ارشيف من :أخبار لبنانية
ما وراء العودة الى إثارة موضوع سلاح المقاومة؟
كتب ابراهيم صالح
فجأة وبلا اية مقدمات، ومن دون ان يكون هناك اسباب او مبررات، تنفتح مجموعة "ابواق" لبنانية ضد سلاح المقاومة، ويستحضر هذا الموضوع، كمادة سجال رئيسية، أعادت الى الذاكرة المرحلة التي انصرمت وكان فيها هذا الامر "سلعة" يومية لرموز معروفة واخرى مجهولة من فريق 14 شباط.
ان يُستعاد هذا الموضوع الى الواجهة مجدداً، وبشكل مكثف ومنظم بدأ مع كلام ادلى به البطريرك الماروني، امر ليس بريئاً وليس عابراً، بل هو مقدمة لأمر ما وملاقاة لـ"هجمة" من الخارج على سلاح المقاومة.
اذ ان ثمة "هجوما" منسقا ومعدا، له "مايسترو" وله عازفون وزعت عليهم الادوار والتعليمات وكلمات السر.
وثمة اكثر من دليل قاطع وبرهان ساطع عن ان هناك "خطة دُبرت في ليل اعدت بعناية من وراء اثارة مفتعلة لقضية كانت قد ازيحت من دائرة النقاش والتناول كجزء من "تفاهم" وطني عام، بدأ سريانه عملياً منذ ما بعد الانتخابات النيابية، وعنوانه الرئيسي طي صفحة الموضوع الى حين يأتي زمن انعقاد طاولة الحوار الوطني التي يتعين ان يدعو اليها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لاستكمال ما صار يعرف بأنه "الاستراتيجية الدفاعية الوطنية" التي يتعين ان يكون هدفها الاقصى، التنسيق بين قدرات المقاومة من جهة ومقدرات الجيش الوطني من جهة اخرى، لكي يكون للبنان قوة دفاع، تؤمن له مظلة الامان والحماية من الاعتداءات والاطماع الاسرائيلية التي لا يختلف اثنان على وجودها حاضرة في الذهن الصهيوني، وقد جاهر بها مراراً وتكراراً منذ نشوئه.
وأبرز الخطوط العريضة لهذه الخطة:
ان يبدأ الحديث عن "سلاح المقاومة" مجدداً من مستويات عليا، وبالتحديد من بكركي، لتشرع بعدها الابواق المعروفة من سمير جعجع الى "الامانة العامة" لفريق 14 آذار الى سواهم.
ان تتلاقى هذه الاصوات النشاز مع الحملات الخارجية التي بدأت بكثافة على سلاح المقاومة التي بدأها قادة العدو الصهيوني، واكملها تقرير تيري رود لارسون ناظر القرار السيئ الذكر 1559، وتوّجها تقرير الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن القرار 1701، فضلا عن تصريحات مساعد وزير الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان.
واللافت ان هؤلاء جميعاً استخدموا التعابير نفسها والمصطلحات نفسها وكأن ثمة جهة واحدة، او شخصا واحدا قد اعطى الضوء الاخضر لـ"بدء الهجوم".
الحديث عن سلاح المقاومة، جاء مواكباً للتبرير الواهي والبلا سند الذي قدمه فريق 14 آذار عن الاسباب الحائلة دون ولادة حكومة الوحدة الوطنية، علماً ان الجميع بات يسبر "الاغوار" الحقيقية للجهات التي ما برحت تؤخر هذه الولادة، والمتمثلة اولاً واخيراً برغبة فريق الموالاة بمحاولة تسجيل "نصر سياسي" على زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون، لمصلحة مسيحيي 14 آذار، الذين يعانون وضعاً يزداد حراجة كلما لاحت في الافق تباشير قرب ولادة الحكومة الموعودة.
لم يعد خافياً على احد ان مسيحيي 14 آذار كانوا طوال الفترة الماضية يسخرون من كل خطابهم السياسي، لكي يظهروا ان "صلابة" العماد عون واصراره على نيل حقوقه الشرعية المكتسبة بمشاركة حقيقية ووازنة ومؤثرة في حكومة الوحدة الوطنية، وكأنها "مكابرة" يقف وراءها "حزب الله"، وهو اسلوب ممجوج دأب هذا الفريق على اتباعه منذ زمن بعيد بغية ضرب عصفورين بحجر واحد، الاول ان حالة التيار الوطني الحر وزعيمه في الساحة المسيحية ـ وهي حالة واسعة ومتجذرة وفق ما أظهرته نتائج الانتخابات ـ انما هي حالة عابرة تستقي مبرر وجودها من طرف آخر، والثاني ان تأخر ولادة الحكومة انما هو نتيجة رغبة العماد عون وحلفائه في عدم قيام الحكومة.
ان اثارة موضوع سلاح المقاومة في هذه المرحلة بالذات تأتي كمحاولة واضحة وجلية من رموز فريق 14 آذار بغية ازاحة الانظار عن عجزه عن المهمة التي تصدى لها منذ ما يقرب من خمسة اشهر، لتأليف الحكومة الاولى في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية، وهو عجز أظهر ان هذا الفريق غير قادر على تسوية الاوضاع، وحلحلة المشاكل وازاحة العقد لتأليف حكومة، وادارة الاوضاع السياسية والادارية في البلاد.
ان مسيحيي 14 آذار ولا سيما فريق "القوات اللبنانية" الذي شرع في هذه المهمة القذرة، وهي الهجوم مجدداً على سلاح المقاومة لكي يحشر الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري في الزاوية، ويجعله "اسير" اطماعه السياسية البلا حدود، ويجعله غير قادر على التفكير بشكل مستقل وعلى مستوى وطني، ولا سيما ان الحريري عبر مراراً في مجالسه الخاصة عن رغبته في ان يكون رئيس وزراء لكل لبنان.
كذلك لم يعد سراً ان الحريري بعث في المرحلة القصيرة الماضية اكثر من رسالة الى من يعنيهم الامر بأنه يتحسس بوطأة علاقة التحالف التي تربطه بمسيحيي 14 آذار وبثقل طلباتهم ومطالبهم منه.
لا بل ان ثمة معلومات تؤكد انه طلب من اكثر من جهة معاونته على مواجهة ضغوط هذا الفريق وشطحاته.
ان هذا التزامن والتنسيق الواضح بين اثارة الجهات الخارجية لموضوع سلاح المقاومة واثارة مسيحيي 14 آذار لهذا الموضوع، يؤكد مجدداً حقيقة جلية وهي ان هؤلاء صاروا هم رأس الحربة الاميركية في لبنان الجاهزة لايصال الامور اما نحو التعطيل او نحو تفجير الساحة واغراقها في مشاكلها وتناقضاتها، منعاً لبلوغها حال الاستقرار والتوافق.
وهكذا اظهرت التطورات في لبنان في الآونة الاخيرة، صحة ما ذهب اليه الكثيرون في السابق بأن فريق "القوات اللبنانية" انما اعيد اليه الاعتبار واعيد الى الواجهة وموّل وأُمن له النجاح في بعض الدوائر الانتخابية لكي يكون استثماراً يوظف في مثل هذه المهمات القذرة، وذلك انسجاماً مع تاريخه القائم بالاصل على ان يلعب منذ نشوئه دور "مخلب القط" للمشروع الاميركي- الغربي- الاسرائيلي.
والواضح ان ثمة جهة دينية عليا في لبنان باتت مهمتها الان تأمين غطاء سياسي لهذا الفريق بغية امرين اثنين: الاول، الشروع بدور التعطيل وتعكير الاجواء الداخلية والحيلولة دون بلوغها مرحلة الاستقرار وتأليف حكومة الوحدة الوطنية، والثاني السماح لها بالتسلح.
والملاحظ في هذا الاطار ان الاسلوب نفسه استخدمته مرجعيات دينية وسياسية عشية اندلاع الحرب الاهلية في لبنان في عام 1975 فهي تذرعت بالوجود الفلسطيني لتشكل ميليشيات وتبدأ بالتسلح وصولا الى تفجير الحرب الاهلية.
وفي كل الاحوال لم يعد جديداً القول ان مثل هذا "النفخ" في النار، انما يعود دائماً على صاحبه بالوبال وبالخسران المبين والتجربة اكبر برهان. فلماذا العود على بدء في المغامرات التي تنتهي عادة بالخسارة والندم؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018