ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان على الطريق المستقيم في مواجهة الإنفلونزا الجديدة... لكن المتاجرة لم تستثنِ الخدمات الطبيّة

لبنان على الطريق المستقيم في مواجهة الإنفلونزا الجديدة... لكن المتاجرة لم تستثنِ الخدمات الطبيّة

ميليا بو جودة - السفير

صورة لخنزير مع كلمة «خطر» بالأجنبيّة، وفوقها إشارة «ممنوع» بالأحمر... لا شكّ في أن بعضنا صادف إعلاناً ما لجل مطهّر لليدين أو لمواد أخرى للتعقيم مزوّداً بهذا «التصميم»، مع تأكيد على «الحماية» والحدّ من «انتقال العدوى». وأكثر من ذلك، ينسب الكلام الدعائي (المروّج لماركة معيّنة) إلى منظّمة الصحّة العالميّة! وتزدهر تجارة البعض.

عندما بدأت «الإنفلونزا الجديدة» تتفشى عابرة القارات الخمس، توقّع بعض المتوجّسين دنو نهاية العالم. راحوا يتحدّثون عن علامات وما إليها... كان ذلك قبل سبعة أشهر. لكن «الواقعة» لم تقع بعد! وعلى الرغم من الجائحة التي، بعدما أصابت أهل العلم والخبراء بالهلع، عادت لتظهر بحجمها الطبيعي. فهي وإن كانت مقلقة، إلا أنها لا تستدعي كلّ ما رافقها وما زال من ذعر وتهويل.

آخرون اعتبروا ما يحصل اليوم حرباً كونيّة جديدة بأسلحة بيولوجيّة. بعض هؤلاء اتّهم منظّمة الصحّة العالميّة، والأمم المتّحدة والإدارة الأميركيّة وشركات تصنيع الأدوية. ففي الأزمات، كثيراً ما تبرز سيناريوهات تحاول تبرير ما هو حاصل.. عندما يكون حتى العلم عاجزاً عن تفسير ذلك بشكل دقيق.

خلال سبعة أشهر، راح الخبراء يتعرّفون أكثر الى فيروس الإنفلونزا الجديدة A/H1N1 الذي أسقطت عنه تسميته الأولى «إنفلونزا الخنازير»، حتى ولو بقي البعض متمسكاً بها. بعدها، وضع هؤلاء وثائق تشرح كيفيّة انتقاله وتحدّد الفئات المستهدفة وتقترح وسائل للوقاية والحدّ من انتشار العدوى.. قدر المستطاع. لكنهم لم يكتفوا بذلك، فمذ رفعت منظّمة الصحّة درجة الإنذار إلى القصوى وصنّفته «وباء»، بدأ العمل سريعاً على لقاحات مضادة له.

اليوم، أصبحت اللقاحات جاهزة وهي تعطى في عشرين دولة للفئات المعرّضة للخطر قبل أن توضع في متناول الجميع، بحسب ما أوضحته المنظّمة العالميّة في آخر الأسبوع. لكنها اشتكت من «حالة نقص».. فالشركات تأخّرت في التصنيع. وكانت تقارير مختلفة أكّدت أن «أهل الأرض»، بمن فيهم الغربيون، سينتظرون شهوراً عدّة قبل الحصول على جرعاتهم غير الإلزاميّة. والجدل ما زال قائماً حول سلامة تلك اللقاحات التي لم تحظ بالوقت الكافي لاختبارها.

بالنسبة إلى المنظّمة العالميّة، بلغ الفيروس الجديد اليوم كلّ دولة من الكرة الأرضيّة، تقديرياً. وفي حين تحدّثت عن نحو نصف مليون إصابة مشيرة إلى أن هذه مجرّد تقديرات، كان خبراء من صفوفها وآخرون من «مراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها الأميركية» (CDC) قد أشاروا إلى أن الأرقام بلغت الملايين. أما الوفيات، فقد بلغت أكثر من 5700 حالة، نحو 4200 منها في الأميركيتين فقط.

وإذ توقّعت المنظّمة تفاقم التعقيدات لدى الفئات المعرّضة للخطر كما حالات الوفيات، مع اشتداد فصل الشتاء في النصف الشمالي من الكرة الأرضيّة، لفتت إلى أن كثيرين شفوا تلقائياً ومن دون أيّ علاج خاص.

باختصار، هذا هو الوضع عالمياً. أما في لبنان، وإذا ما أردنا العودة إلى البداية، نذكر أنه في المؤتمر الصحافي الأول حول الإنفلونزا الجديدة، نصحت وزارة الصحّة العامة بالحدّ من عادات التقبيل والعناق والتخفيف من المصافحات بين الناس بالإضافة إلى الغسل المتكرّر لليدين. فظنّ الجميع أن في الأمر «مزحة».
 
وكان انتقاد شديد لعدم الخروج بإجراءات رادعة وقرارات جديّة. لكن أحداً لم يكن يعلم في ذلك الحين أن تلك النصائح ما هي سوى إرشادات منظّمة الصحّة العالميّة التي خرجت بها في وقت لاحق، وقد اعتمدت حول العالم كأساليب وقاية للحدّ من انتشار الوباء.

وعندما اتّهمت الجهات الرسميّة بعدم اتخاذ التدابير اللازمة في المطار والمرفأ وعلى الحدود البريّة، لم يكن أحد يعلم بأن الفيروس يعبر الحدود غير آبه بكلّ آلات مسح الحرارة ولا بالاستمارات التي يملؤها الوافدون ولا بطواقم الحجر الصحي. والدليل أن جميع الدول التي استخدمت أحدث التقنيّات في مرافئها (ولبنان من ضمنها) هي اليوم موبوءة.

إذاً، لبنان لا يختلف اليوم عن سواه من دول العالم. والجهات المعنيّة تقوم بما عليها للحدّ قدر المستطاع من مترتّبات انتشار الفيروس، على الرغم من بعض الاتهامات الدائمة بالتقصير من هنا وهناك. ففي القطاع التعليمي مثلاً، كانت اتفاقيات وتنسيق بين الإدارات المعنيّة الرسميّة والخاصة لمحاولة ضبط الأمور.
 
وقد تمّ إغلاق بعض المدارس في مناطق لبنانيّة مختلفة، بعدما ارتأت إداراتها ضرورة ذلك للحدّ من انتشار الفيروس. لكن، على الرغم من الإجراءات المتّخذة، ما زال كثيرون يتردّدون في كلّ يوم قبل إرسال صغارهم إلى المدرسة خوفاً من إصابتهم بالعدوى.

من جهة أخرى، وكما في جميع الأزمات، يحاول البعض الاستفادة من قلق الناس وخوفهم، فيبيعونهم ما يدّعون أنه فحوصات كاشفة للمرض. كذلك، بسحر ساحر، توفر لدى بعض الصيدليّات اللقاح الذي ما زال غير متوفر حتى في الأسواق العالمية، فوضعت لافتات «لدينا لقاح A/H1N1».

ولا ننسى بعض المستشفيات، وهي مراكز طبيّة، كيف توهم بعض المرضى بفحص تعتبره «دقيقا»، فتخضعهم له لتقول لهم الموظّفة بعد صدور النتيجة، وبابتسامة عريضة: «مبروك! ما في إنفلونزا خنازير»، بينما النتيجة تحتمل التأويل الطبي!

الوضع، قد لا يكون «استثنائياً» في بلد كلبنان.. أما أن يُستغلّ ما يشعر به الناس من هلع من قبل بعض الجسم الطبي ومؤسسات صحيّة (وليس من قبل مجرّد تجار جشعين يروّجون لمواد تنظيف)، فهذا ما يعتبر «فاضحاً».
 
ونسأل كم من المواطنين سوف يُستغلون بعد، خصوصاً وقد بدأنا نشهد في الأيام الأخيرة موجة برد تهيئ الأجواء لموسم شتاء قاس.. موسم تتفشّى به الإنفلونزا بأنواعها.

2009-11-09