ارشيف من :أخبار لبنانية

أميركا والسودان.. استراتيجية محفوفة بالمخاطر

أميركا والسودان.. استراتيجية محفوفة بالمخاطر

غالب حسن محمد - صحيفة الثورة السورية

من المعروف تاريخياً أن العلاقات السودانية-الأمريكية كانت محل شد وجذب ومصالح وتفاهمات وتقاطعات وعصا نائمة وأخرى قائمة، لكن خيط العنكبوت ما بين الخرطوم وواشنطن لم ينقطع أبداً.

والمعروف أن واشنطن تتبع سياسة علنية وأخرى تحت الطاولة في تعاطيها مع أي دولة ومع السودان ظل ما فوق الطاولة قليلاً وللاستهلاك السياسي والإعلامي، بيد أن ما كان يجري تحت الطاولة كان الأهم، حتى برزت أزمة دارفور قبل سنوات ست، ما دفع إلى بروز جزء كبير فوق الطاولة.‏‏


لقد أبدى السودان ترحيبه بحذر بالسياسة الأمريكية الجديدة المعلنة منتصف الأسبوع الماضي ورأى أن الصراع الدائر في واشنطن بسببه انتهى إلى اتفاق الجميع بتأييد فتح صفحة جديدة مع السودان كان بطلها الجنرال المتقاعد سكوت غرايشن مندوب الرئيس أوباما للسودان.‏‏

يعتبر السودان أن تطرق السياسة الجديدة إلى «الإبادة الجماعية في دارفور» يأتي من باب الديباجات الرسمية ومجاملة لجماعات الضغط رغم قناعات واشنطن أن تلك الوصفة تجاوزها الزمن وتخطتها التقارير الاستخباراتية والدبلوماسية.‏‏

بعض المراقبين يقولون: إن باراك أوباما قدم حوافز ارتبطت بتغييرات ملموسة على الأرض، على صعيدي دارفور والجنوب، القضيتان الأكثر إثارة للجدل خلال السنوات الماضية.‏‏

وما بين الجزرة والعصا والتصادم والتفاهم فضلت الخرطوم التأني في الرد على السياسة الأمريكية الجديدة وقال مستشار الرئيس غازي صلاح الدين: إن الأجهزة السودانية المعنية ستقوم بدراسة الاستراتيجية التي خلت من الحديث عن بعض الأفكار المتطرفة التي كان يروج لها البعض مثل التدخل العسكري وفرض مناطق حظر طيران.‏‏

لكن الخرطوم التي لا تزال تدرس السياسة الجديدة ترى أنها خلت من خطوات ملموسة تلتزم بها واشنطن واستخدمت عبارات دبلوماسية مثل «مشكلات السودان يحلها السودانيون أنفسهم» والخرطوم تأمل في تطبيق تفصيلي لتلك الاستراتيجية يكون أفضل من عباراتها المكتوبة، وقد لخص مستشار الرئيس ذلك بقوله: «إنها تفاعل وليست عزلاً ومقارنة بالسياسات السابقة فإن فيها نقاطاً إيجابية».‏‏

بعض المصادر ترى أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لم تتجاوز المصطلحات مثل الإرهاب والإبادة والأزمة، بدليل ورودها في متن بيان الخارجية الأمريكية، بل إن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عززتها بالقول: إن واشنطن ستمارس «ضغوطاً فعالة» لكن المصادر بررت ذلك بإرضاء مراكز قوى أمريكية بعينها وتخفيف الضغط عن إدارة الرئيس أوباما إذا لم تتفاعل السودان مع تلك السياسة.‏‏

بعض الحركات المسلحة رفضت هذه السياسة ورأت فيها مهادنة واضحة مع الخرطوم وتعتقد أيضاً أن تلك الهدنة الطويلة هي التي دفعت إلى تهاون مع الحكومة الذي أدى بدوره إلى خروج تلك الاستراتيجية الأمريكية.‏‏

يكشف الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل خلال ندوة نظمها المركز القومي للانتاج الإعلامي أن رفع اسم السودان من قائمة رعاية الإرهاب مطلب أساسي لتطبيع العلاقة مع واشنطن وأضاف: إن هذه التهمة التي لصقت بالسودان من قبل ناشطين أمريكيين ذوي ارتباطات مشهورة بالصهيونية العالمية سرعان ما تلتقطها الدوائر الرسمية ليكون نتاجها إدراج اسم السودان في القائمة، ويعتقد أن منهج الحوار الذي اعتمدته الخرطوم مع واشنطن دليل على صحة النيات والأفعال.‏‏

غير أن واشنطن لا تزال متمسكة بنظرتها القائلة بالإبقاء على السودان في قائمة رعاية الإرهاب.‏‏

ورغم إعلان الخرطوم التأني في دراسة السياسة الأمريكية الجديدة إلا أن مسؤولين في الحكومة صرحوا لوسائل الإعلام بردود متباينة حولها، منها تصريح لوكيل وزارة الخارجية أنه من الصعوبة القول: إن العلاقات بين واشنطن والخرطوم ستتحسن قريباً وأضاف: إن القرار موزع بين الكونغرس وجماعات الضغط داخل الإدارة الأمريكية.‏‏

وترى بعض الجهات أنه ربما كانت هذه السياسة الجديدة لواشنطن ناتجة عن إعادة النظر من قبل الإدارة الأمريكية في سياسات أسلافها المتخبطة حيال الخرطوم بهدف التخلص من العزلة حيال السودان مؤكدة رفض الخرطوم لأي شروط أمريكية.‏‏

وقد نفت مصادر الحكومة السودانية مزاعم الولايات المتحدة التي استقتها من حركات التمرد في دارفور حول ما يسمى انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، متهمة المنظمات الغربية التي تعمل تحت غطاء الأنشطة الإنسانية بمنع النازحين من العودة إلى ديارهم ومناطقهم والزراعة فيها لإبقائهم رهائن للاجندات الغربية المعادية للسودان.‏‏

إن ما جاء في السياسة الأمريكية الجديدة تجاه السودان ليس جديداً وإنما هو قائم ومتوقع لكن الحكومة السودانية كانت تأمل من الإدارة الأمريكية الجديدة وقف تعاملها مع الإدارة السابقة وأن تلغي أمريكا عقوباتها على السودان وهو بلد مستقر وليس بحاجة إلى وصاية.‏‏

إن أخطر ما في السياسة الأمريكية عموماً سواء أكانت جمهورية أم ديمقراطية أنها تستمتع بالتنازلات التي تقدمها لها الدول وعندما تقدم أي دولة تنازلاً يسيل لها لعاب الإدارة الأمريكية وتطلب المزيد من التنازلات.‏‏

لقد أعلنت السياسة الجديدة لإدارة أوباما أن دعم القوات الأمريكية وإنجاح مهمتها من أولويات المرحلة المقبلة.‏‏

الغالب والأعم في الخرطوم هو التفاؤل بإيجابيات السياسة الأمريكية الجديدة نحو السودان واعتبارها تطوراً في الموقف المتزمت حيال حكومة الخرطوم والتعامل بسياسة ملفوفة بمحاذير وشروط وبحوافز وعقوبات.‏‏

غير أن البعض يخشى ليس من العصا المرفوعة مع الجزرة بل من تلك العصا النائمة التي تحمل معها دائماً «تمزيقاً ناعماً» عكس ما يشتهي السودان من الإدارة الأمريكية.

2009-11-06