ارشيف من :أخبار لبنانية
خاص الانتقاد.نت: أسئلة ما بعد النشر وقراءة في الاهداف
كتب المحرر العبري
نشرت صحيفة "يديعوت احرونوت"، في ملحقها الاسبوعي الاخير، "وثيقة" تابعة لحزب الله، قالت انها استحصلت عليها اخيرا، تبين مدى متابعة الحزب للجيش الاسرائيلي، ومعرفته بتكتيكاته وتقنياته وخططه الدفاعية، اضافة الى تشكيلاته وكمائنه ووسائله القتالية، وصولا الى اصغر التفاصيل الدقيقة عن الوحدات العسكرية العاملة في المنطقة الشمالية من فلسطين المحتلة..
حظيت الوثيقة، على جملة من التعليقات الاسرائيلية كتردد وصدى للصدمة التي تسبب به محتواها وما تظهره من انشكاف للجيش الاسرائيلي امام حزب الله.. الى درجة ان احد المعلقين الاسرائيليين اشار الى ذهوله مما تتضمنته، رغم انها تعود الى فترة سابقة على الحرب الاسرائيلية على لبنان عام 2006، استنادا الى مضمون الوثيقة نفسها.
سؤال ما بعد النشر، والتغطية الملفتة في وسائل الاعلام الاسرائيلية لهذه الوثيقة، و"الصدمة" التي عبر عنها عدد من المراسلين العسكريين في اسرائيل، بل وايضا عدد من الضباط الرفيعي المستوى كما تشهد صحيفة يديعوت احرونوت نفسها.. هو سؤال عن معنى ودلالة هذا النشر. اذ ان الكشف عن الانكشاف الاسرائيلي على حزب الله يحمل في طياته كشفا اضافيا عن قدرة الحزب وتعاظمها، وهو في الظاهر غير مفيد ومضر للجيش الاسرائيلي ويؤثر سلبا على ثقته بجيشه وقدراته.
رسالة استخباراتية
يعتبر مراسل الشؤون الاستخباراتية في صحيفة "يديعوت احرونوت"، رونن برغمان، وهو ناشر التقرير والمعلق الرئيسي عليه، احد اهم المراسلين الاسرائيليين في الكيان، ويعتبر ايضا احد المقربين من رئيس الموساد الاسرائيلي مائير داغان، وقد اعتاد في السنوات الماضية منذ تسلم داغان رئاسة الموساد، الترويج لقدراته وانجازاته والدفاع عنه، بل انه كان بوقا اعلاميا خاصا به، ساهم في الترويج لكل ما جرى اسناده الى الموساد من عمليات امنية في المرحلة الاخيرة.
في نفس الوقت، يتوجب الاشارة الى ان منطق تعاطي الاسرائيلي مع حزب الله وكل ما يرتبط بقدراته، يواصل كونه من المحرمات وتمسك به الرقابة العسكرية بشكل شبه مطلق، وبالتالي لا يمكن فهم اي نشر لاي وثيقة او خبر او تحليل يتعلق بقدرات الحزب العسكرية، وايضا قدراته الاستخبارية، واكثر تحديدا حيال قدراته على خرق الجيش الاسرائيلي كما تظهره الوثيقة.. لا يمكن فهم ذلك الا انه "كشف" جرى تمريره عن قصد من قبل الاستخبارات الاسرائيلية. اذ لا يقوى مراسل صحفي، مهما كانت منزلته لدى الاستخبارات الاسرائيلية، من تحصيل وثيقة كهذه، التي يبدو ان الجيش الاسرائيلي قد استحصل عليها خلال حرب تموز 2006، بل ان استحصاله عليها (المراسل) كفرضية نظرية لا تعني ان بامكانه نشرها الا بعد رضى وموافقة من قبل الرقابة العسكرية نفسها.
جمهور الهدف
تعتبر صحيفة "يديعوت احرونوت" اهم صحيفة اسرائيلية من حيث انتشارها، اذ تصل مبيعاتها يوم الجمعة، اي اليوم الذي يصدر فيه ملحقها الخاص (سبعة ايام)، والذي جرى تخصيصه بشكل شبه كامل الى "وثيقة" حزب الله، تصل مبيعاتها الى ما يزيد عن 600.000 عدد، على خلاف بقية الصحف الاسرائيلية التي تصل اعدادها يوم الجمعة مع ملاحقها، وهي (هآرتس ومعاريف واسرائيل اليوم وجيروزاليم بوست)، مجتمعة، الى عدد يزيد قليلا عما تصدره "يديعوت". والمعنى في ذلك ان من سرب هذه الوثيقة الى الاعلام، يريد بالفعل ان ينتشر ما ورد فيها الى اكبر عدد ممكن من الاسرائيليين. وهو واقع مرتبط وكاشف للاستهدافات الحقيقية التي ارادت الاستخبارات الاسرائيلية ان تصل اليها.
لم تكتف الاستخبارات الاسرائيلية بنشر الوثيقة في ملحق الصحيفة الاكثر انتشارا في "اسرائيل"، بل انها مهدت لها يوم الخميس الماضي من خلال تقرير موجز، اي قبل يوم من نشر التقرير الكامل عنها، مع التشديد على انها ستنشر التقرير كاملا يوم الجمعة، كما انها استهلكت ايضا الصفحة الاولى يوم الخميس الماضي، مع صورة كبيرة جدا للامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، ولا يبعد ان يكون الهدف هو التأكد من وصول الرسالة الى اكبر عدد ممكن من القراء.
مهنية عالية وقدرات مهولة لحزب الله
اكثر من 600.000 اسرائيلي، قرأ اقرارا غير مباشر من قبل الاستخبارات الاسرائيلية، ان حزب الله تغلغل بالفعل الى الجيش الاسرائيلي ويشغّل مصادر بشرية فيه، اضافة الى عمليات تنصت ومراقبة حثيثة لكل تحركاته، مع انكشاف خطط الجيش الاسرائيلي وتكتيكاته امام الحزب، بل قرأ الاسرائيليون ان حزب الله يدرك جيدا وبشكل تفصيلي عن الوحدات الاسرائيلية العسكرية ومسؤوليتها ودورياتها ووسائلها القتالية وقدراتها وكيفية مواجهتها وتضليلها...
قرأ الاسرائيلي رواية جديدة لم تكن لتصل اليه من قبل، فمعرفة العدو وتفصيلاته وخططه ونواياه، كانت في الماضي مقتصرة تحديدا على الاستخبارات الاسرائيلية، التي تعلم كل شيء عن اعداء اسرائيل، بينما في الجانب الاخر يوجد مسميات استخبارية غير ذات صلة باي انجازات حقيقية على الارض، حتى فيما خص ادنى مستويات القدرة الاستخبارية.
بهذا المعنى، تنضم الوثيقة كدلالة، الى مجموعة واسعة من التصريحات والتعليقات الاسرائيلية، التي تزدحم بها وسائل الاعلام الاسرائيلية في الاونة الاخيرة، كان منها حديث رئيس اركان الجيش الاسرائيلي غابي اشكنازي، امام لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست، الذي شدد فيه على قدرات حزب الله العسكرية، وابرز في حديثه ان الحزب يملك عشرات الالاف من الصواريخ الجاهزة للاستخدام الفعلي، بما يشمل صواريخ تصل مداياتها الى 325 كيلومترا.
ولا يغيب في هذا الاطار مقالة الرئيس السابق لمجلس الامن القومي الاسرائيلي، غيورا ايلاند، في صحيفة يديعوت احرونوت قبل ايام، والتي عاد واكد عليها في اطار مقابلة خاصة في التلفزيون الاسرائيلي كتعليق على "وثيقة" حزب الله.. اذ اشار ايلاند ان "اسرائيل لم تنتصر في الحرب السابقة على حزب الله، وسوف لن تنتصر في الحرب المقبلة"، مضيفا ان "اسرائيل تواصل تدريباتها واستعدادها، لكن في نفس الوقت يواصل حزب الله تعاظمه العسكري، ما يعني ان شيئا لم يتغير".
رسالة ارتداع اسرائيلي ذاتي
الوصول الى فهم استهدافات نشر الوثيقة من قبل الاستخبارات الاسرائيلية، يفرض الاشارة الى القدرة الاسرائيلية المحققة و"المكتشفة" في اعقاب فشل الجيش الاسرائيلي عام 2006، ويرتبط ايضا في فهم الاسرائيليين لهذه القدرات، التي طالها نوع من التضخيم المجدي في اطر محددة تستهدف اعادة الثقة بالجيش الاسرائيلي، وغير مجد في اطر اخرى تتعلق بآمال قد لا يمكن تحقيقها حيال حزب الله.
في السنوات الثلاث ما بعد الحرب، اجتهد الجيش الاسرائيلي في افهام الاسرائيليين انه اصبح مختلفا تماما عن الفترة التي سبقت حربه الفاشلة مع حزب الله، ولا يكاد يغيب يوم دون ان يذكر مراسل من مراسلي اسرائيل العسكريين ان الجيش قد عالج اخفاقا من اخفاقاته التي برزت في الحرب وقادت الى فشله، كما يجري بين الحين والاخر "الكشف" عن وسيلة قتالية جديدة، او أداة تكنولوجية جديدة، وكلها ضمن اطار التشديد على قدرات اسرائيل المتجددة..
في نفس الوقت، هناك تساؤل اسرائيلي منطقي في اعقاب "عرض عضلات" اسرائيل المتواصلة وقدراتها المتجددة، كانعكاس معقول لتشديد اسرائيل في نفس الوقت على التهديد الذي يشكله حزب الله على اسرائيل، والذي يصفه عدد من المعقلين بانه تهديد استراتيجي. هذا التساؤل يعبر عن نفسه بمطالبة بوجوب العمل سريعا على "معالجة" حزب الله، فاذا كانت اسرائيل قد وصلت بالفعل الى فهم وترميم قدراتها العسكرية بناء على فشلها في لبنان عام 2006، فما الذي يمنعها من الاعتداء المباشر على لبنان وانهاء حالة حزب الله.. ويمكن رصد هذا التوجه لدى الجمهور الاسرائيلي، الذي يفرط في التعليق على انباء قدرات حزب الله العسكرية، كما تظهر تعليقات رواد وسائل الاعلام الالكترونية على الانترنت.
من ناحية ثانية، واقعية، لا يبدو ان "اسرائيل" قد وصلت بالفعل الى جهوزية وقدرة على انهاء حزب الله عسكريا، رغم كل ما تملكه من حوافز لازالة تهديده عليها، والذي تقر انه يتواصل في تعاظمه العسكري يوما بعد يوم. بل ان هناك اقرار منعكس بشكل واضح في كتابات استراتيجية اسرائيلية، تصدر بين الحين والاخر عن مراكز الدراسات البحثية الاسرائيلية المختصة، تشير الى ان الجيش الاسرائيلي غير قادر بالفعل على تفعيل خياراته العسكرية، إن وجدت، ضد حزب الله.. وليس اقل الاسباب التي تروج لها هذه الدراسات، هي ما الذي يمكن لاسرائيل ان تقوم به في اليوم الذي يلي العدوان، بمعنى كيف لـ"اسرائيل" ان شنت عدوانها على لبنان ان تستثمر هذا العدوان سياسيا.. ناهيك عن القدرة المادية الموجودة لدى الجيش الاسرائيلي، والتي يمكن ان ينظر اليها في احسن الاحوال على انها قادرة على تمكين اسرائيل من المجازفة في حرب ضد الحزب، دون تضمن نتائجها.
في السنوات الاخيرة، ما بعد حرب تموز 2006، اصبحت "اسرائيل" على ادراك فعلي، ان ليس بقدورها شن حرب وضمان نتائجها، واستنادا الى فشل الحرب الحرب الاخيرة وما تبعها من تداعيات، ليس في وارد "اسرائيل" تكرار محاولة عسكرية غير مؤكدة النتائج، الامر الذي انعكس سعيا اسرائيليا لايجاد ردع حيال حزب الله، او تعزيزه في حال وجوده، محاولة منها لمنعه من تنفيذ اي عمل عدائي ضدها، يجنبها الرد عليه، اي الرد الذي لا تعلم ما يمكن ان يتسبب به من تدهور عسكري مع حزب الله، قد يجر بدوره الى حرب، لا تريدها.
تشير المقاربة الاسرائيلية تجاه الساحة اللبنانية، ان "اسرائيل" تسعى بالفعل الى تفادي الحرب، وأي من مسبباتها، رغم كل التهديدات التي تطلقها بين الحين والاخر، والتي تصل الى حد تهديد ضرب المدنيين اللبنانيين وتدمير لبنان، وهي تهديدات تهدف الى الردع اكثر من كونها تكشف خططا اسرائيلية موضوعة لحرب تتوقعها مع لبنان. وكل الجهد الاسرائيلي منصب على هذه الناحية، اي الردع وتجنيب اسرائيل الحرب. لكن من ناحية ثانية، لا تستقيم محاولة ردع حزب الله، كمسعى كاف لمنع الحرب، لانها تبقى محاولة قد لا يكتب لها النجاح في حال وجود ظروف مؤاتية، تراها "اسرائيل" ممكنة الوجود، وتدفع حزب الله الى تفعيل قدراته العسكرية ضدها.. في هذه الحالة، من الصعب على "اسرائيل" ان تبرر ردها إن وجدت وجوب ان يكون محدودا، وغير متناسب مع تهديداتها الكبيرة جدا، اقله تجاه جمهورها هي.
بهذا المعنى تأتي سياقات التاكيدات الاسرائيلية الاخيرة على قدرات حزب الله العسكرية، وتحديدا الصاروخية التي تطال كل مكان في اسرائيل، اي الاسرائيليين انفسهم بعيدا عن جبهة القتال، وهي الخاصرة الرخوة للكيان، وايضا يأتي الكشف عن الوثيقة المشار اليها، والتعقيبات التي تلتها من قبل المراسلين وتشديدهم على قدرات حزب الله الاستخبارية، وهي مقاربة مقصودة يراد منها القول ان حزب الله يجمع ما بين وسائله القتالية وصواريخه، وبين قدرة استخبارية هائلة على توجيه هذه القدرات.. وهو جمع خطير وغير مسبوق.
خلاصة القول، ان الهدف النهائي من كل ذلك هو ردع الاسرائيليين انفسهم، وإفهامهم بصورة غير مباشرة لمحدودية القدرة لديهم، مسبقا، في حال وجد ظرف ما تضطر معه "اسرائيل" الى القيام برد على اي عمل اعتدائي ضدها من حزب الله، ويكون ردا خارج عن اطار توقعات الاسرائيليين، بعد سنوات من التهديد و"عرض العضلات".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018