ارشيف من :أخبار لبنانية

هل يشق تقارب الحريري ـ فرنجية الطريق إلى قصر المهاجرين؟

هل يشق تقارب الحريري ـ فرنجية الطريق إلى قصر المهاجرين؟

نبيل هيثم - صحيفة السفير

بعدما قرر النائب سليمان فرنجية التخلي عن حقيبة وزارية خدماتية أساسية، والاكتفاء بوزارة دولة، اتصل قائد جهاز امني بصديق مشترك مع رئيس تيار «المردة»، ونقل اليه أنّ قرار فرنجيّة لقي ارتياحا بالغـا من قبل الرئيس المكلف، الذي قدر خطوة تنازله عن الحقيبة الوزارية كثيرا، وأن الحريري يعتبر ذلك دينا عليه، وسيوفيه بمثله وربما أكثر.

بعد ذلك بوقت قصير، عبر الرئيس المكلف عن ارتياحه وشكره مباشرة للنائب فرنجية، من خلال اتصال هاتفي بادر اليه مع رئيس تيار «المردة» وغلبت عليه المجاملات، تلته اتصالات مماثلة توجّها فرنجية من القصر الجمهوري في بعبدا الثلاثاء بمطالعة نوعية وبالغة الدلالة في مضمونها الرافض أي محاولة اضعاف للرئيس المكلف او كسره، ما أسس للقائهما في اليوم التالي في بيت الحريري الذي قدر عاليا مبادرات فرنجية، فيما ارتفعت في ارجاء «المستقبل» منذ ذلك الحين، راية الإشادة برئيس «المردة» وأدائه المسهـِّل على كل المستويات.

يثير هذا «التقارب» كثيرا من التساؤلات، ولا سيما انه يقوم في اعقاب علاقة بين الحريري وفرنجية حكمتها فترة طويلة من انقطاع الود بينهما، ووقف فيها الرجلان، وما يزالان، في جبهتين سياسيتين متعارضتين ومتناقضتين في المنطلقات والاهداف والغايات والتوجهات والتحالفات الداخلية والخارجية، ومتصارعتين الى المدى الأبعد منذ العام 2005. فما الذي اوجب هذا التقارب المفاجئ؟ هل هو جدي؟ هل هو مفتعل؟ هل هو مؤقت؟ هل هو دائم؟ هل هو تقارب من طرفين؟ هل هو تقارب لهدف مشترك؟ ام هو تقارب لهدفين متناقضين بمعنى أنّ الحريري بـ«نيّة» وفرنجية بـ«نيّة»؟
الرصد الداخلي بشكل عام، للحيوية السياسية، التي أبداها فرنجية منذ إعلان تخليه عن حقيبة خدماتية أساسية كان قد أصرّ عليها في استشارات التكليف الثاني للحريري، يجد صعوبة بالغة في الاعتقاد بأنّ فرنجيّة بادر إلى ما بادر اليه بمعزل عن ضوء أخضر سوري. مع الإشارة هنا الى ان زعيم «المردة»، ينفي ان تكون لخطوته أية أبعاد، ولم يوحَ بها من أي مكان خارج قناعته.

يقول فرنجية ان لا علاقة لسوريا بمبادرته، في المحادثة التي تمت بينه وبين الرئيس السوري بشارالاسد مساء السبت 24 تشرين الأول الماضي، تضمنت إشادة من الرئيس السوري بخطوته، حيث كان الأسد مرتاحا للصدى الايجابي الذي أحدثته في الواقع اللبناني، على أمل أن يعجل ذلك بتشكيل الحكومة.
المهم في ما يقوله فرنجية أيضا، انه تخلى عن الحقيبة الوزارية واكتفى بوزارة دولة، من تلقاء نفسه، انطلاقا من دافع شخصي، هدفه الأساسي إظهار حسن النية أمام الرئيس المكلف، والقول بأننا قمنا بما يجب علينا ان نقوم به، وتنازلنا عن الحقيبة. بما ينقل الكرة الى ملعب الرئيس المكلف ويضعه امام مسؤولية مبادلة الايجابية بمثلها وبالتالي المسارعة الى التفاهم مع العماد ميشال عون وتوليد الحكومة المعطلة منذ أشهر... علما انه ليس في الإمكان حتى الآن القول بأن كل ما تمناه فرنجية من خطوته أدركه، فما بدر من الجانب الآخر كان كناية عن طروحات لم تكن كافية لاطلاق عجلة الحكومة.. هنا يقف سقف حركة فرنجية.

وأما الصورة في المقلب الآخر، فيبدو فيها ان تلقف الحريري وفريقه لخطوة فرنجية، مرتكز على قرار بالاقتراب من رئيس «المردة»، ابعد من التخلي عن حقيبة، فهو اصلا امر ليس بالامر الخارق بالمعنى السياسي.

وفي اعتقاد مواكبين للمسار السياسي في هذا الجانب، فإن القرار المذكور قد يكون على صلة بأمور اولها في بيروت وثانيها في دمشق، وتبرز في هذا المجال قراءة مثيرة للاهتمام، لقطب سياسي بارز، يعطف فيها التقارب الآني المستجد على خط الحريري ـ فرنجية، على «التقارب» الذي ساد في فترة سابقة بين فرنجية والرئيس رفيق الحريري. فيرى ان وجه الشبه كبير جدا في «التقاربين»، وأن قاسما مشتركا بينهما هو سوريا والرئيس بشار الأسد.

تعود تلك القراءة الى ماضي العلاقة بين الشهيد الحريري وفرنجية، وتقف عند العديد من التجارب الصعبة التي مرت بها، على مدى المرحلة الحريرية السابقة، والتي تراجعت حدتها، بعد الزيارة الشهيرة التي قام بها الرئيس الحريري الى بنشعي، ومذ ذاك انتظمت العلاقة، وتحولت لغة الاضداد الى لغة «اصحاب وأحباب .. ووفاق»، وأدرك الحريري آنذاك ان فرنجية في معادلة السياسة في لبنان، هو «كلمة سر»، يمكن الاستفادة منها في أمكنة كثيرة، وأنه، أي فرنجية، يتمتع بخصوصية ضمن لوحة حلفاء سوريا في لبنان، ما يفرض بناء علاقة منتجة معه في السياسة، ومع دمشق.

ولا شك ان العلاقة بين فرنجية والحريري الابن، مرت بدورها بأزمة كبيرة منذ العام 2005، وهوجم رئيس «المردة» على اعتبار انه احد ابرز رموز الحقبة السورية، ولكنه تجاوز قطوعات بالغة الصعوبة، وأبرزها إسقاطه في الانتخابات بقانون الألفين، ونجح في ان يعطي لزعامته حيزا مهما ضمن الزعامة المسيحية الاكبر التي يمثلها ميشال عون، وحافظ على علاقته الثابتة مع الرئيس بشار الاسد، ولم تستطع سياسة الاقتصاص ان تنال منه او من تاريخية موقعه، او من شعبيته التي أعادته ظافرا على حصان ابيض في انتخابات 2009، برغم كل المال الذي وظف لإسقاطه.

الواضح في مسار سعد الحريري، انه يريد الانتقال الى مرحلة جديدة في السياسة، وبالتالي قد تبدو تلك الحقيقة الاساسية التي يمثلها فرنجية، وتلك المواصفات المارونية، والسياسية، والسورية، والشمالية، المتوافرة في رئيس «المردة» عاملا مساعدا له في ولوج تلك المرحلة، وخصوصا من كونه، أي فرنجية، يشكل احد اهم المفاتيح للرئيس بشار الأسد في لبنان. وفي اعتقاد القطب السياسي ان الحريري، وفي مرحلة اعادة التشكل التي تمر بها الساحة اللبنانية حاليا، بدأ ينهل من كتاب والده الشهيد وأسلوبه في حقبة ممارسته للسياسة، ولا سيما في مجال علاقاته، ما قد يفرض اقترابه من علاقة بينه وبين فرنجية تتماهى في أماكن عديدة مع سياق العلاقة التي كانت بين فرنجية والحريري الأب.

يصل صاحب القراءة الى استنتاج يفيد بأن إعادة إنتاج العلاقة بين الحريري وفرنجية، تظهر ارادة حريرية للمرة الاولى بأن الحريري الابن يسعى لانتاج نمط سياسي جديد وعلى اكثر من مساحة، وبالتالي التأسيس على تلك العلاقة، لعلاقة غير مرئية وغير مباشرة، اقله حاليا، مع الرئيس بشار الأسد عبر سليمان فرنجية، تتوّج مسارا مهما بدأ في «لقاء الساعتين» بين الملك عبد الله بن العزيز والرئيس بشار الأسد في جدة، وما ساد من كلام ايجابي وحرص أبداه الأسد على رئاسة الحريري للحكومة ودعمه.. الى القمة السورية السعودية في دمشق والكلام ذاته.. وبناء على ما تقدم، قد يظهر التقارب بين الرئيس المكلف ورئيس «المردة» أن فرنجية احد الأساسيين العاملين على شق الطريق بين «بيت الوسط» وقصر المهاجرين.

2009-11-02