ارشيف من :أخبار لبنانية
كي لا ننسى : 61 عاماً على ارتكاب العدو الصهيوني مجزرة بلدة "حولا" التي سقط خلالها 81 شهيداً
عبد الناصر فقيه - "الانتقاد.نت"
في ليلٍ من آخر أيام تشرين الأول / اكتوبر، قبل 61 عاماً وقعت مجزرة حولا ، التي راح ضحيتها 81 شهيداً من ابناء البلدة، المجزرة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في البلدة الجنوبية الحدودية، جُمعت وقائعها واحداثها من شهادات الناجين من هولها في ظل الإهمال الرسمي في ذكر أفظع مجزرة ترافقت مع بدء قيام وتأسيس كيان العدو الإسرائيلي .
يروي شاهد عيان نجا من المجزرة الوحشية ، فيقول "في 31/10/1948 فوجئنا بجيش يطوق البلدة من جميع الجهات ويرتدي بعضه الزي العربي "الكوفية والعقال" والأكثرية الساحقة من هذا الجيش آتية من جهة الشمال، من ناحية قرية مركبا وكانت الساعة حوالي السادسة صباحا فاعتقد أهالي البلدة أن جيش الإنقاذ، الذي أسسته الأنظمة الرسمية العربية لإنقاذ فلسطين، قد عاد من جديد".
"وأول من استقبلهم بسلاحه الشهيد "كامل الحاج خليل علي حسين" ووصل شمالي "بركة الحجر" بحوالي مائة متر أي في أول "التلة" المؤدية لوادي البياض، فالتقى بهم واعتقلوه على الفور وكان خلفه العديد من أبناء البلدة ، وبدأت تتكشف المفاجأة بحقيقة الجيش القادم ، وتجلى ذلك باللغة العبرية التي بدأوا يتحدثون بها، ولكن الأوان كان قد فات فحوصر أهل القرية، واعتقل البعض منهم وكل من أفلت من الطوق أخذ يصرخ على مدى صوته "يهود ... يهود.... أهربوا".
"في ذلك اليوم المشؤوم دخل العدو وأخذ يعتقل كل من صادفه في طريقه، رجالا ونساء على حد سواء وكان على رأس هذا الجيش الغازي فرقة "الهاغانا" بقيادة السفاح مناحيم بيغن، الذي اصبح فيما بعد رئيساًً لوزراء العدو، وقد تم وضع النساء في بيت المرحوم "حسن محمد سعيد مزرعاني" وأطلق سراحهم في آخر النهار في اليوم الثاني للاعتقال. وأما الشباب والرجال المعتقلون، فوضعوا في بيت المرحوم فارس حسين مصطفى وأطلق النار عليهم فردا فردا ونسف المنزل عليهم، وبالرغم من هذا نجا اثنان هما الحاج "حسين محمد ظاهر" واستطاع أن يصبر على آلامه ويزحف عن طريق القرقاف ووصل إلى المجدل وتمثل للشفاء".
"ولم يعد أمام الناس سوى الرحيل وترك أرض البلدة إلى البلدات المجاورة بعد أن فقدوا أمل الرجوع بسبب تصرفات الغزاة . ولم ينته فيلم الإبادة عند هذا الحد بل ازداد ضراوة عند وصول العدو إلى رأس المطل وأصبح الجميع تحت نيران أسلحته، وأذكر أنني وصلت مع والدي وشقيقتي إلى "جلالي الفوعاني" في الوسيطة ووجدنا والدتي هناك مع حشد كبير يلوذ بين الصخور طلبا للنجاة وأصوات البكاء والعويل تصم الآذان . حيث لا أحد يعرف عن أهل بيته شيئا، وبقينا هناك والرصاص مستمر بالهطول كالمطر الغزير وحوالي الساعة الثانية عشر علت أصوات النحيب وعلمت أن المرحومة "آمنة الغني" قد أصيبت ولم يكن بالإمكان إنقاذها فنزف دمها وفارقت الحياة وجعلها العدو هدفا يرمى على كل من يقترب منها...".
"ووصلنا إلى شقرا قبل مغيب الشمس أما والدتي فقد سلكت طريق خلة النبعة وصادف مرورها قرب المرحوم حسن محمد خليل أيوب وهو مثخن بالجراح ويستغيث دون معين فتقدمت منه والدتي ولم تستطع أن تقدم له شيئا وقد جعله العدو هدفا فقال لها وهو يضم يده نحو بطنه مكان الإصابة أنجي بنفسك ودعيني...وعند المساء وصلت والدتي إلينا واجتمع شمل العائلة بعد رحلة العذاب والألم".
"وفي اليوم التالي بدأت خيوط المجزرة تتضح أولا بأول حيث وصل العديد من النساء اللواتي أطلق سراحهن وكثير من الرجال الذين ظلوا داخل الطوق واختبئوا في أمكنة وسلموا من الموت المحقق وشاهدوا طبيعة المأساة الرهيبة و رووا تفاصيلها بحسرة وألم".
"وهؤلاء الناجون من المجزرة ، شهدوا للناس و أمام الله على آكلي لحوم البشر الذين خلت قلوبهم من الرحمة وتحجرت حتى أصبحت جمادا لقسوتهم وفظاعتهم وعلى سبيل المثال ما حصل مع حسن وأخيه توفيق دغمان عندما اعتقلهم العدو وعرفهما شقيقين فقال لهما نريد أن نقتل أحدكم فتخيروا، وكل واحد منهم قال اقتلوني أنا واتركوا أخي فقتل الاثنين معا وهذا ما نقلته النسوة اللواتي كن على مقربة منهما، وحوادث كثيرة تقشعر لها الأبدان لما فيها من الحقد والعنصرية التي طبعت خصائل الصهيونية".
"والمأساة التي شهدتها البلدة تضاعفت مع الإهمال الرسمي بالتعاطي مع قضية بهذا الحجم ، حيث أسكن معظم أهالي البلدة النازحون في بيوت من الصفيح بمخيم أقيم على عجل في ضبية ومكثوا فيه لمدة ستة أشهر، قرورا بعدها العودة في أوائل ايار 1949 مستغلين توقيع اتفاق الهدنة بين لبنان والكيان الصهيوني."
"وعاد المواطنون إلى منازلهم فوجدوها خرابا يبابا، فنصبت الخيم على أطلال البيوت وبدأ الناس بترميمها، وأول خطوة قام بها أهالي البلدة هي شراء قطعة أرض من ملكية "محمد رشيد أيوب" فقاموا بتأهيلها لاستقبال جثث الشهداء المطمورة في مقبرتين جماعيتين".
"وبعد ثلاثة أيام من العودة إلى البلدة بدأت وفود من القرى المجاورة تأتي لتشهد على بصمات العدو وممارساته. ، وبدأت الناس بترميم منازلها المهدمة وقررت الدولة تقديم مبلغ ثلاثمائة ليرة عن كل شهيد ما اثار حنق الأهالي الذين أقاموا فيما بعد مهرجاناً تكريمياً لشهدائهم في مسجد البلدة حضره العديد من الأدباء والشعراء..".
ويذكر أن عدوانية الصهاينة ضد حولا لم تقف عند هذا الحد بل استمرت وبشكل متقطع ومن لم يستشهد في المجزرة، استشهد وهو يحرث أرضه بلغم هنا وآخر هناك ومن نجا سقط بفعل شظية أو رصاصة من حمى نار العدو الغاشم. واستمرت الاعتداءات على البلدة قصفاً وتدميراً منذ العام 1956 حتى عام 1978 تاريخ الاحتلال الثاني للبلدة، ووقعت اعتداءات ذهب ضحيتها العشرات. وفي عدوان آذار 1978 بدأ العدو ممارساته بحق أبناء البلدة مرة جديدة وباحتلال مقنع بالعملاء والمأجورين ممارساً كافة أنواع البطش والاعتقال والتهجير إلى حين بزوغ فجر التحرير في أيار من العام 2000 .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018