ارشيف من :أخبار لبنانية
بارود على الحدود: أي دلالات سياسية وأمنية؟
عماد مرمل - صحيفة السفير
لو كان لبنان بلدا طبيعيا، يسير فيه عمل الدولة وفق منطق الأشياء وبديهياتها، لكانت زيارة وزير الداخلية زياد بارود إلى الشريط الحدودي خبرا عاديا، يمر مرور الكرام. لكن، وبما أن الدولة تقاطع الجنوب عموما، وبلداته الحدودية خصوصا، منذ عقود من الزمن، قبل التحرير وبعده، قبل حرب تموز وبعدها، فإن الجولة التفقدية التي قام بها وزير الداخلية للمنطقة، شكلت حدثا بحد ذاته.
لقد زار بارود منطقة تقيم فوق برميل بارود، وتقع على خط تماس إقليمي ـ دولي، منذ ان نشأ الكيان الإسرائيلي فوق أنقاض فلسطين المحتلة، وبالتالي فهي موضوعة بحكم الجغرافيا السياسية تحت مجهر العديد من العواصم الخارجية التي تكاد تحصي أنفاس الجنوبيين لئلا تتجاوز الخط الأزرق. وحدها السلطة اللبنانية قررت الانكفاء منذ زمن بعيد، لتترك مسؤولية المواجهة المفتوحة مع العدو مناطة بأهل الجنوب وحدهم، بل لعلها كانت تشكل في أحيان عدة عبئا إضافيا عليهم، إما بفعل التخاذل وإما بفعل التواطؤ.
من هنا، جاءت جولة بارود الحدودية التي امتدت من رميش حتى مارون الراس وما بينهما، معطوفة على زيارتين لوزيري الأشغال غازي العريضي والاتصالات جبران باسيل قبل فترة وجيزة، لترمز إلى طلائع حضور مستعاد وغير مألوف للسلطة بمفهومها الرعائي في تلك البقعة اللبنانية المهملة.
وإذا كان حزب الله وحركة أمل قد ساهما بفعالية في تنظيم «عملية الإنزال» هذه لبعض رموز الدولة خلف خطوط الإهمال الرسمي المزمن، إلا ان ذلك لا يقلل من أهمية الدلالات التي ينطوي عليها تجاوب هؤلاء الوزراء مع المسعى الذي بُذل للمباشرة في إعادة وصل الشريط الحدودي بنسيج الدولة.
ولعل خطوة بارود كانت الأغنى في الدلالة والرمزية، لما يمثله على المستوى السياسي والأمني، فهو بداية أول وزير للداخلية يزور الشريط الحدودي في مهمة عمل منذ الستينيات، ثم إنه يمثل «الرأس السياسي» للأجهزة الأمنية التي تولت كشف شبكات التجسس الإسرائيلية في الأشهر الماضية، الأمر الذي جعل وجوده على «أرض المعركة» في الجنوب يكتسب نكهة خاصة، لا سيما إذ تزامن مع إعلان أحد قادة العدو صراحة عن نية مواصلة ممارسة أعمال التجسس في لبنان، ما استدعى ردا مباشرا من بارود على هذا «الكلام الوقح» كما وصفه، مؤكدا التصميم على الاستمرار في استئصال الأورام الإسرائيلية الخبيثة من الجسد اللبناني. بدا واضحا، بين سطور هذه الرسالة، أن لا مجال ليربح أي رهان إسرائيلي على جعل الحكومة اللبنانية في موقع نقيض للمقاومة.
وإلى ذلك كله، فإن «القيمة المضافة» التي اختزنتها زيارة بارود، تعود في جزء أساسي منها إلى كونه يمثل ـ من حيث التصنيف السياسي ـ رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وهو محسوب على فريقه الوزاري الحالي و«اللاحق» في الحكومة، وبالتالي فإن تجوال وزير الداخلية في بلدات رميش وبنت جبيل ومارون الراس وعيناتا وإطلاقه مواقف تضامنية حارة مع المقاومة، إنما يعبر عن رسالة سياسية بليغة المغزى، ويعكس قرارا على أعلى المستويات في لبنان، وتحديدا من رئاسة الجمهورية، بوجوب استمرار التناغم بين المقاومة والدولة، بعيدا عن التجاذبات الحاصلة حول السلاح ووظيفته، وما يرافقها من مواقف مثيرة للجدل، كتلك التي صدرت مؤخرا عن بعض المراجع الروحية.
في هذا السياق، يصبح لكل محطة في جولة بارود مغزى. لقد وضع أكليلا من الزهر على ضريح اللواء الشهيد فرنسوا الحاج في رميش، وزار روضة شهداء حرب تموز في عيناثا. هي إشارة لا لبس فيها إلى التكامل بين تضحيات الجيش والمقاومة ودورهما في حماية لبنان إزاء الخطر الإسرائيلي، وهذا مؤداه أن تعايشهما ممكن وليس هرطقة.
الإشارة الأخرى، الممتلئة بالمعاني، تكمن في زيارة بارود لـ«عاصمة» حرب تموز، مارون الراس حيث وقعت أعنف المواجهات مع العدو الإسرائيلي. كان وزير الداخلية يستمع بشغف وحماسة إلى التفاصيل التي كانت تروى له حول وقائع المعارك في تلك البلدة التي ذاع صيتها منذ تموز 2006 ، وحتى يكتمل المشهد تفقد بارود مربع «الصمود والتحرير» الذي يحتفظ بحكايات 33 يوما من الصمود والعناد.
وبما يتجاوز رمزية الأمكنة، جاء كلام بارود السياسي من بنت جبيل ليترجم «الإيحاء» إلى موقف قاطع لا يحتمل الاجتهاد في التفسير: «كلنا جزء من هذه الحالة المقاومة، وأمام مسؤولية وطنية لحماية هذا الوطن، وإذا شاءت الأمور أن تكون بنت جبيل منطقة حدودية، فمن واجبنا أن نأتي إليها داعمين كي نحصن هذا الموقع الوطني لنكون إلى جانب المقاومين الذين دفعوا الثمن غاليا بالنيابة عن كل لبناني، وأنا أقول لهم: شكرا». وقد ترك هذا الكلام الكثير من الارتياح لدى قيادة المقاومة وجمهورها، كما لدى نواب حزب الله وحركة أمل، وخصوصا انه جاء بالتزامن مع قراءات أخرى لدور المقاومة وانتمائها، اتسمت بالسلبية الشديدة، ما أوحى وكأن موقف وزير الداخلية جاء تلقائيا، ليصوّب النقاش حول هذا الملف.
ويبدو أن حركة الوزراء تجاه العمق الجنوبي، مترافقة مع لقاءات عقدت بين ممثلين عن حزب الله وحركة أمل ومسؤولين أمنيين، إنما تندرج في إطار قرار متخذ من قبل التنظيمين بالعمل على تفعيل حضور الدولة وأجهزتها في المناطق المحسوبة عليهما، من الشريط الحدودي الى البقاع مرورا بالضاحية الجنوبية، وعُلم أن قيادات التنظيمين تبذل جهدا دؤوبا لتحفيز الوزارات والإدارات على تحمل مسؤولياتها تجاه المناطق المشار إليها.
وحسب المعلومات، فإن قيادتي الحزب والحركة أبلغتا كل المعنيين الرسميين بأنهما لا ترغبان في ممارسة أي شكل من أشكال السلطة على الأرض وأن الغطاء مرفوع عن كل مخالف للقوانين العامة، ومن المتوقع في هذا الإطار تزخيم عمل الأجهزة الأمنية المختصة في مناطق نفوذ التنظيمين، وخصوصا في الضاحية الجنوبية، لملاحقة جرائم القتل والسرقة وتعاطي المخدرات ومخالفات البناء والسير وما شابه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018