ارشيف من :أخبار لبنانية

خاص "الانتقاد.نت: أنشطة في "أرضي 2009"

خاص "الانتقاد.نت: أنشطة في "أرضي 2009"
بين غزل الصوف وصناعة المكانس: حرف مهددة بالانقراض


فاطمة غملوش

خاص "الانتقاد.نت: أنشطة في "أرضي 2009"


في معرض "أرضي 2009"، ومن بين الأنشطة المميزة التي تقام فيه، تجده بين كومة من القش الخشن والناعم، وعلى كرسي صنعته يداه الصغيرتان في العام 1976، يجلس الحاج أبو علي خطار ليصنع جميع انواع المكانس اليدوية. وفي صورة اخرى، امرأة تدعى نهى حيدر احمد، اعتادت اناملها منذ سنيها العشر على حمل الصنارة وخيطان الصوف لتغزل آلافا من شتى انواع الملابس الصوفية.
من الغسانية تبدأ الحكاية
في قضاء صور، وعلى مقربة من منطقة الزهراني، ثمة قرية تدعى الغسانية اشتهرت منذ العام 1940 بصناعة المكانس. ويروى ان اهالي الغسانية تعلموا هذه الحرفة بعدما نقلها لهم احد ابناء القرية الذي عمل لفترة عند رب عمل ارمني اختار حرفة صناعة المكانس مصدرا لعيشه. ولم يمض وقت طويل حتى تحولت اعمال غالبية اهل القرية نحو هذه الحرفة.
وهكذا، ولد الحاج ابو علي وتربى وكبر وصارت صناعة المكانس جزءا من حياته لا قدرة له على التخلي عنها. وبالرغم من ان مرور الزمن وسياسة الاستيراد غير المدروسة وتطور بعض الصناعات قد خفض كمية المكانس المنتجة في بلدة الغسانية من 12 الف مكنسة ومقشة يوميا في العام 1980، الى 500 في الوقت الحالي، إلا ان سبعة اشخاص فقط ما زالوا متمسكين بهذه الحرفة لدوافع مختلفة.

خاص "الانتقاد.نت: أنشطة في "أرضي 2009"

متمسك بالمهنة كي أعيش

الأدوات التي يستخدمها صانع المكانس:


القش: بنوعيه الناعم والخشن وهو غالباً ما يستورد من الخارج لانعدام زراعته في لبنان

السيخ: لتقطيع الخيطان

الميبر: لخياطة الخيطان في المكنسة

الزيار: وهو عبارة عن قطعتين من الخشب، تشد به مجموعة القش المجمعة لتسوى على المستوى نفسه 

"للصراحة اعمل فيها تحت الامر الواقع، فائدتها قليلة، وكذلك مردودها المالي، والعمر لم يعد يسمح بالانتقال نحو مهنة اخرى". بهذا الكلام يبرر الحاج ابو علي، الذي ربى اولاده السبعة من نتاج هذه الحرفة، استمراره فيها، ويكمل قائلا "الواقع تغير، اليوم كل القش الذي نستخدمه مستورد من سوريا، ولانها البلد الام لصناعة القش فإن صناعة المكنسة السورية تصبح اقل كلفة، وهنا تشتد المنافسة وتتراجع اهمية صناعتنا".
وبكل ثقة، فإن ابن هذه الحرفة الذي امضى اكثر من اربعين عاما من عمره فيها، يفاخر بما تنتجه يداه، " فانظف المكانس انا الذي اصنعها، واستطيع من شكل المكنسة ان ادلك على صانعها من ابناء القرية". إلا ان العمر المتبقي لهذه الحرفة قد شارف على الانتهاء، فالحرفيون السبعة الذين ما زالت ايديهم تصنع المكانس في الغسانية قد تجاوزت اعمارهم الخمسين، والجيل الطالع عازف عن تعلمها، ولعل اصدق انباء يصدر من الذين يعيشون الواقع. وهنا يقول الحاج ابو علي: " بعد 15 عاما لن ترى في الغسانية اثرا لصناعة المكانس".
50 سنة وأنا أغزل الصوف
خاص "الانتقاد.نت: أنشطة في "أرضي 2009"


كانت نهى طفلة في العاشرة من عمرها تسترق النظر الى ابنة الجيران وهي تغزل بين يديها قطعا من الصوف. كان المشهد يجذبها باستمرار حتى جاء اليوم الذي اشترت لها والدتها فيه صنارة ومجموعة من الخيطان وتركتها تعيش لذة تمنتها في الطفولة ورافقتها حتى هذه الايام.
الحاجة نهى اليوم أم لخمسة ابناء، الا ان لها وحسب قولها ابناءً آخرين: " ففي كل بيت من علمات ـ وهي قريتها ـ طفل غزلت له قبعة او ثوبا او زوجا من الجوارب أو شالا...".
وهي اليوم تعيش في منزلها في قريتها علمات الواقعة في قضاء جبيل يوميات تتحكم بمسارها الصنارة وخيطان الصوف. فعند الصباح تستيقظ الحاجة نهى، ترتب منزلها وتنصرف سريعا لتحضير فنجان القهوة الذي يرافق غزل الجزء الاكبر من الثوب الذي اختارته لهذا اليوم، لتستكمل غزل ما تبقى بعد الظهر وفي المساء. وعند الليل، وبعد انجاز "المهمة اليومية"، تغفو الحاجة نهى وهي تحدد تصميم ولون الثوب الذي ستغزله غدا.
أراقب السوق وأبيع لأربعة تجار

خاص "الانتقاد.نت: أنشطة في "أرضي 2009"


لا تخفي الحاجة نهى انها تتابع احدث التصاميم من شاشات التلفاز والمجلات لتغزل "قطعا مميزة" على حد قولها. وهي في غزلها للاثواب تستخدم ما يتجاوز المئة قطبة. والقطبة عبارة عن شكل يربط خيطان الثوب بعضها ببعض وفق شكل نمطي مكرر. ولهذه القطب اسماء منها: قطبة الجدلة، قطبة الجكار، القطبة المقلوبة، قطبة الفرفورة، قطبة حبة الرمان، قطبة الوردة وغيرها...
الـ"بروفسورة" في غزل الصوف، حسب اللقب الذي تطلقه على نفسها، تنتج يوميا ثوبا مع ملحقاته من قبعة وجوارب وشالات في بعض الاحيان، وعليه فإنها تسلم انتاجها شهريا لاربعة متاجر في منطقة جبيل، عدا الجيران والزبائن الذين يقصدون منزلها للشراء أو "تسليمها قائمة بالتواصي المطلوبة".
مهارة الحاجة نهى في غزل الصوف جعلتها تختلق اشكالا ومجسمات تضفي على المنزل الوانا ورونقا يعيد الناظر اليه الى عراقة هذه الحرفة النادرة.
وانت تنظر اليها والى خيطان الصوف تغزل بسرعة بين اناملها، تفاجئك الحاجة نهى انها قد تغمض عينيها وتكمل عملها من دون أي فرق يذكر.


ـ الصور بعدسة موسى الحسيني ـ

2009-11-05