ارشيف من :أخبار لبنانية

مخطط تحديث روسيا والدرس الفنلندي

مخطط تحديث روسيا والدرس الفنلندي
صوفيا ـ جوج حداد
كتب نيكولاي زلوبين، احد ابرز الخبراء الاقتصاديين الروس، بحثا حول آفاق تطور مشاريع الكرملين لتحديث الاقتصاد الروسي، مستندا الى الدروس التي تقدمها تجربة فنلندا. ويمثل المقال استشفافا لمستقبل تطور الاقتصاد الروسي. ونقدم فيما يلي مقتطفات رئيسية من المقال الذي يلقي الضوء مسبقا على مستقبل الاقتصاد الروسي، ودوره العتيد في الاقتصاد العالمي برمته:
ان الرئيس الروسي دميتريي ميدفيدييف اصاب عين الحقيقة حينا اكد ان روسيا ليس لديها اية حظوظ في المزاحمة المتنامية مع مختلف الدول بدون تنفيذ طفرة في التقدم التكنولوجي الواسع. وبكلمات اخرى، فإنها ستبقى بلدا مرتهنا تماما بالحالة الاقتصادية القائمة، وبالاخص السوق العالمي لمصادر الطاقة. واذا كان للبلاد اقتصاد مرتنهن لاقتصادات البلدان الاخرى، فهذا يعني ان هذه البلاد لا تمتلك سياستها الخارجية المستقلة. وبهذه الطريقة فإن السيادة الراهنة للدولة يمكن توفيرها فقط عن طريق تكوين اقتصاد متجدد، مؤسس على تطور التكنولوجيا المعاصرة.
اما قضية تكوين مجمع طاقوي وطني بشكل خاص فيتم تجسيدها في ان يتم تكوين افضل الشروط، وافضل قاعدة مادية لمثل هذا التطور.
ان روسيا توجد اليوم في اوضاع هي الافضل موضوعيا، بالمقارنة مع بلدان اخرى كثيرة، التي كونت قواعدها التكنولوجية، دون الاوضاع الامتيازية، الخاصة بتوفير النفط والغاز الروسيين.
غير بعيد عن المدينة الفنلندية تامبيري، حيث في وقت ما عاش وحضر للثورة الاشتراكية فلاديمير لينين، وحيث يعمل الان متحف هو الفريد من نوعه لمؤسس الدولة السوفياتية، تتموضع مدينة صغيرة تحمل اسم نوكيا ـ يعيش فيها حوالى 30 الف نسمة. وبالمقاييس الروسية، فإن مثل هذه المدينة ليست اكثر من مركز ناحية، يوجد مثله الكثير جدا في البلاد. وعدا ذاك فهي تشبه ما يمكن تسميته في الوقت الراهن "مدينة مغلقة"، اي مجمعا سكنيا تابعا لمشروع مكون لمدينة. ولكن اسم المدينة الصغيرة نوكيا هو اسم معروف في كافة انحاء العالم. فهنا على وجه التحديد، وقبل نصف قرن،  قام المهندس الصناعي الفنلندي فريدريك ايديستام بافتتاح فبركة الاخشاب، التي بدأت تنتج ورقا فاخرا. وبعد سنوات من ذلك، افتتحت في المدينة فبركة لانتاج الدواليب، ومن بعد فبركة لانتاج الكابلات، التي اخذت تنتج التلفونات، والكابلات واجهزة التلغراف. ومن المثير للاهتمام انه بعد الحرب العامية الثانية، فإن هذه الشركة للكابلات هي التي اخذت تدفع عن فنلندا تعويضات الحرب للاتحاد السوفياتي، الامر الذي منحها شيئا فشيئا سمعة دولية، عمدت فيما بعد للاستفادة منها. وفي سنة 1967 فإن الشركات الثلاث اتحدت في شركة عملاقة واحدة، هي شركة نوكيا، التي اصبحت من اقوى رموز التطور التكنولوجي المعاصر، وبهذه الطريقة تحولت فنلندا الى احد اهم قادة التكنولوجيا في العالم المعاصر. واضحت فنلندا في السنوات الاخيرة بلد التكنولوجيات. ولا شك انه يوجد الكثير من القرارات التكنولوجية والاقتصادية الفاشلة، والمشكلات المرتبطة بالبيئة وبنوعية المنتوجات، وبالسمعة وبالنسبة العالية من البطالة الخ. ولكن الوقائع تبقى وقائع ـ فإن هذه الرقعة من الارض، التي كانت يوما ما جزءا متخلفا شديد البرودة من الامبراطورية الروسية، وهي بلاد لا تمتلك اي ثروة طبيعية ذات اهمية، وذات السكان الذين يغلب عليهم طابع الشيخوخة المتسارع، والتي يبلغ عدد سكانها اقل مرتين من عدد سكان موسكو، والتي يفوق ذلك تقع على اطراف اوروبا، تحولت الى احد قادة التجديد في العالم. وان نوعية ومواصفات المنتوجات الفنلندية هي معروفة تماما في العالم، مما يتيح للبلاد سرعة النهوض بعد اكثر من ازمة اقتصادية، والخروج بافكار تكنولوجية جديدة على النطاق العالمي.        
وقد حلت فنلندا بنجاح القضية، التي حاول جارها الاكبر، اي روسيا، حلها، مع انه الاغنى والاكثر طموحا والذي يمتلك ناتجا وطنيا قائما اكبر بكثير.
وتحتل فنلندا المرتبة 52 في العالم، على صعيد الناتج المحلي القائم، والذي يبلغ 36 الف دولار للشخص. وفي الوقت نفسه فإن روسيا، التي حسب احصاءات سنة 2008 للمجموع العام للناتج الوطني القائم تأتي  في عداد الدول العشر الاوائل على هذا الصعيد، ومع ذلك فإن نصيب الفرد الواحد من الناتج الوطني القائم في روسيا يمكن ان يبلغ حوالى 16 الف دولار، اي اقل بأقل من مرتين من فنلندا. وبكلمات اخرى، إن فنلندا الصغيرة هي نموذج ان الاقتصاد القائم على التطور التكنولوجي هو قادر ان يوفر معدل معيشة ارفع مستوى لسكان البلاد، من امتلاك اكبر احتياطات في العالم من النفط والغاز وغيره من المعادن والخامات، التي يستند اليها الاقتصاد الروسي المتوسع والمرتهن للاقتصادات الاخرى.
وانه لامر طريف ان الرئيس الفنلندي ليس بحاجة لان يكتب المقالات، التي يحاول فيها ان يبرهن للمجتمع افضليات الاقتصاد الابتكاري، او ان يكتب عن ان يقوم قطاع الاعمال بتخصيص الاموال، بما في ذلك جزء من الارباح، لاجل التطور التكنولوجي، لذاته، كما لمجموع الاقتصاد الوطني. وهو ليس بحاجة لان يدعو النخبة الى التحديث في البلاد، ولان يدعو رجال الاعمال لان ينتجوا شيئا ما، وليس فقط ان يعاودوا ببساطة المتاجرة داخل البلاد بالمنتوجات، التي تنتجها بلدان اخرى. وليس بحاجة لان يقنع نفسه والاخرين بأن التحديث من شأنه ان يحمل المنافع للناس وان يرفع مستوى نوعية حياتهم وضماناتهم الاجتماعية. وهو ليس بحاجة لان يكتب المقالات حول ضرورة النضال ضد الفساد ولان يبرهن ان البلاد لا يمكن ان تعيش بشكل طبيعي بدون نظام قضائي فعال، شفاف وشريف ـ يقتدي فقط بمبدئين رئيسيين: الاول هو ان القانون هو فوق كل شيء؛ والثاني هو ان الجميع هم متساوون امام القانون، بصرف النظر عن مراكزهم، علاقاتهم، امكانياهم المالية وانماءاتهم القومية. ان تحديث فنلندا هو ليس نتيجة للجهود الشخصية للرئيس، بل نتيجة للتطور المنطقي لنظام المزاحمة الحرة. وبموجب مقاييس التقدم سوف تعلن فنلندا بوصفها انجح بلد في العالم سنة 2009.
لقد اتيح لي ان احضر عددا من الاجتماعات المخصصة لنقاش كيفية تكوين اقتصاد ابتكاري في البلاد، وكيفية التغلب على التبعية المشؤومة لقطاع الطاقة، وكيفية تحولنا الى احد البلدان القائدة في التطور التكنولوجي للعالم. ان السلطة التي تبادر اليوم للقيام بهذه المناقشة، يبدو وكأنها تبحث عن اجوبة لدى المجتمع الروسي، اي عن افكار واطروحات حول الموضوع. ويبدو ان العديد من الاجوبة حول هذا الموضوع  اصبحت مطروحة. وكل ما عدا ذلك هو من التفاصيل. مثالا: ما هي الفروع التي ينبغي ان تعطى لها الاولوية، واين ينبغي توزيع وسائل الميزانية. 
2009-11-08