ارشيف من :أخبار لبنانية
الضاحية... إلى النظام
إنّها البداية، رحلة «إعمار» النظام... العام في الضاحية الجنوبية لبيروت انطلقت. فهذه المساحة الصغيرة لم تستطع تحت القصف وصفارات القطارات التي نقلت، على مدى عقود متتالية، وافدين من الحرمان والاحتلال، أن تقف عند إشارة أو شرطي، ولم تشرب ماءً نظيفاً... فتمرّدت على الدولة تارة ونسيتها أحياناً أخرى. اليوم صفحة جديدة مع مشروع «النظام من الإيمان»
كانت الساعة قد تخطّت منتصف الليل. الإشارة الحمراء المزروعة حديثاً عند تقاطع مروري في الضاحية الجنوبية لبيروت تكاد تصبح مصدراً وحيداً للنور، لولا مصابيح السيارة.
فكهرباء الدولة مقطوعة في الشارع الذي يحمل اسم الشهيد هادي نصر الله. الشاب الذي يقود السيارة لم يجد على يمينه أو يساره ما يبشّر بوصول سيارات قريباً، فهَمّ بتجاوز الإشارة الحمراء. تنهره الشابة التي إلى جانبه قائلة: توقف. ماذا لو مر السيّد ورآك غير ملتزم بالإشارة الضوئية؟
الشابة تتحدّث عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. ففي بعض أوساط الضاحية، يُنسَب إلى السيد قوله إنه كثيراً ما يتجوّل في الضاحية، وإنه لاحظ أن السائقين يلتزمون بالإشارات الضوئية، ولو في وقت متأخر من الليل. الكلام المنسوب إلى نصر الله أتى خلال واحد من الاجتماعات التي عقدتها قيادة حزب الله خلال الأشهر الماضية، والتي مهّدت لإطلاق «الحملة الأهلية للمساهمة في تطبيق النظام العام».
الحملة التي ستنطلق رسمياً بحفل عند السادسة من مساء اليوم تهدف إلى توعية سكان الضاحية على أهمية النظام والاهتمام بتطبيق القوانين، بالتوازي مع السعي لدى الدولة من أجل القيام بواجباتها على الصعد التنموية والاجتماعية والأمنية.
الحديث عن «الدولة» في الضاحية «بيحرق القلب». خذ مثلاً الإشارة الضوئية. لم تعرفها الضاحية قبل الأشهر الماضية. وقبل تركيبها عند بعض التقاطعات، لم يكن هناك شرطي سير. وبعد تركيب الإشارات، ما زال بعضها يعاني مشكلة انقطاع التيار الكهربائي (رغم محاولة لحظ حل لهذه المعضلة عبر وحدات تغذية احتياطية).
ويمكن النظر إلى «حكاية» الإشارة كعيّنة من أوجه غياب الدولة عن أكبر المناطق المهمّشة في لبنان، وإحدى أكثرها اكتظاظاً (نحو 800 ألف شخص في مساحة لا تزيد على 28 كلم2). شهدت هذه المنطقة تضخماً عمرانياً وسكانياً أكثر من مرة، بالتزامن مع المحطات الرئيسية في تاريخ البلد.
الحرب الأهلية أدت إلى تهجير من المناطق الشرقية إلى الضاحية. الحرمان في البقاع زاد النزوح إلى الضاحية. الاجتياح الإسرائيلي عام 1978 لم يترك لأهل الجنوب وجهة إلا الضاحية، التي صارت محط رحالهم مع استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي المحررة. وبعد انتهاء الحرب الأهلية، بدأت مرحلة إخلاء المهجرين، فكان للضاحية نصيب كبير من السكان الذين يقطنون في العاصمة وبعض «مناطق المهجرين».
لدى تعداد أوجه غياب الدولة عن المنطقة، تبدأ لائحة قد لا تنتهي في هذه السطور. المدارس الرسمية، الكهرباء، الطرقات، زحمة السير، مواقف السيارات، معالجة النفايات، شح المياه (تصل إلى الضاحية كمية لم تتغير منذ أكثر من 20 عاماً بحسب مصادر بلدية في المنطقة)، النطاقات البلدية المتداخلة، غياب المراكز الصحية الرسمية ونقص عديد رجال الأمن وعتادهم.
وبين الناس والدولة في الضاحية حكاية لا تنضح بكثير ودّ. شأنهم في ذلك كمعظم سكان الضواحي في لبنان والعالم. وما لم يساعد على ترميم تلك العلاقة هو اعتداء السلطات على أهالي هذه المنطقة أكثر من مرة، فباتوا لا يقتربون من تضميد جرح حتى يُفتَح آخر أكثر إيلاماً ونزفاً (مجزرة طريق المطار عام 1993، حيّ السلم 2004، الرمل العالي 2006، مار مخايل 2008).
تضخّمت الضاحية مرات ومرات. ورغم عدد من المشاريع التي نفّذت، إلا أنها لم تواكب ما مرّ على هذه المنطقة من تغيرات وأحداث. ومعظم الخطط التنموية المهمة بقيت حبراً على ورق، كمشروع إليسار (إنماء الواجهة البحرية للضاحية) والمخطط التوجيهي.
حزب الله هو الحاضر الأكبر في الضاحية، إلى جانب حركة أمل. وبعد سنوات طويلة من العمل الخدماتي بين الناس، خاض الحزب للمرة الأولى تجربة إعادة إعمار ضخمة عبر مؤسسة «وعد»، عقب عدوان تموز 2006. وللمرة الأولى تقريباً، يولي مشروعُ إعمار في الضاحية اهتماماً خاصاً بالأملاك والمساحات العامة ومحاولة زيادة الخضرة وتأهيل البنية التحتية تأهيلاً حديثاً.
ورغم أن الحملة التي ينظّمها حزب الله اليوم تبدو امتداداً لهذا التوجه الذي يضع الحق العام في درجة عالية على سلّم الأولويات، فإن سؤالاً مشروعاً يتبادر إلى الذهن: لماذا استفاق حزب الله على هذه المطالب الآن؟ يتوقف النائب علي عمار، وهو أحد الناشطين الرئيسيّين في هذه الحملة، عند كلمة استفاقة ويرى أنها في غير محلّها. فالحفاظ على «النظام العام هو جزء أساسي من ثقافة الحزب وعقيدته.
ونحن لم نتوقف يوماً عن مطالبة الدولة بالقيام بواجباتها. لكن ثمة ما أسهم في سقوط ثقافة الانتظام العام لدى المواطن اللبناني عموماً، بدءاً من الحرب الأهلية والفساد الإداري والسياسي وتخلّي الدولة عن التخطيط والتنمية الريفية، إضافة إلى بقاء البلاد عرضة للعدوان الإسرائيلي الدائم». وبحسب عمار، فإن الحزب كان يصبّ في الفترة الماضية كل جهده في مقاومة العدوان الإسرائيلي، فضلاً عن الأولوية الأمنية الضاغطة في السنوات الماضية.
ويلفت عمار إلى أن حزب الله وحركة أمل بذلا «الوافر من الجهد خلال السنوات العشر الماضية، عبر المجالس البلدية، من أجل تحسين الخدمات في المنطقة.
وقد نجح العمل البلدي أحياناً. لكن الدولة لم تستفد من حضور البلديات، بل إن بعض الدوائر الرسمية كانت تتخطى المجالس البلدية أو تعرقل عملها». ويضيف نائب الضاحية: «بعد سلسلة دراسات للواقع في المنطقة، ارتأينا، كحزب الله وحركة أمل، ومن خلال التواصل مع البلديات والجمعيات، إطلاق الحملة، من أجل أن تكون الضاحية في موقع الريادة لإعادة الاعتبار إلى ثقافة القانون في المناطق المهمّشة».
ويرى حزب الله أن حملته هي جزء من عمله المقاوم، إذ إن «الحفاظ على الأنظمة التي تعنى بشؤون المواطنين ومصالحهم تسهم في حماية الوطن»، بحسب عمار الذي يؤكد أن الحزب سيلاحق، من خلال نوابه وممثليه في الحكومة، القضايا الإنمائية للمناطق المحرومة بوتيرة أكثر تنظيماً وتصميماً.
وهذا التصميم سيكون، بحسب حزب الله، إحدى ضمانتي نجاح الحملة. فالحزب وحركة أمل اتخذا قراراً لا رجعة عنه في تنفيذ هذه الخطوة. وبعد اجتماعات بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وقيادة حزب الله، انتدب مجلس الشورى في الحزب أحد أعضائه، وهو رئيس المجلس التنفيذي السيد هاشم صفي الدين، للإشراف على هذه الحملة.
كذلك، يؤكد أكثر من مسؤول في حزب الله أن تنفيذ الحملة سيصبح جزءاً من العمل اليومي لمؤسسات الحزب في المنطقة، «وسيكون مسؤولوه وأفراده أول من تُطبّق عليهم القوانين».
أما الضمانة الثانية، فهي التعاون بين البلديات ومؤسسات المجتمع الأهلي، وإدراك المواطنين أن الالتزام بالأنظمة والقوانين يسهم في تحسين أحوال المنطقة عموماً، بحسب عمار.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018