ارشيف من :أخبار لبنانية

لدينا كل شيء، ولا شيء

لدينا كل شيء، ولا شيء

يصاب اللبنانيون بالإحباط وهم يرون «المفاوضات» في سبيل تشكيل الحكومة تطول من دون مبرر جدي، أو من دون أسباب معروفة. يصاب اللبنانيون باليأس وهم يرون الصراع حول تشكيل الحكومة لا يدور حول قضايا الناس وبرامج العمل وانتقاء الكفاءات التي يتولى أصحابها الوزارات، بقدر ما هي المنافسة من اجل الحصص وأوهام القوة لدى كل فريق في مواجهة الاطراف الأخرى. يعلم اللبنانيون ان هذا السلوك لدى الطبقة السياسية هو الطريق الى العجز والشلل في معالجة القضايا التي يجدر التصدي لها.

ما عاد امراً مهماً بالنسبة لنا أسماء الوزراء ولا كيف تتشكل الحكومة. المهم ان تتشكّل حكومة ما، وان تضع برنامجاً لاستخدام الإمكانات. الإمكانات المتاحة كثيرة، لكن الحرمان هو الشائع؛ وهذا ما يبعث على القلق. لدينا الكثير مما لا نستفيد منه، وهذا هو الهدر الذي يكاد يبلغ حد التدمير الذاتي.

ـ لدينا نظام كهرباء يفي الحاجات واكثر، لكن التيار الكهربائي لا يصل الى المنازل ونقاط العمل الا متقطعاً.
ـ لدينا نظام اتصالات هاتفية (ارضي وخلوي) متقدم وحديث، لكننا نفتقد كثيرا من الخدمات الاعتيادية. وهناك مئات آلاف الخطوط المدفونة تحت الأرض دون استخدام.
ـ لدينا الطرقات، لكنها تفتقر إلى الصيانة والتنظيم وتزدهر بزحمة السير.
ـ لدينا عدد كبير من المستشفيات والأطباء والتجهيزات دون خدمة صحية للعموم. كثير من الناس يتسولون الطبابة.
ـ لدينا الكثير من مؤسسات الرعاية الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، وانفاق الدولة على ذلك مقبول، لكن شبكة الاطمئنان الاجتماعي مفقودة.
ـ لدينا الكثير من المدارس والاساتذة والجامعات، لكن التعليم في غالبيته حكر على الطوائف ومؤسساتها والطبقة الرفيعة ومدارسها. ليس لدينا نظام تعليمي موحد يعتبر التعليم حقاً للناس لا امتيازات تمنح لهم.
ـ لدينا الكثير من المياه الجوفية والسطحية التي تذهب هدراً الى البحر، والكثير من شبكات المياه ومحطات التنقية، لكننا نشتري مياه الاستخدام والشرب بالصهاريج.
ـ لدينا ارض زراعية خيّرة، لكن الزراعة لا توفر مورداً كافياً لأصحابها؛ وفي كثير من الأحيان يكون الأوفر ترك المحصول في ارضه او على الشجر دون قطاف.
ـ لدينا صناعة تركناها تتآكل وتختفي حتى انه لم يبق منها شيء يذكر.
ـ لدينا المال الكثير في المصارف وعجز كبير في موازنة الدولة وفقر واسع الانتشار في المجتمع.
ـ لدينا ثروات كبرى لا تستخدم للإنتاج بل للاستهلاك والمضاربات العقارية.
ـ لدينا بطالة متفاقمة نعالجها لا بتوفير فرص العمل والإنتاج بل بالهجرة وتسول المساعدات.
ـ لدينا الكثير من هجرة المتخرجين والعمال المهرة، بينما الإقامة في لبنان نوع من السياحة.
ـ لدينا الكثير من الاحتكارات، من مثل الوكالات الحصرية الى المؤسسات الاعلامية، ونريد زيادة عدد الاحتكارات بخصخصة ما تيسر من القطاعات الانتاجية والخدماتية.
ـ لدينا الكثير من السلاح الذي لا يستخدم الا بعضه للدفاع عن الوطن، والبعض الآخر يكاد ينزلق بنا الى حرب أهلية أخرى.
ـ لدينا زعماء ينتجون أحزاباً، ولا أحزاب تنتج زعماءً.
ـ لدينا أديان تحوّلت إلى طوائف، والطوائف الى مذاهب، والمذاهب الى ميليشيات. كثير من الطائفية وقليل من التقوى والورع.
ـ نتحدث كثيراً في السياسة، ولا سياسة للوطن.
ـ لدينا سياسيون فشلوا في كل شيء آخر إلا في السياسة.
ـ لدينا كثير من الشطارة وقليل من المعرفة.
ـ لدينا سكك حديد لا نستطيع استخدامها بعد ان امتدت الأبنية فوقها.
ـ لدينا جبال (مكبات) من النفايات الصلبة ولا نستطيع اخذ قرار بشأن معالجتها.
ـ لدينا الكثير من محطات معالجة الصرف الصحي التي لا تصلها شبكات.
ـ لدينا مجلس إنماء وإعمار تنافسه الوزارات دون ان تعمل بجديّة، وتتجاهله السلطات المركزية والرئاسات الثلاث.
ـ لدينا مصرف مركزي يطمئننا يوما بعد يوم الى «الثقة» بلبنان دون ان يشرح لنا احد آليات النظام المالي وكيف يمكن للعاطلين عن العمل والمهجرين وبقية الفقراء الاستفادة منه.
ـ لدينا نظام مصرفي مزدهر يطلق حملات الإعلام والإعلان لتسويق منتجاته؛ ولا ندري إذا كان ينتج غير بضاعة وحيدة هي الديون على الناس.
ـ لدينا الكثير من البارات والنوادي الليلية، وربما كانت تلك هي صناعتنا الاكثر ازدهاراً مع استيراد مستلزماتها.
ـ لدينا الكثير من الأجهزة الامنية ولا أمان.
ـ لدينا الكثير مما لا نستخدمه، أو نسيء استخدامه. والفوضى هي نمط العيش السائد.
لدينا أشياء كثيرة، والمطلوب واحد هو ان يكون لدينا قرار بالعمل والإنتاج. القرار تأخذه الحكومة. الحكومة تعوزها الارادة. الإرادة توضع في برنامج عمل. لدينا من خطط الاعمار والنهوض الاقتصادي ما يكفي الكرة الأرضية. ما نحتاج اليه هو ان تأتي حكومة تضع خطّة واحدة منها موضع التنفيذ.

"السفير" - الفضل شلق


2009-11-06