ارشيف من :أخبار لبنانية
11 تشرين الثاني: تاريخ محفور في ذاكرة المحتل.. ووعيه

..هنا كان مقر الحاكم العسكري الذي تحول إلى ركام في لحظات
غنوة ملحم
مع العملية الاستشهادية التي نفذها الاستشهادي الاول أحمد قصير في مقر الحاكم العسكري الاسرائيلي في مدينة صور في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر1982, انطلقت قافلة الاستشهاديين والشهداء الصديقين في قطار المقاومة الاسلامية, من هنا، كان هذا اليوم في مثل هذا التاريخ يجسد "يوم شهيد حزب الله".
الشهادة بداية الحياة، وليست نهايتها، والشهداء ثلة من المجاهدين، "صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا". من أعلى رأس الهرم الى اسفل القاعدة، كلهم واحد في العمل على ملاقاة الله سبحانه وتعالى, هؤلاء هم جنود المقاومة الاسلامية، سلكوا درب الشهادة تواقين للنصر المبين، ولذلك تراهم دائما يعتبرون الاستشهاد نداء يتجدد، ينازلون العدو في كل موقع ودار، حتى ترتفع رايات التحرير المخضبة بالدماء الزكية.
مقاومة بهذا التوجه، وهذا الايمان الكبير لا يمكن ان تهزم ولا بد ان تنتصر، ويبقى لديها "يوم الشهيد " يوم التأكيد على الوعد والعهد، وهم يستظلون بالآية الكريمة "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون"، ومقاومة كهذه تجدها كشجرة جذورها في الارض وفروعها ضاربة في السماء، تقاتل حتى التحرير الشامل.
كان لا بد لهذه الكلمات ان تسبق الحديث عن احد الشهداء, كيف لا والموضوع يتعلق بباكورة أعمال المقاومة الاسلامية وبأول انجازاتها البطولية, فهو يوم شهيد حزب الله الذي يعني الكثير بالنسبة للعديد من الاشخاص، وخصوصا عوائل الشهداء حيث تتجدد معهم حكايات الشهداء وبطولاتهم, اما في مدينة صور فالوضع مختلف، فهو المكان التي حصلت فيه العملية وهو المكان التي تجد فيه من عايش اللحظات الاولى لها.
السابعة الا عشر دقائق: افتتاح عهد الاستشهاديين
يروي الدكتور حسن الزين وهو طبيب يعمل في مستشفى جبل عامل في صور، وهو المستشفى الملاصق "لمقر الحاكم العسكري الاسرائيلي" انذاك, يروي ما شاهده وقت العملية, فيقول "كانت وقتها ايام اشتدت فيها ما وصف بـ"القبضة الحديدية" التي مارسها الاحتلال على أهلنا، وكانت تلك الايام في فصل الشتاء، وقد حصل طوفان بفعل الامطار الغزيرة تضرر جراءها العديد من خيم جنود العدو المنصوبة في منطقة البص قبل يوم واحد من العملية، فاضطر الجنود الى اللجوء لمبنى الحاكم العسكري الذي عج حينها بالجنود".
وأضاف: " قرابة السابعة الا عشر دقائق صباحا كنت استلقي في غرفة مقابلة للمبنى، وقفت مذعورا لا ادري ماذا حصل لبضع لحظات، ومن شدة الانفجار، لم اسمع صوته اطلاقاً، لكني شاهدت بأم العين كيف كان المبنى المؤلف من ثماني طبقات يهوي طبقة فوق طبقة, بعدها بدأ مخزن الذخيرة بالانفجار, شعرت في أثنائها بأنها عملية ما قامت بها المقاومة ولم أكن اعلم انها استشهادية، الا عندما حضر أحد المواطنين الذي كان بقرب المبنى بسيارته وروى لي كيف مرت سيارة بيضاء بسرعة قوية وتجاوزته ودخلت الى المبنى مباشرة.
إرباك في قيادة العدو
وقال الزين:" ان قتلى العدو بلغوا ما يزيد عن مئتي قتيل، لانه بعد دقائق من بدء عمليات الانقاذ التي بدأت بعد ساعتين من العملية شاهدت نحو 45 جثة ممددة على الطريق العام، وأبني كلامي على إتلاف الخيم التي كان يسكنها الجنود وحضورهم الى المبنى المذكور، اضافة لذلك حصلت العملية عند الساعة السابعة الا عشر دقائق في الوقت الذي تنتهي فيه الدوريات الليلية عند الساعة السادسة والنصف وتبدأ عمليات التبديل عند الساعة السابعة، يعني ذلك ان وجود عناصر الدوريات الليلية لازم وجود عناصر التبديل النهاري، وهذه الفرصة تقضي بوجود جميع الجنود تحت أنقاض المبنى".
ولفت الزين الى ان ساعتين من الارتباك المتواصل والبكاء المستمر من الجنود ساد المنطقة، "فالجنود الذين نجوا لا يعدون على أصابع اليدين، وكانوا لا يعرفون ماذا يفعلون بعد مقتل قادتهم ومسؤوليهم داخل المبنى المدمر. وعند الساعة التاسعة صباحا" أي بعد ساعتين على العملية حضرت عدة طائرات مروحية وترجل منها قرابة 25 شخصا يرتدون ملابس مدنية متشابهة عرفت انهم من استخبارات العدو الذين وصلوا وبدأوا برمي الجثث بسرعة رهيبة في المروحيات كي لا يشاهدها أحد او يتم تصويرها، وخلال ساعات ما بعد الظهر حضر وزير الحرب الاسرائيلي آنذاك آرييل شارون يرافقه عدد من المسؤولين الاسرائيليين، أذكر منهم إسحاق موردخاي، وعلامات الاحباط تملأ وجوههم، وجعلوا المستشفى الذي أنا فيه ثكنة عسكرية طيلة فترة عمليات الانقاذ التي استمرت حتى اليوم التالي، وفي اليوم الثالث قطع الاسرائيليون الامل بوجود احياء فبدأوا عمليات الجرف، وأذكر انهم قتلوا جريحا اسرائيليا أثناءها".
وعن شعوره بهذه الذكرى، اعتبر الزين: "انها بالفعل لحظات رائعة، فكلما اذكر تلك اللحظات أشعر بالعزة والفخر بأنني كنت شاهدا على بكاء الجنود وعويلهم، وكنت شاهدا على هزيمة الاحتلال وانكسار شوكته".
والدة الشهيد لم تعلم باستشهاده إلا بعد عام
وفي دير قانون النهر حيث مسقط رأس الشهيد احمد قصير, يستقبلك مدخل البلدة حيث تمثال ضخم للشهيد احمد وعلى بعد امتار منزل العائلة, هناك تستقبلك والدة الشهيد التي لم تعلم باستشهاد ولدها احمد الا بعد عام وتقول " احمد توجه الى بيروت للعمل في دكان والده، وكالعادة انتظرته حتى يعود يوم الجمعة الا انه لم يحضر، وكذلك يومي السبت والاحد فتوجهت فورا انا ووالده الى بيروت، وبدأنا نسأل عنه عند اقاربه واصدقائه، والجميع لم يعرف شيئا عن احمد حتى بلغ الامر بنا لوضع صورته في الجريدة من دون فائدة، وعشت عذابات الام الثكلى فترة عام تقريبا، لم أترك وسيلة ولم أستنجد بها للعثور على احمد، ولم يخطر ببالي انه قد استشهد في عملية لانه اذا حصل ذلك فإنني سأبلّغ بالطبع، الا ان وصية الشهيد احمد حالت دون معرفتي، حيث وصى بعدم ذكر اسمه الا بعد انسحاب العدو من المنطقة حفاظا على سلامة اهله، وعلمت بأمر استشهاده من احدى الاخوات عن طريق الخطأ، ثم سحبت قولها، وكان وقتها أخو الشهيد على علم بالامر، فتوجهت فورا الى بيروت وسألت ولدها عن مصير احمد، فأخفى علمه حتى استحلفته برسول الله ودماء الامام الحسين (ع) عندها أجابني بالحقيقة".
وتشعر والدة الشهيد بأن كل واحد من المقاومين هو احمد، وقالت انها فخورة بالعزة والكرامة التي أعطاها أحمد وأمثاله لكل اللبنانيين.
11 تشرين الثاني/ نوفمبر تاريخ لن ينساه الصهاينة، بداية العهد في العمليات الاستشهادية التي تلتها تباعاً عملية الاستشهادي بلال فحص وسناء محيدلي وحسن قصير، وغيرهم كثيرون، من أسسوا لبداية هزيمة الصهاينة في العام 2000 والنصر الالهي في تموز 2006 الذي صنعته دماء الشهداء والجرحى، وتعبُ المجاهدين لتبقى المقاومة درع لبنان الواقي.
يجسد يوم الشهيد ذكرى فاتح عهد الاستشهاديينَ احمد قصير. فالحادي عشر من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1982، كانت اجزاء واسعة من لبنان ترزح تحت الاحتلال الصهيوني بعد شهور قليلة على اجتياح وصل الى بيروت والجبل وجزء من البقاع ، فضلاً عن كامل الجنوب. في ذلك التاريخ ، وجهت المقاومة الاسلامية التي كـانت لا تزال تعمل في السر، ضربة موجعة للعدو هي الاولى من نوعها في تاريخه الاحتلالي، حيث استهدفت بسيارة محملة بالمتفجرات مقر الحاكـم العسكـري الصهيوني عند منطقة جل البحر في صور، انفجار ضخم نسف طبقات المبنى السبع التي يشغلها جيش الاحتلال وعلى رأسه الحاكم العسكري، ما اسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى الاسرائيليين. اعلنت اسرائيل الحداد لثلاثة ايام، معترفةً بسقوط نحو خمسة وسبعين قتيلاً بين ضابط وجندي، لكنها لم تتمكن من فك لغز هذا الحدث، بعدما ادعت ان ما حصل هو انفجارٌ عرضي لاسطوانات غاز.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018