسقاط تجربة بلد ومجتمع على بلد ومجتمع آخر
بعد اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية المنبثقة عنه أصبح مجلس الوزراء مجتمعاً هو السلطة الاجرائية، ونظراً لما أحدثه من تغيرات في عملية توزيع الحصص الوزارية مراعاة للتوازن الطائفي، أصبح عمل مجلس الوزراء ذا بعد سياسي بامتياز، وبالتالي بات حضور من يمثل القوى السياسية أمراً مهماً مراعاة للتوازن في حدّيه السياسي والطائفي. بمعنى آخر لا يتحقق ما قصده اتفاق الطائف من تعديلات الا بمشاركة صحيحة، وهي بدورها لا تقوم بعيداً عن التمثيل السياسي الذي يأتي العمل الحزبي في طليعته، إنْ لجهة الانسجام مع مبادئ الديمقراطية ومفاهيمها وآلياتها، ولجهة الفاعلية والدور في تفعيل عمل السلطة الاجرائية.

ـ كيف يمكن للحزب السياسي أن يؤسس علاقة تفاعلية بين الحزب والوزارة؟

خاص الانتقاد.نت: لبنان والحكومات ودور الاحزاب فيهامقتضى العمل الحزبي أن يتميز ممثلو الأحزاب بحملهم لأفكار ورؤى والتزامهم بتحقيقها وبلوغ أهدافها، وبذلك ينبغي أن يكون مجلس الوزراء اطاراً تلتقي بداخله وتتفاعل أفكار مختلف القوى الحزبية والسياسية ليؤدي مجلس الوزراء دوره  بفاعلية وانتاجية وقدرة على ايجاد الحلول لمشكلات يعاني منها الناس، أو لما يمكن ارتقابه وحدوثه من أزمات، في سياق ممارسة تهدف الى مواكبة التحولات والمستجدات وتسعى الى التطور والتقدم.
وبذلك تنشأ علاقة تفاعلية بين دور العمل الحزبي في المجتمع وتكوّن السلطة وممارسة مهامها، وتتحقق الغاية من العملية الديمقراطية بآلياتها وقواعدها التمثيلية.
وينبغي أن تعكس قرارات مجلس الوزراء الالتزام الحزبي من خلال آراء الوزير في وزارته ومدى مصداقيته وشفافيته وكفاءته وفعاليته في تطبيق ما يرفعه حزبه من شعارات وما يقدر على استصداره من قرارات وبرامج وخطط من مجلس الوزراء.

ـ كيف يمكن للحزب أن يطوّر الوزارة؟
عندما يصبح الحزب في السلطة تزول المسافة التي تفصل بين الواقع والأفكار والرؤى بحيث يتاح للحزب من خلال حضوره الوزاري وبما له من صلاحيات ان يختبر أفكاره ورؤاه وتصوراته في ميدان التجربة والعمل فيكتشف ما يصلح منها فيتمسك به ويطبقه، ويلغي أو يطور أو يجدد ما يظهر التطبيق عدم صوابيته.
كما إن الممارسة تضيء أمام المتصدي للشأن العام على الخلل الاداري والتنظيمي والسياسات الفاسدة فيتاح له تشخيص الواقع واقتراح الحلول بناءً للمعطيات التي توافرت من الممارسة في السلطة، فيصبح أقدر على تصويب الأداء وابتكار الأفكار، وهكذا في تفاعل مستمر بين حركة الواقع وانتاج الأفكار، يمكن للأحزاب أن تطور العمل السياسي والأداء الحكومي والبرامج والسياسات.

ـ هل هناك من ضرورة أن يدخل الحزب السياسي الى الوزارة؟
 الواقع السياسي الراهن ينتج تمثيلا حزبيا طائفيا في معظم الطوائف
بناءً على كل ما تقدم وخصوصاً منها ما تضمنته الإجابة عن السؤال رقم 1 والسؤال رقم 4 يصبح الدخول الى الحكومة لممارسة المسؤولية العامة واجباً وليس فقط ضرورة سياسية أو اجتماعية، ولا يمكن تصور التصدي للشأن العام وحمل مسؤوليته بغير مشاركة في السلطة، الا إذا كان الإحجام عن المشاركة تعبيراً عن موقف ورفض لممارسة أو سياسات متبعة مع إحساس بعدم القدرة على التأثير في وجهة السياسات والقرارات، واقتناع بجدوى المقاطعة وإسهامها في التمهيد لتغيير في المعادلات القائمة يُمكّن القوى المعارضة من توفير ما يلائمها من شروط تداول السلطة والتأثير في مجريات قراراتها والسياسات.

ـ الأحزاب الحاكمة في الغرب هي التي تدير سياسة الدولة، هل هذا المنطق يمكن تطبيقه في لبنان؟
لا يجوز اسقاط تجربة بلد ومجتمع على بلد ومجتمع آخر حتى لو كان هناك قدر مشترك بينهما من المبادئ وآليات وقواعد تكوين السلطة وانتظام عملها، حيث للديمقراطية أشكال متعددة من التطبيق تتلاءم مع خصوصية المجتمعات الثقافية والفكرية ومستوى تطورها ومساره التاريخي، والديمقراطية في لبنان وان بدت في مظاهرها مشابهة للديمقراطيات الغربية الا انها تختلف عنها من حيث المضمون والتطبيق الفعلي.
فديمقراطية المحاصصة الطائفية وتوازناتها لا تنتج أحزاباً تملك أكثرية برلمانية على أساس برامج ورؤى، كما هو حاصل في الغرب، تحكم وفقاً لبرامجها وتعارضها أقلية على أساس برامج مختلفة.
الديمقراطية في لبنان تنتج مجموعة أقليات طائفية ومذهبية يؤدي الائتلاف بينها الى تشكل أكثرية، لا تبتني على أساس البرنامج والرؤية والتوجه الاجتماعي والاقتصادي أو السياسي، بل في غالب الأحيان على أساس المصلحة والعصبيات الطائفية أو المذهبية.
ولذلك تتطلب إدارة شؤون السلطة بعد الطائف قدراً من التوافق والشراكة لا يتناقض مع الميثاق الوطني والدستور، ويحقق التوازن لا سيما اذا انحصر التمثيل السياسي للطوائف في حزب أو اثنين مع توافق بينهما في المواقف بانتظار تطوير صيغة النظام وما تضمنه اتفاق الطائف لجهة تشكيل الهيئة الوطنية لوضع البرامج الكفيلة بإلغاء الطائفية السياسية.
وهذا بدوره يحتاج الى ارادة واجماع وطنيين، لا يمكن محاكاة التجربة الغربية في ادارة السلطة، بل لا بد من مراعاة الخصوصية اللبنانية.

ـ هل صحيح أن الأحزاب تمثل الطوائف داخل الوزارة؟
 الممارسة هي التي تحكم على مصداقية الاحزاب وكيفية التزامها بما وعدت به
الواقع السياسي الراهن ينتج تمثيلاً حزبياً طائفياً في معظم الطوائف، وان كان هناك تنوع في تمثيل بعض الطوائف، إلا أن هناك قوة تمثيلية واضحة وتيارا سياسيا معروفا.
ولذلك مع العمل السياسي المرتكز الى القواعد الطائفية وحصص الطوائف والمذاهب تأخذ الأحزاب الفاعلة شكل التمثيل الطائفي، وإن كانت أفكارها وبرامجها وطنية أو عقائدية أو سياسية بعيدة متجاوزة لإطار الانتماء الطائفي.

ـ عندما تدخل الأحزاب الى المجلس النيابي، فإنها تدخل على أساس برامج معينة تحت عناوين الإصلاح والتطوير، هل قامت الأحزاب بتنفيذ ما وعدت به من خلال مشاركتها في الوزارة؟
الواقع السياسي الراهن لا ينسجم مع مضمون السؤال، صحيح أن هناك توجهات للأحزاب وخطوطا عامة لا يصح وصفها في الغالب الأعم بأنها بمستوى برنامج حكم وتصورات تفصيلية لمتطلبات ممارسة السلطة وادارة الشأن العام، وما دام هناك عوائق بنيوية وعملية ناجمة عن طبيعة النظام السياسي القائم، لا يتصور أن تدخل الأحزاب المجلس النيابي على أساس برامج واضحة بالمطلق. الممارسة هي التي تحكم على مصداقية الأحزاب في كيفية التزامها بما وعدت به في حال كان هناك برنامج واضح، لا سيما أنه ليس بمقدور حزب ان يمسك السلطة وحده، انما هو جزء من السلطة، وليس متاحاً له أن يكون السلطة كلها مهما بنى من ائتلافات، لأن طبيعة الائتلافات القائمة تقتضي تسويات وتنازلات هي حصيلة ما يمكن الاتفاق عليه بين المكونات الائتلافية.
مع فهم هذه المعادلات الناجمة عن خصوصية النظام السياسي في لبنان لا يجوز التعميم في الحكم على مدى التزام الأحزاب بما وعدت به، بل الصحيح هو مقارنة ممارستها ومدى انسجامها مع توجهاتها قبل المشاركة في الوزارة وقدرتها على التوفيق بين الواقع ومشكلاته والصلاحيات المتاحة للأحزاب المشاركة في الحكومة.
على ضوء ذلك هناك حد من التزام بعض الأحزاب بما صدر عنها من مواقف تعبر عن رؤاها قبل ممارسة السلطة، وان كانت مسألة المشاركة تقتضي مرونة تدور بين حدي دفع الضرر وتحقيق الحد الأعلى من المصلحة العامة.

2009-10-31