ارشيف من :أخبار لبنانية
أفغانستان.. معضلة الديمقراطية أم الاحتلال؟
د. إبراهيم زعير - صحيفة الثورة السورية
هكذا ألغيت الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في أفغانستان، بعد انسحاب عبد الله عبد الله احتجاجاً على عدم الاستجابة لطلبه الرئيسي بإقالة رئيس اللجنة الانتخابية المركزية، الذي وحسب الوقائع الفاضحة بتمريره تزوير الانتخابات بما يقارب نحو مليون صوت لمصلحة كرزاي،والذي انخفضت نسبة المؤيدين له إلى أقل من 50٪ وهي النسبة التي تخوله تبوء منصب الرئيس وفق الدستور الأفغاني، واعتبر حامد كرزاي فائزاً بالانتخابات رغم أنه لم يحقق نسبة الـ 50٪ الضرورية للفوز، ما دفع عبد الله عبد الله وانصاره إلى اعتبار الإعلان عن فوز كرزاي غير شرعي وغير دستوري، واللافت أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون كان الأول في تهنئة كرزاي بالفوز بالرئاسة، رغم أن منصبه كأمين عام للأمم المتحدة والحامي لما يسمى «الديمقراطية» حتى وفق المواصفات الغربية لا يسمح له أن يبدي هذه الحماس الزائد لكرزاي لعلمه أن كرزاي لم يحصل على النسبة المطلوبة للفوز وسارع الرئيس الأميركي أيضاً لتهنئة كرزاي وأبدت ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الغربية سعادتها بإعادة تنصيب كرزاي رئيساً لأفغانستان وذهبت أدراج الرياح الادعاءات الأميركية أن المشكلة الأولى لها تقريباً في أفغانستان هي توطيد الديمقراطية والقضاء على الإرهاب.
ومن الواضح أن لعبة «الديمقراطية» لم تنجح في أفغانستان رغم قناعة أكثرية المختصين بالشأن الأفغاني والمتابعين والمحللين من العبث والوهم بإمكانية تحقيق أي ديمقراطية أو انتخابات نزيهة في ظل الاحتلال الأجنبي، والأكثر أن إعادة فرز الأصوات في مئات مراكز الاقتراع، أظهرت تماماً عمليات التزوير، وهذا بحد ذاته تشويه لفكره الديمقراطية نفسها، ولكن لافرق كبير من يكون رئيساً لبلد محطم محتل وتسفك فيه دماء الأبرياء يومياً على يد قوات الاحتلال وبأيدي الإرهابيين المدعومين بشكل مباشر أو غير مباشر من المحتلين الأميركان أنفسهم، كما هو الحال في المناطق المحتلة الأخرى كالعراق وغيرها، المهم بالنسبة لسلطات الاحتلال أن يكون رئيس البلد المحتل تحت جناحيها ويلبي أهدافها ولايعرقل أو يعوق تحركاتها لبسط سلطتها الكاملة على البلد المحتل ولاسيما إذا كانت قوات الاحتلال تواجه صعوبات هائلة في فرض سلطتها، ففي أفغانستان تواجه أميركا وحلف الناتو مقاومة لم تحسب لها أي حساب في السابق عندما أقدمت على احتلاله.
واليوم يشعر الرئيس الأميركي أنه أمام معضلات معقدة من الصعب عليه إيجاد حل لها أملاً في توطيد تحكمه بهذا البلد وتوفير الظروف المناسبة لحكومة حليفة له غير قابلة للتراجع، وحتى الـ 40 ألف جندي إضافي التي طالب بها الجنرال ماكريستال المدرك بدقة للتحدي الذي تمثله طالبان وقوى المقاومة الأخرى إضافة إلى تلك المنتشرة الحالية والبالغ تعدادها نحو 68 ألف جندي، لن تعيد السلام والأمن لهذا البلد المعروف بكرهه لأي احتلال أجنبي، ولم يقبل يوماً بالخضوع لإرادة ومشيئة المحتلين على امتداد تاريخه كله، وأكثر مايخشاه أوباما أن لايكتفي بإرسال 40 ألف جندي جديد إلى أفغانستان التي يطلبها القادة العسكريون الميدانيون في أفغانستان، ولاسيما أن مشهد الحرب في فيتنام مازال ماثلاً أمامه، عندما اضطر الرئيس الأميركي آنذاك جونسون إلى تلبية طلبات الجيش بإرسال دفعات متكررة ومتوالية من القوات الأميركية، والتي انتهت بكارثة بالنسبة لأميركا، مئات الآلاف من جنوده قتلوا وخروج الحرب عن السيطرة والاضطرار للهروب من فيتنام وسقوط نظام سايغون العميل ومن ثم توحيد فيتنام بعد طرد المحتلين وعملائهم من البلاد، والمعضلة الأخرى التي يواجهها أوباما في أفغانستان والتي لايستطيع إيجاد حل لها وهي الشراكة مع حكومة كابول في وقت تعاني فيه من عجز واضح في إدارة البلاد وانتشار واسع للفساد، الذي تتخبط فيه البلاد، فالحكومة الأفغانية تعاني الضعف والعجز وعدم القدرة على بسط سيطرتها على الأراضي الأفغانية رغم كل ماتبذله قوات الاحتلال من جهود بهذا الاتجاه، وعوضاً عن توجيه ضربات لحركة طالبان، تنسف المدن والأحياء المدنية ويسقط الأبرياء وهذا مايحدث تماماً في وزيرستان في باكستان، وهذه الحالة تبرهن من جديد رفض الشعب الأفغاني وجود قوات حلف الناتو على أراضيه، وأوباما يدرك جيداً أنه ومهما وصل عدد قواته لن تحل المشكلة الأفغانية، ولن يتغير أي شيء فمظاهر الفساد ستتوسع والمقاومة تتصاعد ضد المحتلين، وبالتالي فإن أي إصلاحات غير قادرة على إنجاح المشروع الأميركي في أفغانستان وتخليص أميركا والناتو من ورطتهما في أفغانستان!!.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018