ارشيف من :أخبار لبنانية
ربيع البطريرك أم خريف الوطن؟
نصري الصايغ - صحيفة السفير
I ـ صخرة بكركي
حلقة نقاش، جمعت في جونيه، عدداً من رجال فكر وإعلام و«رجل دين واحد»، كان قد قام بخدمته الدينية في مجال الفكر واللاهوت، وبخدمته العسكرية في صفوف «الجبهة اللبنانية»، إبان «حروب الآخرين» وحروب اللبنانيين كذلك. ولما بلغ النقاش، مقام البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، أوجز الأباتي القول: «صحيح أن البطريرك لا يُغامر ولا يبادر ولا يتقدّم، ولكنه ثابت لا يتزحزح. هو الصخرة. إنه يشبه بطرس رأس الكنيسة».
فعلاً، كانت هذه العبارات، تصف صفير بدقة. فهو لا يتغيّر ولا يتبدّل. في موقعه لا يتزحزح، وفي موقفه لا يجتهد. وبالطبع، هو لا يكذب، ويصرّ على أنه لا يكذب. فما يصرّح به هو ما يقتنع به.
وعليه، فإن التعاطي مع ما يصرّح به البطريرك، لا يحتاج إلى التذاكي. موقفه من سوريا، لم يتغير. موقفه من سلاح المقاومة، لم يتبدّل. موقفه من الجنرال عون، موقف أورثوذوكسي، فهو ضده على خط مستقيم، من زمن «حرب الإلغاء». والذين ينتقدون البطريرك، من مطرح ديني او طائفي يخطئون. فهو في هذا المقام، سليل بطاركة سياسيين. منذ نشوء الكيان إلى قيام الساعة... ولقد قامت مراراً.
والذين يعيّرونه بأنه ليس بطريركاً لموارنة لبنان فقط، أو لبعضهم، وأن رتبته تمتد من «انطاكية إلى سائر المشرق» يخطئون كذلك، لأن بطاركة لبنان قبله، فضلوا أن يكونوا من أتباع «مجد لبنان أعطي لبنان». فإنطاكية لقب قديم بلا مدلول. لم يعد في انطاكية «شروى مسيحية». إنها ماض مضى. أما «سائر المشرق»، فمتروك للعنايات الإلهية المتعددة، في صراعاتها الدينية والثقافية والاثنية، ونزوح اهله المؤمنين، بلا رجعة.
المثل السائر يقول: «خوري بالضيعة، ولا كاردينال في الفاتيكان». ومجد لبنان، خير من «صلوات الأتباع». فللرعية رب يحميها.
II ـ الجبة سياسية حتى يوم الأحد
البطريرك صفير، زعيم طائفي لبناني. جبته ليست دينية، كغيره من زعماء الطوائف، ذوي الاجتهادات والفتاوى المتعددة القياسات والاستعمالات. انه، وبهذه الصفة فقط، يلزم أن يُنظر إليه. وكل نظرة أخرى، تصبّ في خانة تحصنه في موقعه الديني. والشبيه يدرك الشبيه. وبهذه الصفة، أناقش، غير محمّل بأعباء إيماني، وفضائل الكياسة الطائفية، ودبلوماسية التكاذب، مدركاً، أن البعض، من أصحاب التصيّد في كل المياه، سيرفعون عقيرة الدفاع عن الدين والطائفة... ويتفق هذا الكلام، مع كيفية التعاطي الضروري مع من هم في خنادق «الطوائف» الأخرى والمذاهب المتعددة.
ولأن النصوص البطريركية، نصوص سياسية، فهي لا تتسم بالرعائية ولا القدسية ولا الإلزام. وعليه، فإن النقاش مفتوح، بلا مواربة.
أولاً: ليس صحيحاً أن بطاركة لبنان، ورجال الدين عموماً، لا يتعاطون، إلا الشأن الوطني العام. (وهو شأن وطني خطير إذا تناولوه من مواقعهم كزعماء طوائف). إنهم تفصيليون بالسر والعلن. يتدخلون في الشاردة والواردة. ينظرون إلى قرارات مجلس الأمن الدولي بعناية، لا تفوقها إلا نظراتهم إلى دقائق السياسة الوظيفية.
يقال، إن كمال جنبلاط، حمل إلى الرئيس فؤاد شهاب اقتراحاً يقضي بضرورة الاعتراف بصين ماوتسي تونغ، ولما كان هذا الطلب فوق الطاقة، فقد استبدله بطلب تعيين موظف في إحدى الدوائر الحكومية.
البطريرك، كأسلافه، يتدخل بالتعيينات. يزورونه لاطلاعه وإقناعه. يدس أوراقاً في جيب مبعوث. يطلب مستشاراً من هنا، دركيا من هناك، عامل بلدية من هنالك. فهو مكتب «وطني عمومي»، ومكتب «توظيف خصوصي». وهو مكتب حراسة وتأمين، لكل من جارت عليه السياسة الانتقامية. بكركي، وسواها من دور المرجعيات الدينية الإسلامية (السنية والشيعية)، حائط مبكى وخندق حماية، وملجأ سياسة.
III ـ خلف القرنة قلنسوة
ثانياً: البطاركة الذين سبقوا البطريرك صفير، في كرسي «مجد لبنان»، ما كانوا محايدين في الصراعات السياسية. كانوا، اذا ضعفت القيادات المارونية المؤثرة في الشارع، يتضاءلون، ثم ينحازون إلى خصوم الزعماء الأقوياء، في الطوائف الأخرى. زعامة البطريرك المعوشي، كانت حليفاً لزعامات سنية، في مواجهة «أبطال المارونية الشارعية». حاولوا أن «يزربوه» في بكركي، فقفز إلى «البسطة». هل يتذكر اللبنانيون ذلك؟ أما عندما يتضاءل حجم الزعامات المارونية، فإن دور بكركي يتقدم ويصبح في الطليعة. فبعد نفي الجنرال ميشال عون، والحكم على سمير جعجع، ودفع امين الجميل إلى باريس. صار البطريرك صفير، الناطق الرسمي القوي، باسم الموارنة، وإليه تتوجه الأنظار.
مترس خلف مواقفه، ولما طلب منه أن يتحرك، أخطأ. فهو، كما قال الأباتي الخبير، لا يتقدم. فعندما طلب منه ان يضع لائحة بأسماء مرشحين لرئاسة الجمهورية، أخطأ مرتين، مرة في عز ما بين حربي التحرير والإلغاء، ومرة أخرى، بعد فراغ الرئاسة من اقامة الرئيس اميل لحود الممدّدة.
IV ـ حضر الأصيل وأهمل البديل
ثالثا: من عادة بكركي، أن تتصدر، إذا كان الوقت ملائماً، كما فعلت مع الحويك مراراً، ومع المعوشي كذلك، أو ان تدفع أمامها من يقوم بواجب التصدي. فبعد حرب التحرير، كان لا بد من رسم مسار لبناني/ مسيحي مختلف. الاحتلال لجم الانتقاد أحياناً. أما بعد التحرير، فقد أفرج عن المكنون السياسي المزمن: «وداعاً للسلاح».
وكان القرار، باستيلاد «قرنة شهوان» وبتدبيج «بيان المطارنة الأول». وكرت السبحة. قامت قرنة شهوان، بقيادة الوكيل، المطران يوسف بشارة بتنفيذ الوصية. البطريرك، هو العين الساهرة، والاصبع المشيرة، والتوجه الواضح. والمطران، مدوزن اللقاءات والمؤتمرات والبيانات، بمعونة اثنين من قدامى اليسار: سمير فرنجية وفارس سعيد.
لكن، عندما حضر الأصيل، تمّ الاستغناء عن البديل فبعد خروج سمير جعجع من السجن، صارت قرنة شهوان، لزوم ما لا يلزم، وصرفت من الخدمة، بعدما كان أتباعها قد تبدّدوا انتخابياً ومصلحياً.
اليوم، تقيم بكركي بالقرب من معراب. بل في معراب. أو ان معراب، هي محراب بكركي السياسي. فيها، «صلوات الحكيم والبطريرك»، تتصعّد، على بخور الهيكل اللبناني، في جوقة واحدة بلا نشاز.
هنا: اكتمل البيان والمعنى.
V ـ البطريرك والجنرال: الخصومة البنّاءة
رابعاً: الجنرال ميشال عون، ماروني بالوراثة، وماروني بالسياسة، وما يقال عن علمانيته، مزحة ثقيلة. هو زعيم ماروني، قاعدته مارونية، وحقل رمايته، المعسكر الماروني المعادي. وهذا ليس جديداً. فبكركي لاعب سياسي داخل الطائفة وخارجها. لذا، اختلفت وحالفت كميل شمعون، اختلفت وحالفت فؤاد شهاب. اختلفت وحالفت شارل حلو. ويذكر لويس الحاج في مذكراته، أن بطريركاً صنّف علاقته بالرؤساء الثلاثة وفق الصيغة التالية:
أ ـ «كنا إذا زرنا كميل شمعون، يكذب علينا».
ب ـ «وكنا إذا زرنا فؤاد شهاب، نكذب عليه».
ج ـ «أما شارل حلو، فكان يستدعينا ليكذب علينا». ويذكر المرجع البطريرك أحداثاً كثيرة، مؤسفة ومضحكة معاً.
البطريرك صفير، ضد الجنرال عون في السياسة. وهذا حقه في بلد الرعايات الطائفية، وإن كان البعض ينكر عليه هذا التعاطي، فلأنه ينطلق من موقع علماني. وبين لبنان والعلمانية، سنوات ضوئية.
لماذا البطريرك ضد الجنرال؟
قبل الإجابة، لا بدّ من توضيح حول منطق الأقليات: الأقليات (الأقوامية، الدينية، الطائفية، العرقية) ليست كتلاً موحدة. ففي داخل كل كتلة أقلوية تاريخية، صراع بين نقيضين: واحد يدعو إلى الانغلاق والتقوقع مربّياً الخوف من الآخر، مستعدياً له. وآخر، يدعو إلى الانفتاح، عبر مد جسور التفاهم واللقاء. وقد تميزت المارونية بهذه الحيوية الدائمة، التي حاول بشير الجميل القضاء عليها، عبر مسلسل من المعارك العسكرية، التي حاول فيها، القضاء على التعدد الماروني/ المسيحي. عبر شعار توحيد البندقية، وأمن المسيحيين فوق كل اعتبار.
انتهت تجربته بمصرعه. وعاد الصراع إلى أوجه، بين ورثته، ومن آل بيته، وحملة بندقيته، واستمر واستفحل حروباً وتصفيات تركت آثاراً لم تندمل بعد، والصراع بين عون وجعجع، جزء منه. البطريرك، ينتمي إلى منطق الخوف. هو خائف من سوريا على لبنان. من الشيعة على لبنان. من ايران على لبنان. من سلاح حزب الله على لبنان. (ولا مرة هو خائف من الولايات المتحدة على لبنان، من إسرائيل على لبنان، من... على لبنان». أما الجنرال عون، منطلقاً من قاعدة مارونية، وارثة للثنائية، فقد أبرز الحاجة إلى الانفتاح، فصار خائفاً على لبنان من التقوقع، ولم يعد خائفاً من حزب الله بل صار إلى جانبه من الموقع الصعب. ولم يعد خائفاً من سوريا، فهي في حدودها ونحن جار لها. حيث يخاف البطريرك، ينام الجنرال مطمئناً. ورقة التفاهم مخدّته وأحلامه وردية. وهنا تحديداً، يرى البطريرك انه نوم بين القبور، ومجلبة للمنامات الموحشة.
VI ـ القدس وطهران وبكركي
خامسا: موارنة فلسطين وسوريا، أقرب منهما، موارنة قبرص والبرازيل والقارات السبع. والمقصود بالقرب والبعد، ليست المسألة الرعائية الدينية، بل المسألة السياسية. الموارنة في سورية وفلسطين لا يشكلون عدة سياسية. العدة السياسية حيث للموارنة اتجاهات «ليبرالية، أميركية، غربية» غير منقوصة، ومعبر عنها علناً. هو مع اللوبي الماروني، وهو لوبي فاعل. استند إليه الجنرال عون، إبان عبوره الأميركي، إلى قانون محاسبة سوريا، الذي مهّد للقرار 1559، والذي سهّل خراب لبنان.
موارنة الأطراف، عليهم بالصلاة والطاعة والزواج والموت وفق الطقس الماروني. وإذا قرروا أن يكونوا موارنة في السياسة، فلكي يكونوا أتون الحرب، ووديعة التفاوض عن الطوائف الأخرى.
الجنرال عون، لا يرى موارنة الأطراف، عملة سياسية. فهو لم يقبل أن تكون جزين، طائفيا، ملحقة بالزعامة الشيعية... ولقد نجح نجاحاً طائفياً باهراً.
أخيراً، نأتي إلى قضية سلاح المقاومة. من فوجئ بهذا التصريح، إما يستغبي نفسه أو يستغبيه الآخرون. البطريرك قائد من قيادات الاعتدال العربي، مارونياً. فهو مثله مثل أنظمة الاعتدال، بقياداتها الاسلامية. لا ينطلق من دين او طائفة. ينطلق مما شبّه لهم أنه مصلحة لهم. لا علاقة للمسيح ومار مارون بذلك. الموقف، مبعثه حسابات سياسية، وثقافة موروثة، مفادها ان الغرب ملاذنا وأميركا بيديها 99% من أوراق القضية.
لذا، عندما طلب من البطريرك ان يوافق على عقد قمة من أجل القدس، وقد طلب منه ذلك مراراً، ربط القدس (المتفق عليها حسب رأيه) بالخطر على لبنان. كأنه يقول، الخطر الايراني على لبنان، أكبر من خطر اسرائيل على المقدسات.
هذا ليس شاذاً ولا غريباً. فمعسكر الاعتدال العربي، وفريقه اللبناني موزع بين سنة كثر وموارنة «فيفتي، فيفتي» ودروز غب الطلب والاتجاه المناسب، وشيعة ندر ان تجد منهم منتمياً بفعالية إلى الاعتدال.
لذا. يلزم التعامل مع البطريرك سياسيا بالسياسة، وعليه ان يتحمل تبعة هذه السياسة. مارونياً ووطنياً. وطالما ان البلد طائفي، فله كامل الحق، في ان يخدم الهيكل كما يشاء أو يهدم الهيكل إذا رغب.
VII ـ الصمت عبادة
أخيراً لا بد من خاتمة.
زار نيكوس كازتنتراكيس جبل آتوس، حيث يتنسك فيه رهبان، انصرفوا إلى عبادة ربهم بالصلاة والصوم والصمت ولما سأل كبيرهم الناطق، كيف تعبدون ربكم وأنتم لا تتكلمون؟ قال: نحن نعبده كالملائكة. فالملائكة لا أفواه لها. تعبد الله رقصاً.
وفي الغرب، اختارت مجموعة من الرهبان العزلة، كي تنصرف إلى العبادة بالصمت. انهم الآباء الترابيست (Les pères trapistes). يعيشون بصمت مطبق.
لا نستطيع ان ننصح رجال الدين في لبنان، ان ينضموا إلى هذه الطائفة من الكهنة، ولكن، نستطيع أن نتمنى لو أنهم يفتحون أبواب الثروات المالية والعقارية الدهرية، ليوزعوها على الفقراء. أمنية على المرجعيات، من كل الطوائف والمذاهب. الزمن الطائفي يوحي بأن لبنان في موسم «ربيع البطريرك وخريف الوطن».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018