ارشيف من :أخبار لبنانية
البيان الوزاري لا يحتمل تصفية حسابات انتخابية
جورج علم - صحيفة السفير
ما يجري في الدوائر الضيقة احتساب لتفاصيل دالة حول ما يعتري العلاقة بين رئاسة الجمهوريّة والبطريركيّة المارونيّة من ثغرات، على الرغم من التأكيد المتبادل على الود العميق، والاحترام السامي، والتفاهم التام حول الثوابت الوطنيّة من كبيرها حتى تفاصيلها الدقيقة.
وكانت البطريركيّة قد حسمت موقفها من توزير الراسبين في الانتخابات النيابيّة، وغادر البطريرك نصر الله صفير الى الفاتيكان في زمن التأليف مطمئنا، وفي اعتقاده أنه على موجة واحدة مع الرئاسة الأولى، وخلال وجوده في روما أدلى الرئيس العماد ميشال سليمان بحديث صحافي يؤكد فيه أن لا شيء في الدستور يمنع توزير الراسبين، وجاء الردّ في صالون المطار وهو في طريق العودة، وعلى قاعدة «إن كلام الرئيس هو رئيس الكلام».
وليست هذه الإشكاليّة بيتيمة، إذ دأب الرئيس منذ توليه مهام الرئاسة على التلميح والتصريح بوجوب إعادة النظر بصلاحياته الدستوريّة، قال ذلك في مناسبات رسميّة وخاصّة، وجاء ردّ البطريرك في زحمة هذه المواقف ليعلن بأسلوبه الخاص: «يقولون ان الرئيس عنده ما يكفي من الصلاحيات، والمهم تطبيق اتفاق الطائف؟!».
وطوت المستجدات المتسارعة كل بحث ومكاشفة ومصارحة بين «الصرحين»، وانبرى من يقول ان البطريرك يقود معركة ضد حلفاء سوريا من المسيحييّن وتحديدا العماد ميشال عون، وسليمان فرنجيّة، ولم يفكر ولو للحظة بالغمز من قناة الرئيس لاعتبارات كثيرة منها أن صوت بكركي يكون أقوى وأكثر فاعليّة بتناغمه مع الرئاسة الأولى، وليس بتنافره معها. وبقي هذا الاعتقاد ساري المفعول الى أن أعلن العماد سليمان خلال زيارته الرسميّة الى إسبانيا بأن الجيش والمقاومة هما معا في خندق الدفاع عن لبنان بوجه الاعتداءات والمطامع الإسرائيليّة، وكرّر مثل هذا الموقف في أكثر من مناسبة، الى أن اصطدم بإعلانين صريحين للبطريرك، الأول في حديثه الى مجلّة «المسيرة»، والثاني قبل يومين، أمام وفد من نقابة المحرريّن حيث اعتبر أن «حزب الله» يحمل سلاحا لتنفيذ رغبات خاصة.
وكان هذا الموقف كفيلا بتحريك مجموعة من قنوات الاتصال، منها الرسمي، ومنها الخاص بحكم الصداقة المشتركة، والغيرة والحرص على ان تبقى العلاقات ما بين القصر الجمهوري وبكركي وديّة، و«صافي يا لبن» لا تشوبها شائبة. إلاّ أن المحصلة الأوليّة جاءت مخالفة لكل الحسابات والتوقعات، خصوصا عندما انبرى من يقول: «ان من له أذنان سامعتان فليسمع، وإن ما يقوله البطريرك لا يستهدف الرئاسة الأولى بقدر ما يستهدف من يريد أن يستهدفهم، واللبيب من الإشارة يفهم، فكيف إذا كانت هذه الإشارة تصريحا صريحا أمام نخبة من أهل القلم».
والمحرج في التصريح هو التوقيت بعدما خرجت القيادات المسيحيّة في قوى 14 آذار والمتعاطفة مع خط بكركي متشظية من معركة التأليف، وتوزيع الحقائب، وسط أفق سياسي محليّ ضاغط باستحقاقاته، ولم يعد على الطاولة سوى مسودة البيان الوزاري لتسجيل بعض المواقف والملاحظات، ولو من باب إثبات الحضور، وإعادة بعض الاعتبار المعنوي لمواجهة جمهور محبط، لا بدّ من استنهاض عصبيته وتذخير طاقاته وإمكاناته تمهيدا لمعركة المجالس البلديّة والاختياريّة التي ستكون أم المعارك الانتخابيّة في معظم الدوائر، إذا ما جرت في مواعيدها، ووفق الاصطفافات السياسية القائمة.
وجاءت بعض المواقف الصادرة خلال الايام الماضيّة عن مسيحيي 14 آذار خير معبر حيث اتصفت بطابع التحدي في الإصرار على ان تكون الفقرة الخاصة بالمقاومة من البيان الوزاري شديدة الوضوح في التعاطي مع سلاح «الحزب»، وفي الإصرار على النفَس السيادي بحيث يكون قرار الحرب والسلم حكرا على الدولة وحدها، وذلك ردّا على المطالبين باستنساخ هذه الفقرة كما وردت في البيان الوزاري للحكومة السابقة، مع الوعد بطرح موضوع السلاح على طاولة الحوار الوطني عند البحث في موضوع الاستراتيجيّة الوطنيّة الدفاعيّة.
ويؤكد بعض أعضاء لجنة الصياغة، من الأقلوييّن، أن النقاش تسوده روح الديموقراطيّة، وكان لا يزال تحت السقف المقبول وإن لامس في مداخلات البعض الخطوط الحمر الحساسة. وقد تمّ استخلاص بعض الملاحظات من خلال المداخلات التي قدّمها ممثلو الفريق المسيحي الأكثري، منها ما يتصل بالتوقيت الذي تعمّده البطريرك صفير ليطلق فيه سلسلة المواقف، التي دفعت بهؤلاء الى تلقف شحنة عالية من المعنويات، والتقدم بمطالعات جريئة في بعض مضامينها واقتراحاتها، الأمر الذي بررّ طرح علامات استفهام: هل توقيت المواقف البطريركيّة جاء من قبيل الصدفة أم عن سابق تصوّر وتصميم؟
وما يضفي جديّة على هذه الفرضيّة، ان مواقف البطريرك تأتي متتابعة، ووفق سلّم تصعيدي، وفي سياق حملة هادفة، ومعدّة سلفا للوصول الى نتائج واضحة. فما هي الأسباب والمبررات التي دفعت بممثّل الأمين العام للأمم المتحدة المخول بمتابعة تنفيذ القرار 1559، تيري رود لارسن، الى الإتصال بالبطريرك قبل أيام، وتهنئته على «مواقفه الوطنيّة»؟ ثم ما حقيقة المعلومات القائلة بأن الفاتيكان حسم أمره وقرر مساندة البطريرك في كل مواقفه وأرسل سفيره المونسنيور غبريال غيتشا الى إقران القول بالفعل، وكانت الحفاوة التي لقيها الأخير من البطريرك شخصيّا، ومن أساقفة الكنيسة المقربيّن من خطّه السياسي أصدق تعبير عن هذا التحوّل؟.
بالطبع، يقول هذا البعض في الفريق الأقلوي، إن الذي عام في بحر التأليف، لن يغرق في كوب البيان الوزاري، وسيبصر هذا البيان النور في نهاية الأمر، سواء تمّ وضع الصيغة النهائية في فترة يومين او أسبوعين، والمسألة لم تعد مقتصرة على تسجيل بطولات وهميّة من خلال بعض المفردات والجمل والحواشي، بل إنها تذهب بالجميع الى التشبث أكثر فأكثر بمنطق الكيديّة، وفتح المزيد من دفاتر الحسابات الجاريّة، مع رئاسة الجمهوريّة، وايضا مع رئاسة الحكومة التي تستعد لفتح صفحة جديدة مع دمشق في الوقت الذي يصرّ فيه البطريرك على إبقاء مسافة في التعامل مع السورييّن، وأخيرا مع الاستحقاقات الداهمة وفي طليعتها انتخابات المجالس البلديّة والاختياريّة التي يريدها البعض معركة تصفية الحسابات في المناطق ذات الغالبية المسيحيّة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018