ارشيف من :أخبار لبنانية
حسين الحاج حسن المتفوّق يسأل قيادة الحزب
حسن عليق - جريدة الاخبار
كان حسين الحاج حسن في الثامنة من عمره عندما تلقت "الأمة" صدمة الهزيمة. حرب عام 1967 تركت فيه أثراً لم تمحُه سوى حرب 1973. في الأخيرة، "تعلّمنا أن بإمكاننا أن نستعيد العنفوان"، يقول الابن البكر للأسرة التي انتقلت من بلدة النبي شيت البقاعية إلى حي الحجّاج في الشياح، حيث سكنت في منزل مؤلف من ثلاث غرف. لم يكن فيه سرير. وكان حسين، الفتى المتفوّق في دراسته، يعاون أمه في الأعمال المنزلية. "كنا نمدّ "فرشات" النوم في غرفتين ليلاً، ونوضّبها صباحاً". الوالد كان رتيباً في الجيش اللبناني، فربّى، مع زوجته، أبناءهما الخمسة، وابنتهما الصغرى على الانضباط. "كنا طموحين، ونقنع بما لدينا في الوقت عينه". نشأوا على ذلك في الضاحية، التي كانت تضجّ بالحرمان والأحلام. وصغيراً، تفتّح وعي حسين السياسي، ذو الاتجاه الديني ـــــ الناصري. وفي السادسة عشرة من عمره، انضم إلى "لجان العمل الإسلامي"، التي كان محمد فنيش (الوزير والنائب الحالي) ومحمد برجاوي (نائب بيروت السابق) من أبرز قادتها. كانت تلك المجموعة تناصر الإمام الخميني، منذ ما قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران. هي خليط من أنصار حزب الدعوة والخمينيّين. وفي الفترة ذاتها، بدأ أول عمل منتج له، من خلال التدريس الخصوصي، قبل أن يتوظف بعد سنتين مدرّساً في مدرسة خاصة.
تنقّل حسين طالباً بين مدارس الضاحيتين، في المريجة والغبيري وعين الرمانة. وكانت المؤسسة العسكرية تغطي الأقساط المدرسية. كان في الصف الثانوي الأول عندما تقطّعت السبل بين ضفتي طريق صيدا القديمة، فلم يعد قادراً على عبور ما صار واحداً من أشهر خطوط التماس في لبنان، ابتداءً من 13 نيسان 1975. لم يكمل سنته الدراسية في عين الرمانة، فانتقل إلى بعلبك، حيث حافظ على تفوّقه. التفوق الذي رسم مسيرة حياته في كلية العلوم بالجامعة اللبنانية. فبعد نيله الإجازة الجامعية، حصل على منحة من الدولة الفرنسية، لإكمال دراساته العليا في ستراسبورغ. وبعد نيله دبلوم الدراسات المعمّقة بتفوّق أيضاً، نال منحة ثانية من الجهة نفسها، لإكمال دراسة الدكتوراه في أورليون، في اختصاص "فيزيائية الكيمياء الجزيئية" (BIO Physico Chimie Moléculaire)، وهو ما مكّنه من تدريس الكيمياء والفيزياء وعدد من المواد المتعلقة بدراسة الطب.
وقبل تخرّجه من الجامعة اللبنانية، كان الحاج حسن قد خضع لدورات عسكرية في التنظيم الذي انتمى إليه، وشارك في المعارك التي خاضتها المقاومة ضد قوات الاجتياح الإسرائيلي على محاور الضاحية الجنوبية لبيروت، من الليلكي إلى الطيونة. بعد ذلك، بدأت "لجان العمل الإسلامي" تذوب شيئاً فشيئاً في ما سيعرَف لاحقاً باسم "حزب الله". لكن حسين الحاج حسن لم يشهد التحول كاملاً، إذ إنه كان، منذ عام 1983، قد غادر إلى فرنسا لإتمام دراسته، من دون أن ينقطع عن زيارة بلاده. وبعد سنتين، تزوج حياة سلهب، وهي شقيقة زوجة شقيقه، ورزق منها حتى اليوم ابناً (محمد) وثلاث بنات (فاطمة ونرجس وبتول).
في فرنسا، لم يواجه الشاب الإسلامي الآتي من الضاحية الجنوبية لبيروت أي مشاكل تُذكَر، رغم "مشاغباته" التي لم تتوقف. إذ إنه كان واحداً من مجموعة إسلاميين لبنانيين لم يوقفوا نشاطاتهم الدينية والسياسية هناك. يقدّر الحاج حسن جيداً ما قدّمته فرنسا إليه. فإضافةً إلى المنحة التعليمية، لا يزال الرجل ينظر بإعجاب كبير إلى "الإيجابيات الرئيسية في المجتمعات الغربية: التنظيم والإنتاج واحترام حقوق المواطنين". أما تديّنه، فلم يمثّل أيّ عائق أمامه في بلاد الاغتراب، بحسب ما يؤكد قائلاً: "نحترم عاداتهم وخصوصياتهم، ونتوقع منهم أن يعاملونا بالمثل. ومظاهر التدين لن تقف حائلاً دون التواصل الإنساني".
فور عودته إلى لبنان عام 1987، سكن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وعمل أستاذاّ متفرغاً في كلية العلوم بالجامعة اللبنانية. إضافةً إلى ذلك، بدأ التدريس في كليّتي الطب وطب الأسنان. وبالتوازي مع التفرغ، كان أحد الذين أسهموا في تأسيس مركز الدراسات التابع لحزب الله، وهو المعروف اليوم تحت اسم "المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق". يرفض الحاج حسن تسمية الشخص الذي كان أول من خطرت له هذه الفكرة. "كنا مجموعة. رأينا أن أي حزب لن يتطور من دون مراكز للدراسات. وقد تبنت قيادة الحزب حينها هذه الفكرة، وقدمت الدعم اللازم لها". ترأس النائب الحالي المركز حتى عام 1990. قبل ذلك بسنتين، سقط من عائلته شهيدان، وبفارق زمني يقل عن شهرين. شقيقاه محمد وأحمد اللذان كانا في صفوف المقاومة الإسلامية. لا يكثر الحاج حسن من الحديث عن ذلك. يقول إنه يخجل من كل عائلة سقط منها شهيد أو أكثر، "ومن سماحة السيد (حسن نصر الله) الذي قدّم ابنه شهيداً".
مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، عُيِّن الحاج حسن مسؤولاً لوحدة التعبئة التربوية المركزية في حزب الله، إضافةً إلى تولّيه مناصب أخرى لا يذكرها.
في عام 1996، وقع اختيار قيادة الحزب عليه ليكون أحد مرشحيه للانتخابات النيابية في البقاع. وعندما يُسأَل عن سبب اختياره، يرد بالقول: "اسألوا قيادة الحزب. فأنا لم أطلب الموقع الذي آمل أن يوفقني الله لأن أكون فيه على قدر الثقة التي حمّلني إياها الناخبون وقيادة الحزب". الفوز لم يكن صعباً في المنطقة التي يملك حزب الله ثقلاً شعبياً لا يخضع لأي منافسة جدية. "سعادة النائب" استقال من وظيفته في الجامعة اللبنانية، لكنه استمر في العمل في كلية الطب، متعاقداً للتدريس يومين في الأسبوع. أما الأسرة، فلم يتغيّر عليها شيء تقريباً. ضغط العمل، وبالتالي انشغاله، لا يزال كما هو، وإن توسعت رقعته. والحاجة أم محمّد (زوجته) لا تزال تزاول نشاطها في الهيئات النسائية في حزب الله كالمعتاد.
في البرلمان، نشط الحاج حسن بالعمل في عدد من اللجان النيابية، أبرزها الاقتصاد والتجارة، قبل إعادة انتخابه عامي 2000 و2005. وفي الفترة الفاصلة بينهما، ترأس لجنة الزراعة والسياحة في مجلس النواب، وكان عضواً في لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة. ومنذ عام 2005، استمرت عضويته في لجنة الأشغال، وأضاف إليها عضوية المال والموازنة.
وعند سؤال حسين الحاج حسن عن سبب اختياره وزيراً للزراعة، يكرر الجواب السابق: إسألوا قيادة الحزب. وبحسب ما يؤكد، فإنه لم يكن يعرف أن قيادته ستختاره إلى أن تلقى اتصالاً صباح يوم صدور مرسوم تأليف الحكومة، "من الشخص المعني في حزب الله"، يبلغه فيه أنه سيكون وزير الزراعة في الحكومة المقبلة.
الحوار مع الرجل يثير الفضول إلى حد الإرهاق، لأن معظم الأسئلة المتعلقة بحزب الله تدخل دائرةَ ما يجيب عنه مبتسماً: "شو بدّك بهالخبرية؟".
ثلاث ورش زراعيّة
وزير الزراعة حسين الحاج حسن هو ابن المنطقة الزراعية الأكبر في لبنان، وإحدى أكثرها فقراً وإهمالاً. وإضافةً إلى ذلك، فإنه كان رئيساً للجنة الزراعة النيابية لمدة 4 سنوات. وبذلك، يكون الرجل من أكثر النواب معرفة بالقطاع الزراعي في لبنان. يؤكد أنه يملك خطة لإنهاض القطاع الزراعي في لبنان، لكنها تحتاج إلى سنة على الأقل قبل أن تبدأ نتائجها الظهور جزئياً، و3 سنوات لتؤتي ثمارها. لكن هذه الخطة لن تكون قيد التطبيق قبل أخذ آراء المعنيين بالقطاع الزراعي، وإدخال التعديلات عليها. ومن أجل ذلك، يعد حسين الحاج حسن بإجراء لقاءات في غضون الشهر المقبل مع ممثلي القطاع الزراعي وممثلي الكتل النيابية. وبحسب الوزير، فإن القطاع بحاجة إلى ثلاث ورش رئيسية من أجل النهوض: واحدة قانونية، وثانية مالية وثالثة إدارية وبشرية.
في الأولى، هناك عدد كبير من مشاريع القوانين التي لم تُقر في مجلس النواب بعد (كان الحاج حسن قد قدم نحو 10 منها بين عامي 2000 و2005 بالتعاون مع عدد من الخبراء). ومن تلك المشاريع قوانين تنظيم مهنة بيع الأدوية الزراعية والأسمدة، وسلامة الأغذية، وتنظيم مهنة الزراعة، والحجر الصحي. "ولن نتمكّن من بدء إقرار مشاريع القوانين هذه قبل 6 أشهر كحد أدنى". أما الورشة المالية، فتتعلق بتوفير الأموال اللازمة لتنفيذ البرامج الزراعية، ومنها على سبيل المثال توسيع شبكة الطرق الزراعية، ورفع مستوى جودة الإنتاج. وتبقى الورشة الإدارية. ملاك وزارة الزراعة بحاجة إلى ملء الفراغ الموجود فيه، إضافةً إلى تفعيل ما هو متوافر حالياً. ومن لن يكون مستعداً للعمل، فليهيّئ نفسه للرحيل. إذاً، وزير الزراعة يعد بورشة لا هدوء فيها. فلننتظر...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018