ارشيف من :أخبار لبنانية

لا يمكن لأي حكومة أن تحكم دون عرض بيانها الوزاري

لا يمكن لأي حكومة أن تحكم دون عرض بيانها الوزاري

عبد الناصر فقيه - "الانتقاد.نت"

-قيمة البيان الوزاري الدستورية:

تنص المادة 66 من الدستور في فقرتها الاخيرة قبل اتفاق الطائف على أنه: "يتحمل الوزراء اجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة ويتحملون افراديا تبعة افعالهم الشخصية"، وتضيف المادة 66 "ويعد بيان خطة الحكومة ويعرض على المجلس بواسطة رئيس الوزراء او وزير يقوم مقامه".

وتوضح هذه الفقرة الأخيرة أهمية البيان الوزاري في دستورية عمل الحكومات اللبنانية المتعاقبة، وبعد تعديلات الطائف نصت الفقرة الثانية من المادة 64 بالدستور

الحالي أن :"على الحكومة أن تتقدم من مجلس النواب في بيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوما من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها".

والشرعية الدستورية التي تستمدها الحكومة تنبع من ثقة الشعب الممثل بالبرلمان عبر نوابه، ولتمنح هذه الثقة يجب ان تعبر الحكومة عن مشروعها وبرنامجها ورؤيتها لمعالجة القضايا الوطنية في مختلف المجالات العامة في البلاد، ولذلك فان مجلس النواب لا يستطيع منح الثقة إلا بناءً على صك مكتوب ((البيان الوزاري)) تتقدم به الحكومة من البرلمان لطلب مناقشتها والتصويت عليه لنيل الثقة.

ويكمن إيضاح القيمة الدستورية للبيان الوزاري من خلال النقاط التالية:

* البيان الوزاري هو "الصك الالزامي" لكل حكومة، الزامي في اعداده، والزامي في عرضه على البرلمان لمناقشته والتصويت عليه بمنح او عدم منح الثقة (كما يقول الدكتور ابراهيم شيحا في كتاب "النظم السياسية والقانون الدستوري" )

* يتوجب على كل وزارة أن تتلو البيان الوزاري على اعضاء البرلمان لأنه يتضمن عرضا لسياساتها الداخلية والخارجية التي سوف تحظى أو لا تحظى بالثقة على

اساسها (كما يؤكد الدكتور صبحي محمصاني بقوله أن " البيان الوزاري هو الفعل الاساسي الذي تنطلق منه عملية منح الثقة او حجبها او نزعها ").

* البيان الوزاري هو المقياس الذي تقوم عليه عملية المحاسبة البرلمانية للحكومة على اعمالها، والمراقبة البرلمانية لأداء الوزارات العام الذي يمكن مجلس النواب من مقارنة المكتوب بالافعال، والبيان يشكل مرجعاً لتعليل سقوط شرعية الحكومة الدستورية في حال حجب أو سحب الثقة عنها.

ويمكن ان نلخص البيان الوزاري على انه "برنامج الحكم" استناداً للقول القانوني "إن الحكومة اداة حكم وليست اداة تنفيذ"، لأن الحكومة تملك بموجب المادة "65" من الدستور السلطة الاجرائية وبالتالي تملك سلطة البت في رسم السياسة العامة للدولة، وهي بالتالي ملتزمة بالثقة التي منحت لها استناداً للبيان الوزاري الذي يجب أن يكون شاملاً ومستوفياً لكافة القضايا والملفات والمشاريع دون اي استثناء، لأن أي موضوع لا يدرج في البيان لاتطاله الثقة واذا لم تطاله الثقة بَطُل البحث فيه او العمل عليه لانه فاقد لموافقة الشعب ولثقة ممثليه القانونية والدستورية .

وعليه يمكن ان نستنتج النقاط التالية:

1-البيان الوزاري هو عمل يدخل في صلب النظام البرلماني الديمقراطي وفي صلب التركيبة الدستورية للحكومة البرلمانية.

2-البيان الوزاري هو اساس شرعية عمل الحكومة، فبدون البيان الوزاري لا ثقة ولا حكومة "تحكم" بل حكومة "تصريف اعمال".

3-البيان الوزاري ليس استنسابياً في مواضيعه بل يجب ان يشمل جميع البرامج والسياسات العامة.

-رئيس مجلس شورى الدولة السابق يوسف سعدالله الخوري: الحكومة هي بمثابة "المستقيلة" حتى نيل الثقة من البرلمان وفقاً لبيانها.

ولتوضيح اهمية البيان الوزاري من الناحية العملية، اعتبر رئيس مجلس شورى الدولة السابق واستاذ القانون في جامعة الحكمة يوسف سعدالله الخوري، وفي حديث

خاص بـ"الإنتقاد.نت"، أن الحكومة الحالية، وحتى إصدار البيان الوزاري، هي بمثابة "حكومة مستقيلة" وهي بمستوى الحكومة السابقة من الناحية الدستورية لناحية

تصريف الاعمال.

وأكد رئيس مجلس شورى الدولة السابق "للانتقاد.نت" أن الوضع الحالي للحكومة لا يتيح لها "تسلم مقاليد الحكم" و"إدارة المرافق العامة" بالشكل الذي يجب أن تديره أية حكومة قادرة، وذلك حتى عرض بيانها الوزاري ونيلها الثقة على اساسه من ممثلي الشعب في البرلمان.

وذكّر الخوري بأن "لا مرسوم يمكن للحكومة توقيعه" وهي في وضعية ما قبل نيل الثقة، لأن الثقة المستمدة من ممثلي الشعب "هي العنصر الأساسي لتولي مقاليد الحكم" الفاعل.

ونبّه يوسف سعدالله الخوري، الاستاذ في القانون بجامعة الحكمة، بأن الوضع الحالي و"كأننا نعيش في ظل حكومة تصريف أعمال تعمل بالحد الأدنى من نشاطها" فهي "غير قادرة على إصدار ابسط التشكيلات في المرافق العامة للدولة".

وأشارالخوري لـ"الإنتقاد.نت" إلى أن الحكومة المُشَكَّلة تعد كالمستقيلة إلى أن تنال الثقة التي تتيح لها "ممارسة الحكم" وهذه الثقة لا يمكن ان تنالها إلا عبر بيانٍ وزاري وفي حال حجب الثقة عنها فإنها تصبح مستقيلة حكماً وبمستوى حكومة تصريف اعمال.

-البيان الوزاري بين الواقع والتطبيق:

منذ تأسيس الجمهورية اللبنانية عبر صيغة 1943 وحتى حكومة الطائف عام 1989، شملت البيانات الوزارية للحكومات المتتالية أربعة مواضيع رئيسية هي بناء "

الوحدة الوطنية" و"الثقة" بين اللبنانيين وبناء "دولةٍ حديثةٍ مستقلة" و"إقتصاد منتج"، واستمر الوضع على حاله حتى وقتنا الحالي حيث لم يطرأ أي تغيير جوهري على هذه المواضيع بنصوص البيانات الوزارية، فيما لم تنجح التطبيقات العملية بتحقيق أي من هذه النقاط الرئيسية على ارض الواقع.

فعلى المستوى السياسي نرى أن الصبغة الطائفية للنظام اللبناني، التي وعدت المجالس الوزارية منذ الإستقلال بإلغائها على اعتبار "إنها وصمة عار" (كما قالت حكومة الاستقلال عام 1943)، بقيت ملتصقة بجسد النظام اللبناني حتى أيامنا هذا، والرؤى التي تجلت في حكومات ما بعد الطائف (التأكيد على الإلتزام بالتوافق الوطني) تحولت إلى استئثار بالحكم في حكومات رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة (محاولة تهميش الطائفة الشيعية واستبعاد السواد الاعظم من ممثلي الطائفة المارونية "التيار الوطني الحر").

وفي بناء الدولة الحديثة القائمة على أسس استقلالية حقيقية، لا زالت بعض المعزوفات القديمة الجديدة التي تبني على المقولة البائدة "قوة لبنان في ضعفه" تحاول ان

تجد حيزاً لها في البيان الوزاري الجديد عبر القول أن فقرة المقاومة السابقة من البيان الوزاري السابق لا تعتبر تسوية مقبولة وهو أمر يثير الإستغراب مع كل

التجارب المريرة التي شهدها لبنان(في تاريخ الصراع العربي الصهيوني).

وعلى المستوى الإقتصادي والإجتماعي فإن الحكومات اللبنانية لم تستطع نقل البلاد من حالة المزرعة السائبة إلى حالة الوطن والدولة، وقد ظهر كلام لا يعدو كونه

تبريراً للبقاء في الحالة الراهنة المزرية بالقول أن العمل على البيان الوزاري الحالي في الشق الإقتصادي يتناول البحث "عن بنود قابلة للتطبيق والتنفيذ"!!!!

-الوزير السابق عصام نعمان: للبيان الوزاري الحالي "أهمية من ناحية الشكل والمضمون"

الوزير السابق الدكتور عصام نعمان، وفي حديث خاص بـ"الإنتقاد.نت"، شرح أنه "في موضوع البيان الوزاري يجب التفريق بين مرحلتي دستور لبنان عام 1926

الذي جرت عليه بعض التعديلات الطفيفة، ومرحلة ما بعد اتفاق الطائف في عام 1989 الذي أدخل بعض الإصلاحات الدستورية"، وشرح الدكتور نعمان بأن "السلطة الإجرائية بين 1926 وحتى 1990 كانت منوطةٍ برئيس الجمهورية، فيما انتقلت هذه السلطة إلى مجلس الوزراء مجتمعاً بعد سنة 1990 ".

ويرى الوزير السابق عصام نعمان "أن الفارق بين المرحلتين أن مجلس النواب كان أداة طيّعة في يد رئيس الجمهورية في السابق، في ظل عدم وجود احزاب سياسية

فعلية على المستوى الوطني الشامل حيث لا وجود لاكثرية برلمانية واضحة في مجلس النواب"، ويضيف نعمان "أن رئيس الجمهورية كان فيما مضى يصنع هذه

الأكثرية النيابية ويجيرها لمصلحة رئيس الوزراء الذي يعينه وبالتالي فإن البيان الوزاري لم تكن له قيمة سياسية تذكر" وكان نيل الثقة عبر البرلمان مجرد إجراءات

شكلية.

ويلفت نعمان إلى أن الوضع بعد اتفاق الطائف "تغير من ناحية الإصلاحات الدستورية التي أدخلها هذا الإتفاق، ولم يعد رئيس الجمهورية قادراً على تشكيل الاكثرية

النيابية في البرلمان"، ويضيف الوزير السابق عصام نعمان أن ذلك "كان يتيح لهم تمرير الحكومات بصرف النظر عن البيان الوزاري" المعلن عنه.

وفي المرحلة الثالثة التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، يقول نعمان "ما عاد بوسع أية اكثرية نيابية أن تملي اموراً معينة على الحكومة،

واصبح هناك تجاذبات" لم تحسم الامور لطرف بعينه.

وأردف نعمان قائلاً بأن "الإنتخابات الاخيرة اعادت انتاج الوضع نفسه"، وتطورت الامور بحيث لم يعد هناك اكثرية واضحة "مع انسحاب كتلة اللقاء الديمقراطي  (بزعامة النائب وليد جنبلاط) من تكتل 14 آذار" وبالتالي فإن هذه الأكثرية "لم تعد تستطيع أن تحكم أو أن تملي بيانها الوزاري الذي تريد".

ويختم الوزير السابق عصام نعمان ان للبيان الوزاري حالياً "أهميته لانه يجب ان يأتي نتيجة توافق القوى ولعدم وجود اكثرية حاكمة، وأضفى ذلك عليه أهمية من

ناحية الشكل والمضمون" وأشار نعمان إلى "أن إقرار البيان الوزاري سيكون مجرد إجراء شكلي نتيجة الإتفاق المسبق عليه من الاطراف " الممثلة في مجلس النواب.

2009-11-20