ارشيف من :أخبار لبنانية
أوبامـا متفائـل.. وأميركـا كئيبـة
كان الرئيس الأميركي أوباما يفكر بكيفية ربح الحرب في أفغانستان عندما وصلت اليه أنباء حصوله على جائزة نوبل للسلام. وكان ذلك في الفترة التي فصلت بين اجتماعين مخصصين لبحث زيادة القوات الأميركية في أفغانستان. كان الجو بارداً في الساحل الشرقي لأميركا. البيت الابيض مضاء بأضواء خافتة حيث تعيش عائلة أوباما.
في إحدى ردهات البيت الأبيض هناك لوحة للرسام الأميركي أد روشا، وهي تمثل منظر غروب الشمس وتوحي للمشاهد بانطباعات شتى وفيها بعض الجمل أمثال «اني أفكر.. أنا أريد.. وربما نعم.. ربما لا.. يلزم اعادة التفكير.. ولكن...». وهنا يمكن التساؤل الا تمثل اللوحة حالة أوباما اليوم؟
في مجلس الحرب الذي يعقد باستمرار في هذه الأيام، تدور اسئلة لا نهاية لها مثل «هل علينا ان نربح الحرب بالقوة العسكرية؟ على العكس مما يشيعه أوباما في أحاديثه وخطبه التي تركز على الدبلوماسية المتعددة الأطراف، والتي تعني المفاوضات والحوار، لحل أزمات العالم المعقدة.
«ما ينقصنا هو التفكير الاستراتيجي. وهو نقطة ضعف هذه الحكومة» هذا ما كتبه الصحافي دافيد اغناثيوس في جريدة «واشنطن بوست» قبيل حصول أوباما على جائزة نوبل للسلام. ولذلك تفتقد الولايات المتحدة الخطة ذات المدى الطويل للسياسة الخارجية والتي يجب أن تبنى على أساس توازن المصالح والحقوق. ويطالب أوباما بوضع المبادئ التي تبين ذلك، وهو يتحدث كأنه رئيس العالم، او الرئيس الحقيقي لمنظمة الأمم المتحدة.
لكن.. بعد ان يضع أوباما هذا البرنامج، هل يمكن له ان يحقق جزءا منه؟ هو ينثر الوعود لا أكثر. هل هناك مكان للمثاليين بعد في هذا العالم؟ تقول مجلة «دير شبيغل»، الألمانية ان أوباما محبوب في العالم ولكنه مكروه في أقسام عديدة من وطنه، حتى وصل بالبعض إلى تهديده بالقتل. كما يتجمع بعض المتظاهرين المناوئين له في الجادة الخامسة في نيويورك وبالقرب من ساحة روكفلر وهم يوزعون صور أوباما مع شارب هتلر. وكإسلامي تحت العلم السوفياتي. لكن هل تجعل جائزة نوبل للسلام من أوباما رجل السلام في العالم وهل باستطاعته تحقيق ذلك؟
يطالب الجنرالات في أميركا بتوسيع الحرب في افغانستان. أما الخبراء في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض فقد رفضوا سياسته المستقبلية القائمة على التعايش والمشاركة والمفاوضات، لحل المشاكل الدولية.
ان عرض المفاوضات على خصوم الولايات المتحدة هو أحد أوجه السياسة الخارجية لها. أما الوجه الآخر فيتمثل في التهديد والوعيد وفرض العقوبات الاقتصادية، قبيل تساقط القنابل. «السياسة ذات الوجهين» هكذا تعرف وزارة الخارجية الاميركية السياسة الخارجية الحالية. لذلك تبقى كل الخيارات على الطاولة. لكن أوباما وضع في بداية عهده وفي حملته الانتخابية سياسة مد اليد إلى الدول الأخرى بدلا عن سياسة القبضة الحديدية لسلفه بوش. لكن حمامة السلام لا تحط في البيت الأبيض؟
ألقى أوباما خطابا في براغ اقترح فيه عالما خاليا من الأسلحة النووية، الذي لن يتم حاليا او خلال ولاية حكمه المنتهية بعد ثلاث سنوات ونصف السنة. ان وجود 20 ألف سلاح نووي هو إرث الحرب الباردة المنصرمة. يقول أوباما انه يجب علينا ان نتجاهل الأصوات التي تقول ان ليس باستطاعتنا تغيير العالم. ويجب ان نصر على اننا نستطيع Yes we can.
المشكلة مع أوباما هي ان السياسة العامة للولايات المتحدة لا تتحدد وفق أفكاره ووفق لونه ووفق اصوله الاسلامية. ان العالم اليوم ليس كما يتصوره. الأقوال هنا لا تتفق مع الأفعال. يتكلم أوباما ويجتمع مع قيادة حلف الأطلسي ويوافق على إرسال 21 الفا من الجنود الأميركيين الى افغانستان والذين وصلوا بالفعل كي يجربوا حظهم في القتال في جبالها ووديانها. تُظهر طالبان نفسها بأنها خصم عنيد وقوي تجاه الولايات المتحدة. وقد أجبرت قواتها على اتخاذ موقف الدفاع. والاخبار الآتية من جنوب البلاد تنبئ عن الانتصارات المتتالية لطالبان. كما ان الأنباء الواردة من الشمال لا تقل عنها سوءاً بالنسبة للقوات الأطلسية. ووفقا لاستطلاع أميركي يؤيد 70 بالمئة من الأفغان حركة طالبان. ومنذ العصر الحجري لم يستطع جيش أجنبي الانتصار في أفغانستان. اما روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي فيصور هزائم قواته على انها انتصارات.
يقول روبرت غيتس في محاضرة له في جامعة جورج واشنطن ان المجاهدين الأفغان انتصروا من قبل على قوة عظمى هي الاتحاد السوفياتي، واليوم يحاولون الانتصار على قوة عظمى أخرى هي أميركا. وإذا تم لهم ذلك فإن إيديولوجيتهم ستقوى وستتوسع وستنتشر. ويقول الجنرال ستانلي ماكريستال قائد القوات الأميركية في افغانستان: «يجب علينا ان نرى الأمور كما هي، وليس كما نرغب في رؤيتها».
يؤيد هذه الرؤية وزيرة الخارجية ووزير الدفاع ويتحدثون عن المصاعب والهزيمة المتوقعة، وتضرب الكآبة الاميركيين. الحقيقة والخيال لا يتطابقان هنا. وطوال التاريخ الاميركي كان الاميركيون يتابعون اسماء قتلاهم في مختلف بقاع الأرض. لذلك أصبحت أميركا متعبة من الحروب المتواصلة. يقولون ان روزفلت انتصر على هتلر في الحرب العالمية الثانية، وان ريغان انتصر على الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة. اما جونسون وجيمي كارتر فقد كانت حروبهما خاسرة. وأوباما وعد بالنصر.
ان الحرب ضد الارهاب الاسلامي (كما يقولون) هي حرب من طراز جديد ولا يمكن كسبها. لكن تجب متابعتها. ليس للانتصار فيها، ولكن لتجنب الهزيمة. هذا ما يعرفه كل السياسيين في أميركا. لكن لا أحد يريد توضيح الصورة وتبيان الأسباب.
يوضح روبرت غيتس ان الحرب في أفغانستان ليست حربا كلاسيكية يستطاع كسبها بالقوة النارية. لذلك اتفق مع وزيرة الخارجية لإرسال عدد من المدنيين والمهندسين يبلغ عددهم نحو ألف خبير لكسب قلوب الأفغان واستعمال «القوة الذكية». لكن ذلك لم ينفع إذ لا يزال الجنرالات يطالبون بزيادة 40 الف جندي وإرسالهم الى جبهة الحرب. جوزف بايدن نائب الرئيس يفضل تقليص عدد القوات. اما وزير الدفاع فيؤيد رأي جنرالاته. وعلى أوباما اتخاذ القرار الأهم في عهد حكمه. اذا خضع إلى آراء الجنرالات فسيصبح رئيس حرب وليس رئيس سلام. وفي هذه الأثناء تتابع طالبان سلسلة انتصاراتها غير عابئة بالأميركيين وأسلحتهم الفتاكة.
"السفير" - سمير التنير
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018