ارشيف من :أخبار لبنانية
يهدوننا الأقوال ولإسرائيل الأفعال
تباين الموقف الأميركي الرسمي من عملية السلام واختلافه باختلاف المكان والزمان لا يشي بوجود تخبط أو تردد أو عجز لدى إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما فحسب، وإنما يدل دلالة أكيدة على أنها نجحت في إدخال الفلسطينيين والعرب جميعًا في حلقة مفرغة كما نجح غيرها من الإدارات السابقة، وهي محاولة لا تعدو أن تكون ملهاة يُلْهَى بها العرب والفلسطينيون عن قضيتهم المركزية وعن حلحلة المعوقات التي تعترض طريق السلام، ولأجل توفير الفرصة تلو الفرصة ووقت زمني طويل للكيان الإسرائيلي لتمرير مشاريعه الاحتلالية للأرض الفلسطينية، وتحقيق سياسة الإلغاء للطرف الآخر، سعيًا إلى خلق واقع على الأرض لا ولن يستطيع العرب والفلسطينيون تغييره وإرغامهم على قبوله، وإلا فليضربوا برؤوسهم عرض الحائط، لأن تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون المتتالية والمختلفة حسب الموقف والأشخاص والمكان لا يمكن أن تُحْمل على تفسير آخر غير التفسير السابق، ولو كان الأمر على غير ذلك لكان المسعى الأميركي والرحلات المكوكية للمسؤولين الأميركيين الذين يتقدمهم هيلاري كلينتون وجورج ميتشل المبعوث الأميركي إلى المنطقة، تنصب في إطار تحقيق الحل الذي أعلنه الرئيس باراك أوباما وهو حل الدولتين، ومسرحة رؤيتهما بأن الاستيطان المعوق والمعرقل الأول للحل واقعًا ملموسًا، ولكن الذي يحدث حاليًّا مغاير تمامًا؛ وما نراه هو التنازل تلو التنازل وبذل الجهود الممكنة والمستحيلة لتوفير كل المحفزات والبيئة الملائمة لأن ينتشر سرطان الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة، متمثلة (المحفزات) في التخلي عن المطالبة بـ"وقف" والقبول بـ"تجميد"، لتنتقل سفيرة الدبلوماسية الأميركية خلال لقائها برئيس الوزراء الإسرائيلي المتطرف بنيامين نتنياهو مطلع هذا الأسبوع إلى القول إن "التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة يجب ألا يكون عائقًا أمام استئناف المحادثات"، ثم لتتدارك، مُحاولةً امتصاص الغضب العربي ـ الفلسطيني بأن موقف إدارة الرئيس أوباما من الاستيطان لم يتغير، ولتنتهي بآخر تقليعاتها ـ وليس تصريحاتها ـ من القاهرة بعد لقائها الرئيس المصري حسني مبارك وفي مؤتمر صحافي مشترك مع نظيرها المصري أحمد أبو الغيط "ليس هناك شك لدى أحد بأن التحرك باتجاه دولة (فلسطينية) ينبغي أن يشمل كل القضايا بما فيها القدس"، مضيفة "نريد أن نؤكد لكم أن هدفنا هو دولة حقيقية بسيادة حقيقية، إنها مسألة هامة بالنسبة لنا ونعرف أنها ذات أهمية حيوية بالنسبة لشعوب المنطقة"، وكانت قبل ذلك أشادت بالعرض الإسرائيلي المتمثل في التجميد الجزئي للاستيطان باستثناء القدس الشرقية واصفة إياه بأنه "غير مسبوق".
وكل ذلك يؤكد عدم وجود جدية لدى الوسيط الأميركي ويؤكد في الوقت عينه عدم نزاهته وانحيازه الأعمى للكيان الإسرائيلي، ويبرهن أيضًا على مدى الاستخفاف الأميركي بعقول شعوب المنطقة، وكيف أن الأميركيين يهدوننا الأقوال ويقدمون لحليفهم الإسرائيلي الأفعال، أي كل وسائل الدعم المادي، والعسكري والاقتصادي والسياسي والمعنوي للكيان الإسرائيلي، والتصريحات الإعلامية للعرب. ولا ريب أن وصف هيلاري كلينتون التجميد الجزئي بغير المسبوق ستكون له انعكاساته السلبية على المواقف الإيجابية لدى بعض المتعاطفين الذين يرون أن المستوطنات غير شرعية والاستيطان يقضي على آمال السلام وقيام دولة فلسطينية، وبدت الوزيرة الأميركية بوصفها هذا ـ بقصد منها أو دون قصد ـ كمن يريد أن يغير هذه المواقف الإيجابية، ويدفع الفلسطينيين إلى تسليم القدس على طبق من ذهب للمحتل الغاصب.
وثالثة الأثافي على مستقبل عملية السلام وأن ليس ثمة ضوء في نهاية النفق، تصويت الكونجرس الأميركي بغالبية 344 صوتًا مقابل 36، على قرار يدعو الرئيس باراك أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى رفض قاطع لا لبس فيه لأي دعم أو أي بحث مقبل في تقرير لجنة القاضي ريتشارد جولدستون حول جرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، مستندًا بذلك إلى موقف الإدارة الأميركية التي تعتبر أن التقرير من شأنه أن يعوق عملية السلام في الشرق الأوسط.
إن صورة الموقف الأميركي من عملية السلام برمتها باتت الآن واضحة للعرب والفلسطينيين معًا ولا تحتاج إلى إثباتات، الأمر الذي يدعوهم إلى ضرورة تغيير آليات التعامل، وإعادة صياغة سياساتهم القائمة على الاعتماد على الراعي والوسيط الأميركي فقط، فهل هم فاعلون؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018